الشارع.. لمن؟

| |






يكشف كتاب «خطاب الشارع.. تحولات الحياة والموت في مصر»، الذي كتبه أستاذ الإعلام د.محمد شومان، الكثير مما نعرفه ونرفض أن نناقشه.
يقدم الكتاب الصادر ضمن سلسلة «كتاب اليوم» عن دار أخبار اليوم، قراءة شاملة لخطاب الشارع والناس في مصر، بدءًا من مشكلة الزحام وانتهاء بتناقضات الشارع المروري.
يرسم المؤلف صورة مختلفة لحركة الناس وكرنفال السيارات -بأنواعها المختلفة والمتناقضة- في شوارع القاهرة، مؤكدًا أنها تجسد خطابـًا بالغ التنوع والتفرد والتعقيد، يعكس حال المجتمع والناس في مصر والعلاقات التي تربط بينهم من ناحية، وتربطهم بالسلطة من ناحية أخرى. فما بين الضجيج والفوضى، والتحايل على سلطة القانون والدولة، هناك خطابٌ متناقض ومتصارع إلى أقصى حد، يشارك فيه الجميع.
يرى د.شومان أن «فوضى الشارع وغياب سلطة الدولة وأنظمة المرور يفتح المجال أمام صراع إرادات بين السيارات المختلفة والمارة وأحيانــًا بعض مجندي الشرطة. كل هذه الصراعات يُفترض أن تؤدي إلى أزمة بل كوارث مرورية، وحوادث كثيرة وكبيرة، ومع ذلك لا يحدث شيء من ذلك، ويتكيف الجميع على الضجيج والتلوث والبطء في التحرك بين أحياء المدينة بل وفي داخل الحي الواحد» (ص 13).
ويشير الباحث إلى ميل أغلب قائدي المركبات في مصر على اختلاف أنواعها –بدءًا من «التوك توك» والدراجات النارية إلى حافلات النقل العام- إلى استخدام آلة التنبيه باعتبارها «لغة تخاطب» مع الآخرين، مثل طلب إفساح الطريق أو توجيه التحية لشخص والاحتفال بفوز فريق كرة قدم أو الإعلان عن الفرح بزفاف أو خطبة.
وإلى جانب آلة التنبيه، هناك من يسيء استخدام الراديو أو الكاسيت بطريقة تضيف مزيدًا من الضجيج إلى الشارع. يبدو الصوت المرتفع هنا كما لو أنه عادة لدى البعض، أو محاولة لإعلاء شأن صاحب الصوت الذي يستمع إليه كل سائق ويُفضله عن غيره، سواء كان مطربـًا أو مقرئـًا أو رجل دين، لكنه في الوقت نفسه «يعتبر نوعـًا من ممارسة السلطة وإعلان الوجود، وفرض الذوق الخاص على الآخرين، خاصة عندما يتعلق الصوت المنبعث من هذه المركبة أو تلك بأغانٍ أو شعائر دينية» (ص 17).
كما يمكن النظر إلى رفعه صوت الراديو أو جهاز التسجيل باعتباره نوعـًا من التنفيس عن مكبوت أو إخفاق ما، أو الهروب من ضجيج أكبر إلى ضجيج خاص.
ويحلل د.شومان ظاهرة الكتابة والرموز على هياكل السيارات؛ إذ لا تكاد تخلو مركبة في شوارع المحروسة من كتابات أو رموز ذات طابع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي أو ديني أو مهني، وكلٌ منها يحمل فيضـًا عجيبـًا من المعاني والدلالات متعددة الطبقات، فبعضها يحمل دلالات طبقية ومهنية في آنٍ معـًا، وكلها تصنع هويات مشتركة أو تتلمس وجودها في مدينة مليونية مثل القاهرة.
الأطباء يضعون علامات تميزهم، وكذلك الصحفيون ورجال القضاء وأعضاء البرلمان، والعاملون في الشركات والمؤسسات المرموقة. الكل يضع علامته أو شارته التي تميزه عبر ملصقات صغيرة على زجاج السيارة الأمامي بشكل واضح وفي نوعٍ من التباهي الاجتماعي.
ولأننا صرنا «بلد ملصقات»، فإن النقابات وبعض الشركات والأندية والجامعات ترحب بذلك وتدعمه، فهو إعلانٌ مجاني متحرك عن وجودها ونشاطها من جهة، وتشديد على هوية فئوية أو مهنية من جهة أخرى.
هكذا تنشط في مصر صناعة الملصقات والرموز وتوزيعها، وخصوصـًا في مواسم الانتخابات، ويتجاور ملصق المهنة أو الطبقة مع الأيقونة الدينية، لنصبح هياكل السيارات -إلى جانب نوعها وسنة صنعها- طبقية ودينية بامتياز (ص 20).
يستكمل د.شومان ما بدأه د.سيد عويس، أستاذ علم الاجتماع، من رصد وتحليل لظاهرة الكتابة على هياكل المركبات في المجتمع المصري المعاصر في كتابه الفذ «هتاف الصامتين»، لكنه يشير إلى ظهور مفردات وتراكيب لغوية وشعارات جديدة، بعضها غريب وعدواني تجاه الآخرين، في مدينة تتوحش كأخطبوط كبير من الأسمنت يتحرك بلا عقل أو ضمير، ومن ثم تتضاعف تخوفات هؤلاء المهمشين ومشاعرهم بالضياع والعجز.
الخطير في الأمر هو ذلك الحضور المراوغ للدولة والقانون؛ إذ إن كثيرًا من الشوارع بلا إشارات مرور، ومعظم تلك الإشارات لا تعمل في أغلب التقاطعات، وحتى إن عملت فإنها بلا معنى أو دلالة أو حضور. هكذا تُدار حركة المركبات والمشاة في التقاطعات والإشارات المهمة في القاهرة بشكل يدوي وباستخدام إشارة اليد لشرطي المرور أو الصافرة أو الاثنين معـًا. وبطبيعة الحال، تزداد الأمور مأساوية وصراعــًا، مع نفي المشاة وتجاهل كلا الطرفين (المشاة وقائدي المركبات) لقواعد عبور الشارع، خاصة مع احتلال الأرصفة وعدم صلاحيتها للسير فوقها وغياب الكباري والأنفاق المخصصة للعبور.
خلاصة القول أن شوارع المحروسة تفتقر إلى المعنى والمعيارية، «ويسودها خطابُ سلطة مراوغ ومختل، لا تسيطر عليه أو تمارسه الدولة، بل تشاركها فيه سلطات عديدة متنافسة» (ص 27)، فهناك أولًا السلطة الأصلية، وهي سلطة الدولة كما تتجسد في ضباط وجنود المرور، وهناك ثانيـًا سلطة قادة المركبات، خاصة عندما تكون المركبة تابعة إلى جهة سيادية، وهناك ثالثـًا سلطة سائقي الميكروباص والميني باص وحافلات النقل العام التي يمارس بعضها أساليب الترهيب ضد باقي السيارات ورُكابها، وهناك رابعـًا سلطة سائق سيارة الأجرة «التاكسي» التي تبدأ باختيار من تقوم بتوصيله حسب مظهره والوجهة التي يردها، وبالتالي المردود المتوقع من «الزبون» (وإن تكن هذه السلطة الأخيرة قد تراجعت نسبيـًا مع ظهور أنواع جديدة من خدمات سيارات الأجرة التي تعتمد على شركات متخصصة).
وهناك خامسـًا سلطة السائس الذي يفرض نفسه على رصيف أو شارع أو موقع مجاور لمطعم أو مركز تسوق تجاري أو متجر، وهذا السائس يعمل وفق أعراف ونظم غير مدونة، بعيدًا عن قبضة الدولة والقانون. وهناك سادسـًا سلطة أصحاب المحال وبعض مُلاك العمارات وساكنيها، ممن تخلصوا من سلطة الدولة على الطريق العام الذي يمر بموازاة ملكيتهم الخاصة وقرروا ممارسة سلطة الاستحواذ على أماكن من الطريق العام والتعامل معها على أنها ملكية خاصة.
لك أن تتساءل بعد هذا كله، على طريقة يوسف شاهين: «الشارع.. لمن؟!».


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!