«شقة الجابرية».. التعليمات في الداخل!

| |






طوبى لمن قالوا كلمة حقٍ لأناسٍ يخافون الضوء.
هذا بالضبط ما فعلته د.عالية شعيب في روايتها «شقة الجابرية.. باستا الجسد» الصادرة عن دار الياسمين، حين بادرت إلى تعرية المسكوت عنه ومواجهة الظواهر الاجتماعية بكل مسؤولية بدل مواجهتها بالتجاهل والتكتم.
قد تشد قوسَ الدهشة حتى منتهاه، لكنك حتمـًا سترى.
هنا تتابع أحداثًا لاهثة، حبلى بالتفاصيل، وتمنحك بطاقة دخول إلى عالمٍ مسوَّر بالصمت والتواطؤ، مسكونٍ بأناشيد العشق بين النساء، وفحيح الأجساد الناعمة حين تلتقي، وعويل الأرواح الساخنة.
«شقة الجابرية»، التي تقع في 192 صفحة من القطع المتوسط، تتناول حياة عدد من النساء، هن في الأصل صديقات مقاعد الدراسة، اتخذن لهن متنفسًا بالتشارك في شقة يلجأن إليها للتنفيس عن عشقهن وعلاقاتهن المثلية.
تأخذك عالية شعيب الحاصلة على درجة الدكتوراه من  جامعة برمنجهام في موضوع «الهوية الجسدية للمرأة», إلى منطقة الجابرية في الكويت، التي تدور فيها أحداث روايةٍ صادمة في خيوطها وخطوطها، لكنها تشقُ بمشرطِ الحقيقة العفونة والصديد، ليتمكن الجرحُ من الالتئام، والصدع من التداوي، والوقوف من جديد.
إنها رواية عبور الجسر، إلى الشراشف الدائخة بالعشق المُحرَّم، الثملة بالقُبَلِ والأحضان خلف الأبواب الموصدة. تستنطق الرواية جدران «شقة الجابرية»، وتجعل كل قطعةٍ ووسادةٍ وشمعةٍ ووردةٍ تبوح، وكل آهةٍ وشهقةٍ ونشوةٍ تخرج من إطارها للعالم.
في «منطقة التناقضات، المجون والطيبة، الوجع والدواء، القبح والجمال، الثراء والفقر، الحرام والفضيلة، الجنس المعلب، اللحم الرخيص والغالي الممتنع» (ص17)، تدور أحداث هذه الرواية. أما اختيار البطلات للمكان فله أسبابه، «لأنها عاصمةُ داخل مدينة، أشبه بمجمعٍ تجاري يشرع أبوابه لكل الفئات والطبقات والطوائف في كل المواسم» (ص 21)، و«لأنها منطقة تضج بالمحلات والصالونات والحياة التجارية المتنوعة من أتيليهات ومعارض أزياء تجميل وغيرها» (ص 21).
في منطقة تنحتُ حريرَ الجسد عبر مراكز التجميل وصالات التمارين الرياضية، يكون الليلُ عباءة الشهوات المكبوتة، والبحث عن علاقةٍ حميمة أو انحرافٍ أخلاقي.
متاهةٌ متقنة.
هنا، تتشارك نساءٌ شقةً بعيدًا عن قيود المجتمع والأعين الفضولية، لممارسة العشق على طريقتهن. «الحبُّ بالنسبة لهن كركوب الدراجة، عليكَ الاستمرار بالتحرك، والجنسُ كالقارب، عليكَ إيجاد توازن درجة التأرجح المناسبة» (ص 88).
هنا، يتم افتراسُ أو افتراش وليمة الحبيبات، قبل أن تعود كلٌ منهن إلى وضع قناعها المعتاد في حياتها الروتينية.
حيواتٌ مزدوجة بامتياز.
التعليمات دائمـًا في الداخل.
في هذا العالم الخفيّ «لكل عشيقةٍ لونٌ ورائحةٌ ونمطٌ في فنون العشق.. فمن الغباء تكرار نفس الروتين مع كل واحدة» (ص 88).
الشلة تتمحور حول أربع نساء: المطلقة التي لم يُشبعها زوجها غرورًا أو اكتفاءً.. تقول الرجال. ماكينة تفريخ. أما المرأة فخُلِقَتْ للعشقِ والجنس.
وصديقتُها بنتُ التاجر المعروف، من نخبة المجتمع ورغوته الفاخرة. ترتدي الملابس الرياضية المريحة من الماركات المعروفة.. تتباهى بتحررها وقَصةِ شعرها القصيرة التي تبوح بروحها الثائرة.
أما الثالثة، فمتزوجةٌ. غير مستقرة وبالتأكيد غير سعيدة. لديها ولدان، تشاركهن أسرار بيتها ويقدمن لها السند والنصيحة.. رغم أنها صاحبة الخبرة الواقعية الوحيدة.
أما الرابعةُ فقصتها قصة.. «فتاةٌ نشأتْ في بيئةٍ دينية تقليدية، ثم تمردت وانسلَّتْ من تربيتها، وخالفت شرعً التقاليد، لكنها احتفظتْ بحجابها، ربما حتى لا توجه الطعنة الأخيرة لأبيها. وتظلُ من حينٍ لآخر، تنهالُ عليهن بالأحاديث والآياتِ التي تُذِّكرُ بالعقاب والتخويفِ والترهيبِ من غضب الله.. ثم تأتي إليهن بخيبةٍ جديدة وتتناسى ما قالته سابقـًا» (ص 90).
تفتح عالية شعيب الصناديق المقفلة في سفنٍ غرقت بصمتٍ وسط عمق البحر. تحكي لك عن اعتماد المثليات على اللمس في العلاقة والحُبِّ المحرّم. «فنونٌ تبدأ باليد وتنتهي باللسان» (ص 19). هي «ألفة التلامس بخفة، الإبحار في النظرات والإنصات بحُبٍّ لكل حرفٍ وكلمة. التلاعب بأصابع اليد. الابتسام المتواصل والمزاج الرائق والضحك على أقل موقف. كانتا في فقاعتهما الوردية الخاصة. وكنتُ أنا خارجها» (ص 73).
أثارت الرواية الجدل بسبب معارضة البعض لجرأتها في تناول قضايا اعتاد المجتمع على السكوت عنها بل ونفيها باعتباره يوتوبيا أخلاقي لا يوجد به ما يشين من أمور تطرقت إليها الكاتبة، داعية إلى مناقشة القضية ومواجهتها بدلًا من دفن الرؤوس في الرمال.
عالية شعيب باختصار لم تجد ردًا على منتقديها أبلغ مما جاء في روايتها، حين قالت:
«أرتكِبُ صدقي في مجتمع فاسد، فيجعلونه خطأ
أرتكِبُ صراحتي ومصداقيتي بالبحث والتحليل، فيجعلونه فسقـًا
أرتكِبُ  ذكائي واجتهادي بالإشارة للانحلال والعُهر والانحطاط، فيجعلونه فخورًا
كم تمنيتُ لو أرتكِبُ خطأً، من بلب التغيير، ولا أبالي. لا أغفرُني. لأرى.. فقط لأرى ماذا سيجعلونه حينها» (ص 121).
تكمن عافية القصة في سردها. وهذه الأكاديمية المتنوعة الاهتمامات ما بين الكتابة والرسم، تخض مياه الأخلاق بجرأةٍ وذكاء.
في بحرٍ من التفاصيل، تتألق لغة عالية شعيب، فأنت تطالع -على سبيل المثال لا الحصر- عبارات مثل: «لا براءة، والعشقُ يفتكُ بشهيق اللحظة تبتهل لعطر الشمعة يرحمها.
لا خطيئة، والجمال طبقاتٌ سبع، تتراكم ولا من مغيث
لحبةِ القمح روح، تلتهمها نارُ الغواية
للتعددِ اتحادٌ، كأناقةِ الشراشف الموغلةِ في بدنِ الاشتهاء. الكلُ يستحيلُ جسدًا. والجسد وحيدٌ في الزاوية يبكي.
يا أنتِ يا هي يا أنتنَّ. من تحمل المشعلَ أولًا» (ص 104).
في موضعٍ آخر، تصِفُ بعض جوانب العلاقة الشائكة، قائلة على لسان إحداهما: «لا متعة تضاهي الاستيقاظ مع حبيبتك في فندقٍ ببلدٍ غريب. تتأملُها وهي تغُطُّ بهنائها وسط الشراشف البيضاء غير مكترثةٍ أو خائفةٍ من جرس الباب وتطفلِ الأهل والخدم. نهضتُ، فتحتً شقـًا بسيطـًا بين الستائر لأصدق أين أنا، وغزا الضياء عيني بشراسة» (ص 74- 75).

أنصتتْ عالية شعيب إلى صمتِ الحدائقِ المهجورة، ودبيب الأمل في صحراء تحلمُ بأن تجرفها الأمطارُ، وإيقاع قيثارةِ مهملة، وأغنياتِ قارِعي الأجراسِ، ثم قالت للمارد الخائف من انعكاس صورته في المرآة: كأننا نصنع جحيمنا باختيار الصمتِ واختبار الألم.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!