الفساد.. الوجه الآخر للإرهاب

| |



الوطن خارطة من لحم ودم.. لحمنا ودمنا نحن.
أما الذين يريدون تحويل الوطن إلى مسابقة للكلمات المتقاطعة، ويتوهمون أن حل ضفائر مصر وإهدار ثرواتها ونهب مواردها عبر القروض التي لا تُرد والمشروعات الوهمية والاستيلاء على الأراضي بالقوة وأعمال السمسرة وسياسة قبول الهدايا والرشى، تمنحهم القوة والنفوذ والقصور والحسابات المصرفية في الخارج، فإنهم ليسوا سوى لعبة ودمية يتم استخدامها لفترة وتهديدها تارة والتلاعب تارة أخرى، قبل التخلص منها والكشف عن فسادها في الوقت المناسب أو غير المناسب.. لا فرق!
الأكيد أن مصر في ثورة 25 يناير 2011، نفضت عن المصريين تهمة الانتماء إلى كتيبة "أبناء الصمت"، ليبدأ المجتمع رحلة استعادة روحه المغيّبة وكرامته المهدرة وحرياته المنتهكة. يكفي أن تلك الثورة العظيمة نبهت الجميع إلى أن شعب مصر يملك قوة التغيير وأن النظام الحاكم ليس بالتماسك أو الصلابة التي توحي بها مظاهر استعراض القوة.
الآن، وقد حان وقت العمل والأمل، فإن من أولويات العمل التي نحسبها مهمة، إعادة الاعتبار إلى قيمة القانون التي تراجعت وأهدرت في ظل عقود مضت، عبر سن عدد من القوانين والتشريعات التي تمكن من محاسبة الفاسدين وعودة الحقوق إلى الشعب وفض الاشتباك بين السلطة والثروة، ومنها قانون محاكمة الوزراء وقانون عدم تعارض المصالح، بالإضافة إلى تفعيل القوانين القائمة والتي تم تجميدها من قبل للتستر على عدد من الفاسدين من الوزراء ورجال الأعمال.
ونحن لا نتجاوز الحقيقة حين نقول إن القوانين الموجودة حاليـًا مليئة بالثغرات لحماية الخاصة من المقربين من النظام، ومنها قوانين: حماية المستهلك، ومنع الاحتكار، ومن أين لك هذا.
إن اختفاء قانون "من أين لك هذا" خلال العقود الأخيرة أفرز نوعـًا من عدم المحاسبة أو المساءلة بشكل عام على مستوى جميع قطاعات وهيئات ووزارات الدولة، حتى بدا أن اختفاء المساءلة أو غض الطرف عنها هو نوع من مباركة نظام حسني مبارك لانتشار الفساد.
ومن الأهمية بمكان تسريع وتيرة التحقيقات في قضايا الفساد الواضحة للعيان سواء المتورط فيها وزراء سابقون من رجال الأعمال أو رجال الأعمال الكبار والمعروفين التابعين للنظام مستغلين نفوذهم، مع ضرورة وجود معلومات متاحة وسريعة عن نتائج التحقيقات التي تجرى مع عدد من الوزراء ورجال الأعمال من أجل أن يهدأ الشارع المصري.
وللمستقبل، أصبح لزامـًا على جميع المسؤولين -وخاصة الوزراء والنواب ورؤساء المجالس الشعبية والمحلية والجامعات- الالتزام بتقديم الإقرارات الضريبية والذمة المالية سنويـًا، بما يحدد ثروات المسؤولين والتغيرات التي تطرأ عليها من عام لآخر وتبريرات أي زيادة في تلك الثروات.
إن قانون العقوبات المصري ينظم ما يتضمن ردع الفاسدين ممن يعتدون على المال العام في الباب الرابع من الكتاب الثاني منه، حيث نصت المادة (112) على أن "كل موظف عام اختلس أموالًا أو أوراقـًا أو غيرها وجدت في حيازته بسبب وظيفته يعاقب بالسجن المشدد"، ويشترط هنا أن يكون المال في حيازة الجاني، أي تحت تصرفه وله صفة المال العام.
ونصت المادة (113) على أن "كل موظف عام استولى بغير حق على مال أو أوراق أو غيرها لإحدى الجهات... أو سهل ذلك لغيره بأية طريقةٍ كانت يعاقب بالسجن المشدد"، وهنا لا يشترط أن يكون المال في حيازة الجاني بل يكفي أن يكون من المال العام واستولى عليه لنفسه أو سهل ذلك للغير. وطبيعة الموظف العام والمال العام هي ما تميز جرائم العدوان على المال العام عن جرائم السرقة المؤثمة بقانون العقوبات بالمادة (311)؛ إذ إن "كل من اختلس منقولًا مملوكـًا لغيره فهو سارق": المادة (26) التي تقوم معها الجريمة على المال الخاص، إلا ما استثنى القانون بنصٍ خاص.
طبقوا القانون وحاربوا الفساد بجدية وجففوا منابعه، لأنه لا يقل خطرًا عن الإرهاب.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!