(1) حكايات المصريين المغتربين مع أهل الزُنبة والإسفين

| |


















كأنها "نيران صديقة".. تصيب المصري أينما حل في بلاد الله: المكائد والدسائس

ولأن "ظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهند" فإن أشد الأمور إيلاماً أن يكون الذي أطلق تلك النيران مصري أيضاً.. وهكذا تسمع من يحدثك بمرارةٍ عن تلك الظاهرة المرضية: الخوازيق

الكل يشكو من الخوازيق..فمن إذن يصنعها؟

إنها حكاية كل يوم في المنزل والمكتب والشارع: شخص يدبر خازوقاً لآخر..ثم يتباهى في آخر النهار وسط رجاله أو شلته أو حتى زوجته بأنه أوقع فلاناً "في شر أعماله"..ولكن ما هي حكاية المصريين مع الخوازيق؟ ولماذا انتشرت المكائد والدسائس والحيل بين المصريين حتى أصبحت أمراً مألوفاً وحقيقة واقعة؟ وما هو التفسير التاريخي والتأصيل الاجتماعي لمصطلحات شعبية من عينة "الزُنبة" و"المهموز" و"الفخ" و"الإسفين" و"الصاروخ" في واقع المصريين داخل حدود وطنهم وفي بلاد الغربة؟

إنه شيء مذهل حقاً أن نجد المصريين يستمتعون بهذه الفكرة ويطلقون عليها أسماء عدة متنوعة وكأنها باقة من الزهور لتختار منها ما تشاء وتطلقه على ما تفعله بغيرك..ثم تحكيه في فخرٍ لتأكيد دهائك وتعزيز مكانتك والتشفي في الطرف الآخر الذي أوقعه حظه العاثر في طريقك

دعونا نبدأ من هذه الحكاية: المصري الذي يعمل في بلاد الغربة لزيادة دخله وموارده وتحسين ظروفه الاجتماعية..يحدثك أول ما يحدثك عن أسافين وخوازيق تعرض لها ومقالب أصابته من مصريين مثله..دمهم من دمه..لكنهم وقفوا في طريقه وحاولوا التخلص منه والتقليل من شأنه..بل وحتى دفعه إلى النفاد بجلده حتى يخلو لهم الجو
وكأننا في حرب أهلية.. تدور رحاها على أرض الغير


والذي عمل في الخارج – من دول الخليج العربي إلى أوروبا والولايات المتحدة- يستطيع أن يقص على أسماعك حكايات وقصصاً لا يصدقها عقل عن عشق المصريين لتدبير المقالب و"إهداء" الخوازيق لبعضهم البعض..وكأنها هوايةٌ لا فكاك منها..أو رغبة في إزاحة هذا وذاك عن طريقه..أو محاولة للتقرب إلى صاحب العمل (غير المصري) وتأكيد الولاء له ولو كان ذلك فوق جثة مواطن مصري يدفع ثمن هذا الخازوق


في دولةٍ خليجيةٍ ما..كان هناك ساعٍ مصري في إحدى المؤسسات الصحفية يدعى "سعيد"..لا ترتسم على وجهه علامات السعادة إلا إذا صنع خازوقاً من العيار الثقيل لزميل مصري..إما عن طريق الدسيسة أو نقل كلامه محرَفاً إلى رؤسائه في الصحيفة..أو الإيحاء بأنه يفعل كذا وكذا..وكانت رغبته هذه في النيل من أهل بلده غير خافيةٍ على أحد. وكان يتبجح بالقول" أصل أنا بحب أقول كل حاجة ل"عمي"..وعمه هذا ليس سوى صاحب العمل أو رئيس التحرير الخليجي

وفي بلدٍ عربي آخر..ارتدت الوافدة المصرية الجديدة "إيناس" قناع الضحية لتدبر مكيدةً مع آخرين أزاحت بها أحد أبناء بلدها عن المؤسسة التجارية التي يعملان بها.. بعد أن شعرت إثر مواجهة بينهما بأنه عقبة في طريق صعودها إلى مواقع وظيفية أعلى

ترى..كم "سعيد" يملك المصريون في الداخل والخارج؟ ولماذا تخصصت النسخ البشرية من "إيناس" في النيل من المصريين دون غيرهم؟ وما هو شعور وتبرير هذا الطابور الطويل من صانعي الخوازيق و"الزُنب" و"المهاميز" لأنفسهم الذي يجعل ضميرهم في مناعةٍ تامة من أي تأنيب ضمير على ما يرتكبونه في حق غيرهم وفي حق أنفسهم؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات تدفعنا تدفعنا إلى الحديث عن صناعةٍ خطيرة هي صناعة الخازوق في مصر

في سياق تفسيره وتأصيله لظاهرة الخوازيق في مصر.. يقول "ع. ع" مؤلف كتاب "تراث العبيد في حكم مصر المعاصرة" إن الخوازيق ظهرت نتيجة حكم الرقيق الذي تبلورت فيه نظمهم السلوكية الحاكمة بشكل نهائي في دولة المماليك في ظل الدولة العثمانية. نحن إذن في مصر وبعض بقاع العالم العربي والإسلامي متفردون في هذا النظام الغريب (الرقيق حاكم الأحرار) أو (الرقيق مسترق الأحرار)..وهل يقبل رقيق أن يكون محكومه حراً؟

في هذه الحالة كان من الطبيعي أن يتفنن العبد عندما يصبح حاكماً في الإيقاع بين مجموعات العبيد (المماليك) التابعين له..خاصةً إذا كانوا من المجلوبين أو المجاليب (أي العبيد الكبار الذين يتم شراؤهم)..ولم يكونوا من الترابيين (أي العبيد الذين تم شراؤهم صغاراً وتربوا على يدي أستاذهم). ونتج عن ذلك تبلور مفاهيم "المهموز" و"الدبوس" و"الزُنب" (جمع زُنبة) وهي مفاهيم مملوكية أصيلة مازالت مستخدمةً بألفاظها غالباً وإن كان المصريون قد عبروا –بعد ذلك- عن المعنى نفسه بألفاظ أخرى مثل"التدبيس" بمعنى تلفيق التهمة..أي إسناد تهمةٍ لشخصٍ بريء. والكلمة تستخدم غالباً في مجال إظهار البراعة.. براعة الكاذب في إسناد التهمة لبريء

و هناك أيضاً "التلبيس" ومعناها لا يختلف كثيراً عن "التدبيس"..وهما إضافة إلى "الدبوس" و"المهموز" نماذج للتراث المملوكي الأصل. وربما يمكن القول إن مثل هذه الأمور هي النسق العام والمسلك الطبيعي بحيث لا تؤدي إلى أي إحساس بالندم بمعنى فصل الأخلاق عن السياسة الداخلية وتحت ستار "الشغل شغل"..إلخ..فإن هذا يؤدي إلى عواقب وخيمة لا تصلح معها قوانين إصلاحية أو تشريعات..فيصبح الحاصلون على المكافآت ليسوا بالضرورة من يستحقونها..ومن يحصلون على علاوت تشجيعية ليسوا بالفعل من يستحقون التشجيع..وقد رصد الفكر الشعبي كثيراً من هذه الأمور في حكمه وأمثاله

وتكون المصيبة أكبر والخوازيق أكثر صراحةً والزُنب على المكشوف حين يكون المصريون في بلاد الغربة. بعبارةٍ أخرى.. فإن المصريين بأسهم بينهم شديد..فتكاد لا تجد بينهم روح الجماعة أو القبيلة أو العشيرة..وتختفي حالة التكاتف والتضامن إلا فيما ندر في حين أن التحالف أمر شائع ومألوف بين الآخرين مثل السودانيين والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والتوانسة والجزائريين والموريتانيين الذين يحولون في بعض الحالات تجمعاتهم إلى "لوبي" في مكان العمل أو حتى البلد الذي يقطنونه. أما المصريون فقد يبلغ بعضهم عن الآخر كذباً وباطلاً أو بأسلوب "حق يُراد به باطل"..يتحالفون تحالفات مؤقتة لإسقاط الناجح منهم..يكونون تجمعات صغيرة ضد تجمعات صغيرة أخرى.. ويتناحرون على أي شيء

وليس بمستغرب والحال كما نقول أن تعجز –إلا فيما ندر- عن رصد جالية مصرية في الخارج تحافظ على مصالحها وتحمي أفرادها وتتدخل بقوة لرعايتهم من مختلف الأوجه. وتظهر التشرذمات (المملوكية) بين المصريين في الخارج (بلاد الغربة) بشكل أوضح بكثير مما تظهر داخل مصر نفسها

دعونا نتصور موظفاً أو مدرساً قابل رئيسه أو ناظر مدرسته في بلاد الغربة وجمع بينهما العمل في مكان واحد..كيف ستكون العلاقة بينهما؟

إن الوقائع والشواهد ترجح أن يحاول المرؤوس النيل من رئيسه السابق والإيقاع به والتحريض عليه وتعريضه لشتى أنواع الإهانات وما يسميه المصريون "قلة القيمة". إن المرؤوس في هذه الحالة يتصرف تصرف المملوك الذي أفلت من قبضة (أستاذه) أو المملوك الذي يسعى بدوره لتكوين (مجموعة) خاصة به ضد مجموعة رئيسه السابق (المملوك الآخر) ليبدأ المملوكان في الصراع للوصول إلى السلطة...وهي قد تكون هنا الوصول إلى قلب صاحب العمل (وهو في الغالب الأعم غير مصري)

وعادةً ما ينجح المرءوس أو الموظف الأقل درجةً في مصر في تحطيم رئيسه السابق أو الشخص الأعلى درجةً في مصر لأنه قد يلجأ إلى أكثر الأساليب وضاعةً وخسةً كي يحقق مأربه..إلا إذا كان المسؤول الأعلى درجةً ماهراً في إعطاء "زُنبة" مملوكية أصيلة للموظف الأقل درجةً مما يجعل صاحب العمل العربي أو الأجنبي يسخط عليه

الطريف أن نظرية "الأعداء غير الكاملين" قد تظهر بين هذين الخصمين...إذ يصبحان –الكبير والصغير- صديقين في الظاهر ويمارسان لعبة النفاق بمهارة، في حين أن الألاعيب والدسائس مستمرةُ في الخفاء..وكلٌ منهما يعلم تمام العلم أن المصائب أو المشكلات التي يقع فيها مصدرها الطرف الآخر

وليس الفقر الذي يعانيه قطاع واسع من المصريين في بلادهم هو السبب –كما يروج البعض- في انتشار ظاهرة الخوازيق فيما بينهم..لأن هناك جاليات وتجمعات عربية أخرى وفدت من دول تمر بأزمات اقتصادية طاحنة لكنها تبقى عادةً أقوى بكثير وتبدو أحسن تنظيماً وأفضل تعاوناً من الجاليات والتجمعات المصرية –إن وجدت- التي تتعرض باستمرار لقضايا الصراع والتنافس والمكائد من كل صنفٍ ولون
إن فريقاً من المصريين في الخارج لا يقف مع أبناء وطنه بالدعم والمؤازرة..وإنما يقف في طريق أيٍ منهم محاولاً إبعاده وربما طرده من هذا البلد إن أمكن.. صحيح أنه توجد نماذج مشرفة وأصيلة تصون الود وتحفظ العهد وتبادر إلى مد يد العون وقت الحاجة.. لكننا نتحدث في هذا المقام عن صنف من الناس لا يعرف سوى مصلحته الخاصة والسعي إلى تحقيقها حتى إذا كان ذلك يعني تصفية الآخرين معنوياً وإبعادهم عن طريقه.. وإذا كان هناك نموذج أحمد السقا في فيلم "همام في أمستردام" (إخراج: سعيد حامد، عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين) فإن هناك أيضاً نموذج ذلك الشاب المصري "سيد الإسكندراني" الذي كان يطعم رفاقه في الشقة طعام الكلاب والقطط..ويدبر مكيدةً لمصري آخر حتى يحل محله في المطعم


لا يمكن أيضاً تفسير صراع المصريين في بلاد الغربة بما يسمى "غيرة المهنة" أو المثل الشعبي "عدوك ابن كارك" (أي مهنتك)..وصياغة المثل فيها كثير من المبالغة.. فالعلاقات بين أبناء المهنة الواحدة قد تحكمها المنافسة أكثر مما تحكمها العداوة. غير أن الفاصل بين الغيرة والحسد والحقد يختفي تماماً عند مجتمع اهتزت قيمه الأخلاقية وشوهتها متغيرات عدة لتصبح الغلبة لمن يجيد صنع الدسائس وتدبير المكائد

ولا أحد يدري كيف يستسهل كثيرون ممن نتعامل معهم أو ممن نقرأ عنهم في تراثنا الشعبي وإبداعنا القصصي والروائي ونشاهدهم في تاريخنا السينمائي.. أن يحرق حقل جاره الأجود زرعاً إن استطاع وأمن العاقبة..بدلاً من أن يجوِّد كفلاحٍ زراعته.. وكيف يختار موظف سرقة ملفٍ أو أموال من عهدة زميله المتفوق..وكيف يتحالف موظفون ضعفاء ضد زميلهم الناجح لإلغاء عقده أو طرده من بلاد الغربة. وهكذا يمضي أهل الخوازيق في هدم كل نجاح حقيقي لأحد زملائهم..فهذا أيسر لهم من تحقيق نجاحات خاصة بهم

إن هذا المنطق المغلوط – الكيد والدسيسة والإيقاع بالآخرين- هو الذي يحكم عشاق الخوازيق..لأنه موروث في أعماق عدد لا يستهان به من المصريين مثل غيره من المعتقدات الشعبية ذات الطابع السلبي..التي تحتاج لتغيير جذري لن يكون سهلاً بأي حال. إن الفردية في تراثنا الشعبي تعني أن كل فرد هو محور الكون.. وأن تحالفاته مؤقتة لأنه لا شيء مضموناً.. وأنه "لا أحد أفضل مني" حتى وإن كان أكثر كفاءة.. ليولد في وسط هذه الغابة من الأفكار المغلوطة مفهوم "اشمعنى أنا"

وفي ظل غياب نظام اجتماعي وأخلاقي يحمي أهل الكفاءة ويطبق معيار المهارة والتفوق لتحديد مستوى ومكانة كل فرد.. فإن اختلاط الأمور وضبابية الموقف يجعل الكثيرين يطمعون في كل ما هو ليس من حقهم..ويرى الفرد من هؤلاء أنه لا بأس من إسقاط "فلان" كي يحل محله وينال ما ناله من مالٍ وجاه وحظوة

الخطير أن من يدبر المكائد لأبناء وطنه في بلاد الغربة ويخطط لتنفيذها قد لا يرى في ذلك سلوكاً معيباً وإنما يعتبر نفسه من الفهلوة والشطارة بمكان لحد أنه نجح في تنفيذ "مهموزه" بدهاء حتى اكتملت الدائرة وحقق مراده ضد الطرف الآخر: ابن بلده

ولأن المجتمع يتساهل مع هذه الخوازيق فإنه يبدي إعجابه بتراث من عينة "ملاعيب علي الزيبق" ..وكان رئيس عصابة في بغداد, في القرن الخامس الهجري. والحكاية الشعبية جعلت القاهرة مولده وبغداد مكان نشاطه. وهو نموذج المحتال الذي يمارس "ملاعيبه" ليس من باب إشباع الهواية فحسب، بل أصبحت بالنسبة له أسلوب حياة، ومنطقاً يدير به شؤون الحياة، وهو دائماً قادر على إبهار الجميع بمن فيهم ضحاياه أنفسهم، الذين غالباً ما يغفرون له احتياله عليهم إعجاباً بقدراته في ابتكار الجديد والمثير من الحيل و"الملاعيب". كما تجد المجتمع في حالة إعجاب بدهاء وخدع "علي جناح التبريزي" ويعلي من شأن هؤلاء المخادعين والماكرين الذين وظفوا دهاءهم وخبثهم للإيقاع بالآخرين ببراعة..ولا عزاء للضحايا والمتضررين منها

ويتناسى الضالعون في هذه المكائد والمستمتعون بصناعة تلك الدسائس أنها جريمة متكاملة الأركان: بحق أبناء وطنهم في الغربة – أو الداخل-.. وبحق أنفسهم التي هانت عليهم وقادتهم عبر طريق الخبث والنفس الأمارة بالسوء إلى قاع الحقد والحسد والغيرة.. وإلى وطنهم الذي يدفع في النهاية ثمن كل ما نفعله.. هنا وهناك

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

28 التعليقات على "(1) حكايات المصريين المغتربين مع أهل الزُنبة والإسفين"

أكتب تعليقا