سقوط حُر


 



لم يشغلني طنين جهاز تخطيط القلب عن الكتابة لكِ.

في غرفة العناية الفائقة، ثمة حُمى تنام إلى جواري وتبلل الملاءة بالعرق الذي ينز كما لو أنه ماء جسدي يتطهر من ذنوبه.

جلدي ينتفض مثل عصفور بلله مطر ديسمبر.

لا أحد يتحسَّس جبيني ويسترضي شياطين حرارتي المرتفعة كي تدعني وشأني ولو قليلاً.

لا أحد يقبل جبهتي، ويهدهد هذياني، ويواسي عقلي الغارق في الغياب ببضع كلماتٍ مؤثرة.

وحدها الممرضة بوجهها المحايد تُعاين حالتي في مواعيد تناول الدواء، وتنتظر موعد انتهاء ورديتها المضجرة.

غالبـًا لن يزورني أي طبيب هذه الليلة، ولن يستفسر من الطبيب المناوب عن حالتي أيٌ من معارفي الذين يحتمون خلف طبقات من التحفظ والانتماءات المزيفة.

كم فتَّتني الجفاء!

حين سقطتُ فجاة في نهر الطريق، عجزتُ حتى عن الاستغاثة، سألني من تجمهروا حولي عن عنوان البيت، فأجبت: عنواني هو ذلك الشارع الواسع الذي لسوء حظه لم يصبح ميدانـًا، وتلك الشقة الفخمة التي لسوء حظها ليست وطنـًا.

ثم ران صمت طويل؛ يحدث أحيانـًا أن يحول الصمت بيني وبين ضجيج الحياة.



لم أكن بحاجة إلى هذا السقوط الحُر حتى أدرك كم أنا إِعْصارٌ وحيد؛ لا أحد بجانبي غير جحيم صفيري وأنقاض الهاربين.

تاريخي مع الوحدة يجعلني أتقن تمامـًا دور الإنسان المتحفظ، الذي يتفادى لعبة انتظار الآخرين.

هل أنا نبيٌ في غار وحدته الشفيفة، أم يتيمٌ معفى من اللوم ومن المودة؟!

أرقد على سرير وحدتي؛ غرفتي حديقة مهجورة يرتدي فيها اللوز حلّته البيضاء.

أمرّن نفسي على قيامتي، والإبداع الجامح في الموت المؤجل.

لن أنجح كثيرًا هذا المساء في مداراة هشاشتي؛ سأظل مُحملاً بعتابٍ صامت للغائبين عن المشهد بإرادتهم.

كم أفتقد أمي، التي كانت تندهش من أين أتيتُ بكل هذا الحزن، ولا تدري أنها نبعه الأصيل.

الإبرة الصغيرة حد الاختفاء، تُذكرني بوخزها المؤلم ملامح يدي المتورمة من الحقن واللصقات الخشنة. في المشافي، يعقد الجلوكوز صداقة مع الأكياس الشفافة المعلقة مثل مشجب الندم. قطرة تلو أخرى، يمتص جسمنا الواهن سوائل تبعث على الشفقة.

كم الساعة الآن؟

لا بد أنها الظهيرة الحارقة، والشارع لا يطيق مرتاديه من كثرة ما ازدحموا ونشروا ضوضاءهم القاتلة وسموم عوادم سياراتهم.

في أي شهر نحن؟

لا بد أننا في مايو، شهر القسوة الذي يهجم عليّ بوحشيته المعتادة كل عام، قبل أن يصالحني شهرٌ آخر على الحياة.

النوم يتوسل، لكن الشريط الدائر في ذاكرتي يعشق زر الإعادة.

أحِنُ إلى كل ما هو خارج هذه الغرفة الخانقة؛ الطرقات والمحال التجارية والمكاتب الإدارية والفنادق الفخمة والمطاعم الآسيوية ذات النكهات الغامضة؛ أشتاق إلى خشب البيت الذي برح به الغرام، والباب الذي له صريرٌ مثل موّال عراقي قديم، كلما ضغط عليه أناسٌ أضناهم الشغف؛ أتوق إلى الأصابع التي تعزف فتنة الألحان على البيانو الألماني العتيق في صالة البيت، وصوت الحروف الذي تخلقه آلة كاتبة باعها لي سائحٌ إيطالي كان كلما أرهقته الشمس، رطَّب وجهه بقبلةٍ قديمة، يحملها دائمـًا في جيبه.

في الخارج يوجد شبان يتسكعون على ناصية شارع ضيق؛ يتبادلون النكات الفجة والشتائم الصاخبة، قبل أن يعودوا إلى بيوت مضجرة، حالمين بغدٍ لا يكررون فيه هذه أكاذيبهم اليومية.

 

في مكانٍ ما تتعدد الصور؛ أمٌ تحشو وسائد الأمل لابنتها كل مساء، وتخشى أن تطال كفُ الخذلان جبينَ البراءة؛ طالبة تسير بمحاذاة السور الطويل، وهي تضم إليها حقيبتها المدرسية، كما لو أنها عصفورٌ يخشى قصقصة جناحيه؛ جار مزعج يبدو صراخه في زوجته وابنه، نشيدًا مثاليـًا لكل الكارهين في العالم؛ رجلٌ ينتعل حذاء رياضيـًا مستوردًا، ويخرج ليريض كلبـًا من سلالة نقية يهز ذيله فرحـًا لأن العالم يراه مع سيده الجديد؛ صعلوك يقف مضاجعـًا الوقت بكآبة، فيما عيناه قاطعُ طريق ولسانُه عصابةٌ ضارية؛ غرباء ذوو حافظات نقود جلدية متشابهة، ينادون العابرات في شوارع غامضة: تعالين نسرق نجومكن، مقابل ورقة عليها وجه القائد المفدَّى.

شخصيـًا، أحبُّ النزهات الطويلة، حتى لا أجالس روحي وأكتشف في أقبيتها ملامحَ أوجاعٍ لا تًحتمل. يا لبؤس الأحذية، التي نجبرها على أن تدوس على أرض مبتلاة بآثامنا الساقطة!

كلما وصلنا متأخرين، كلما قتلنا الحنين إلى سراب ما فاتنا.

أفتش في ذاكرتي عن امرأة كان ينبغي عليَّها السهر على جسدي، فلا أجد سواكِ؛ حبيبتي الأولى، التي كلما عانقتُها، لم أُبْقِ منها شيئـًا لمُستقبلي المَجْهول؛ أميرتي التي كلما أدركتُ المقطع الأخير من ضحكتها، اصطادني الحاضرون متلبسـًا بفعل الفرح؛ جميلتي التي كلما قطفتُها وخطفتُها سالتْ منها نعومتها التي لا تُضاهى.

معكِ فقط عرفتُ تلاحم الكل مع الكل، وسكون الشمس في رحم الظل.

معكِ أنتِ، يا فصيلة الغيم، استقامت باقي سماواتي.

كنا معـًا، حتى لو كنتُ مستلقيـًا في زاوية كتاب، ملتفـًا على خاصرة قلم؛ وأنتِ متكورة أمام طبق رقائق البطاطا، متدثرة بقصدير لوح شوكولا!

رسائلك كانت ترسم ابتسامة على شفتيّ بعبارات لها وهجها الخاص؛ كأن تقولي: "غبتَ طويلاً وكثيرًا. أنتظرك، وأنا كما عهدتْ، مُحرِقةٌ في عناقي"، أو ترسلين لي رسالة نصية لئيمة تقول: "تصبّر عن غيابي ببعض المكسرّات وقطع مختلفة من الفاكهة المجففة؛ لو لم تفعل لن تُقدّر قيمة المرأة الفاكهة التي سقطت على حِجرك من الجنة".

ككل عاشقةٍ، تجيدين حدس مواعيد القلب.

لكنكِ اخترتِ الفراق؛ لتصبحي حواء التي فرت يومـًا من أضلاعي.

ودعتِني، وقلتِ لنفسكِ ولي: ستكون بخير.

لعناتهم، وطعناتهم، أيتها المطمئنة، تطاردني حتى لا أكون كما تتمنين. كل الذين منحتهم وردة رشقوني بسكين، وطعنوني بنصل كلمةٍ مسمومة، ثم تركوا جثتي على قارعة الطريق، وسارعوا للحاق بموعد آخر حافلةٍ تعيدهم إلى الجحيم.

كل امرأة عرفتُها بعدكِ كانت خيبة أمل كبرى.

كُن يفاجئنني دومـًا شعور عام بفقدان جذري للصلة بالواقع. ربما كنتُ أنا الذي انقطعتْ صلته بهذا الواقع.

ليتهم يفتحون نافذة ما في هذه الغرفة التي تحتاج إلى تهوية؛ ثمة روائح حُبٍّ عفنة تزكم أنفي وذاكرتي. امنحوني نافذة؛ للشَّبابيكِ ضحكةٌ تُصيب سَقْفَ السَّماء بالدُوار.

كم الساعة الآن؟

في أذني صوت غامض يقول: لا تسأل الوقت عن حذائه الثقيل، بل سله عن قيامته في عينيك حال الانتظار.

بي رغبة ضارية في أن أنزع عني قناع الصلابة؛ لأمارس ذلك النواح الداخلي مثل رصاصةٍ أفلتت من مسدس كاتم للصوت.



يقولون إن الحكمة تتولد من التجربة؛ خطأ فادح. الحكمة تتولد من الألم أو ربما الندم. إنها حالة الإنهاك النفسي التي نمر بها، ونسبغ عليها رؤية فلسفية، حتى نتخلص من صدمة الإحباط ولوعة الفراق ولحظات الفشل.

نقف عند حافة الخوف التى تغلف أوطاننا المطلية بالدم والمعمدة بالآلام، ونخترع كلماتٍ نخرج بها من مأزق الحياة.

الحياة؟

إنها النقص الذي لا يكتمل إلا بالموت.

قلبي بدقاته المتسارعة، أضعف من أن يُسابق جسدي المُنهك.

أعطوني ورقة وقلمـًا، وخذوا خافقي الذي عبث به الأنام والأيام؛ هاتوا حبرًا يمنحني السكينة، وخذوا دموعي التي لم أذرفها إلا سرًا.

أيها المحراث الأصم، فتش عن أرض جديدة، ودع عنك تربة روحي.

قلبي العليل أرسل إشارات الفرح، ثم تركها معي واندس وسط الجموع.

لن ألحق به هذه المرة، فهو أسرع من نداء استغاثتي الأخيرة. بثمنٍ باهظ غير متوقع، قد تفلتُ منا الحياة.

قبل الغصة بقليل، تهب عليّ نسمة هواء، كأنها وليدة رفرفة طائر يختزن ريش جناحيّه أكسجين الحياة، فتستعيد ملامحي سيرتها الأولى.

[تابع القراءة...]

محاكمة الرئيس: البحث عن القانون الغائب








القوانين كالأفراد: سُمعة!

وكم من قوانين دخلت دائرة الشبهات بسبب عوار في المضمون أو سوء في التطبيق.

غير أن الأسوأ من هذا وذاك هو غياب القانون أو تغييبه، خاصة إذا كانت الحاجة إليه أشد من أي وقتٍ مضى.

وكتابنا هذا ينطلق من حقيقة أن الصلاحيات المطلقة مفسدة مطلقة، وغياب المساءلة تربة مثالية للفساد والاستبداد.

وسطور هذا الكتاب تطالب بمحاكمة كل رئيس أو وزير أو مسؤول أفسد أو ارتكب جرائم الفساد السياسي المنصوص عليها في القوانين، أو خالف الأحكام الأساسية للدستور وتورط في استغلال النفوذ والمخالفة العمدية للقوانين، وعمل على التأثير في القضاة أو التأثير في إجراءات الانتخاب أو الاستفتاء بقصد التأثير في نتيجة أي منهما، فضلاً عن الجرائم المنصوص عليها في قانون محاكمة الوزراء.

ونعني بذلك محاكمة أمام قضاء محصَّن من جميع الضغوط الخارجية والتدخلات السياسية، حتى تتحقق العدالة اللازمة ونطمئن إلى شفافية المحاسبة ونزاهة الحكم بما يصب في مصلحة استقرار الدولة وأمن المجتمع.

لقد مر على مصر زمنٌ شهد هيمنة واضحة للسلطة التنفيذية ورموزها على الدولة والمجتمع، على نحوٍ لم يعد يتلاءم مع متطلبات الحاضر أو رؤى المستقبل، كما أنه انطوى على ما يعتبره البعض مكاسب اجتماعية واقتصادية لمصلحة فئةٍ بعينها، مع إحاطة تلك الامتيازات بسياجٍ من الحماية، يحول دون المحاسبة والمساءلة، أو في أضعف الأحوال يسكت عنها.

إن ما شهدته مصر على مدى عقودٍ طويلة من حالة عجز وتردد وخيبة في إدارة الدولة يعود في أحد أسبابه إلى غياب المحاسبة وانتشار الفوضى والخوف من أصحاب النفوذ، فضلاً عن ميل الرجال المنوط بهم تحقيق العدالة مع هوى السلطة والسلطان. لم تكن حالة الاضطراب القانوني السمة الوحيدة المخيبة للآمال، فقد تعالت أصواتٌ تدعو إلى التصالح مع المُدانين من رجال الأعمال، وبعضهم كانوا في مواقع المسؤولية ومن أهل الحظوة والوزارة، الأمر الذي قد يفتح ثغرة في جدار العدالة الناجزة والقصاص من مرتكبي الجرائم والفاسدين، لا لشيء سوى أنهم ارتضوا إعادة بعض ما سرقوا ونهبوا واستحلوا من أموال وأراضٍ وممتلكات.

ولعل ما زاد صورة الدولة المصرية قتامة وتشويشـًا، تلك القوانين البالية أو الغائبة، والتشوهات الدستورية، والإجراءات العقيمة التي أعاقت محاسبة كبار لصوص النظام من أهل الحظوة والسطوة والنفوذ، وبينهم وزراء بل ورؤساء حكومات، ومنحتهم مسربـًا آمنـًا للخروج بعد زمن من إساءة استخدام موقعهم العام، وسط خضوع العامة لقانون الواقع وارتضائهم السكوت عن إهدار القانون وإسقاط معنى الدولة.

قطع الفسيفساء تلك، شكلت كلها معـًا مشهدًا قبيحـًا لا يليق بأمةٍ عريقة وحضارة ارتبطت في التاريخ الإنساني بالمعرفة والمنجزات المدهشة.

لا أود أن أبكي على اللبن المسكوب، لكن أبدأ بما يفتح الطريق نحو المستقبل الواعد والأمل المراد لبلادنا، فأقول إن الوقت لم يفت بعد لتطبيق مبدأ المحاسبة، وأن نهتم بالإعداد الجيد من دون عجلة أو عجالة، للخطط والقرارات والتشريعات التي تصون الحقوق وترفع المظالم وتضع الأسس الراسخة لدولة مصرية حديثة.

وفي تقديرنا أنه يمكن تفعيل قانون محاكمة رئيس الجمهورية رقم 247 لسنة 1956، وقانون محاكمة الوزراء رقم 79 لسنة 1958؛ لأنهما جاءا خاليين من أي نص باختصاص المحكمة الخاصة التي ينص عليها هذين القانونين بأنها تنفرد دون غيرها بالاختصاص ولائيـًا بنظر الجرائم التي يرتكبها المحالون إلى المحكمة. لذلك فإن محاكمة كل هؤلاء عما يقع منهم من جرائم تختص بها أصلاً المحاكم العادية "الجنح والجنايات"، بحسبانها صاحبة الولاية العامة، أما المحكمة الخاصة التي نصت عليها هذه القوانين فإنها تشاركها في اختصاصها من دون أن تسلبها إياه. هكذا تكون المحاكم العادية جاهزة ومختصة بنظر هذه الجرائم والنيابة تستطيع تحريك الدعوى العمومية فيها، وتعيد تحقيقها، ومن حق كل صاحب مصلحة أو مضرور من هذه الجرائم أن يتقدم ببلاغ إلى النائب العام، الذي يبادر إلى تحقيقها، ويتم التصرف في التحقيق حسبما يتضح له بعد نهاية التحقيق.

إن العدوان على المال العام بغية تحقيق مصالح خاصة، أمرٌ لا يمكن التغاضي عنه بأي شكل من الأشكال، ويتعين أن تكون متابعة هذه القضايا حسب المعايير التي ينص عليها القانون المطبق على الجميع بمساواة كاملة ومن دون ضغوط سياسية أو غيرها؛ لأن تحقيق العدالة من أسمى وأهم الأهداف التي يتطلع إليها أي شعبٍ من الشعوب.

ربما يُكتب في التاريخ أن أول برلمان في مصر بعد ثورة يناير لم يكن بالضرورة يشبهها أو يمثلها، ولكن من المأمول أن يستجيب ممثلو الشعب في برلمان 2013 إلى مطلب الشعب ويصدروا قوانين لتنظيم محاكمات ناجزة وتوقيع القصاص العادل بحق الجناة من المسؤولين والمتنفذين سواء أكانوا في مواقع وزارية أو خرجوا من الوزارة، فالجرائم لا تسقط بالتقادم، وهدم المبنى الآيل إلى الانهيار حقٌّ مشروع.

ولا ننسى هنا أن الملمح الرئيسي لأولى مراحل ثورة 25 يناير، تمثل في فساد النظام السياسي، فضلاً عن فساد أجهزة الحكم والإدارة بحيث تغيب مفاهيم الولاء للدولة وابتغاء الصالح العام، الأمر الذي يُعد إخلالاً جسيمـًا بواجبات المنصب السياسي الوظيفية.

ويمكن القول إن جزءًا كبيرًا من الارتباك والصراع الدائرين في الساحة السياسية، مرده تجاهل حقيقة أن مصر بعد ثورة 25 يناير، في حاجة إلى سن تشريعات وإصدار قوانين واستحداث آليات تضمن نزاهة الحكم وسلامة العقد الاجتماعي من شوائب الفساد والاحتكار والاحتقار.

ولعل من أهم الأفكار التي من المهم هضمها والتمعن فيها في هذه المرحلة الجديدة هو ترسيخ المفاهيم والمواقف بناء على المعاني الصحيحة والشفافية في تحديد الحقوق والواجبات والمسؤوليات؛ لأن النهايات لا تصح إلا بصحة البدايات.

إننا جميعـًا في انتظار تلك "اللحظة الدستورية" التي تجعل ثورة 25 يناير حاضرة في نصوص دستور توافقي يجعل المواطن آمنـًا مطمئنـًا على محاسبة الرئيس والوزراء ومساءلتهم بكل شفافية وحزم استنادًا إلى وثيقة وطنية تضم مبادئ وقواعد وآليات يتم العمل بها ومراقبة تنفيذها. فإن لم تطبق القوانين على من هم في سدة الحكم فلا قيمة لها بين المحكومين، وإن لم يحترمها الحاكم لن يحترمها المحكوم.

وإذا كنا نتفق مع صحة الرأي القائل بأنه في أيام الثورات يختلط القانون بالسياسة، فإن علينا أن نستذكر بعض الدروس المستفادة من وقائع العامين الأولين لثورة يناير. إذ إنه بعد أن هوى جبل الكبر والتجبر والاستبداد، وانقضت سنوات تصعيد مبارك الابن وتيبس مبارك الأب، تقاطر الوزراء بعد ثورة يناير على مكتب النائب العام لسؤالهم عما هو مُوجهٌ إليهم من تهم متنوعة تستوجب في حالة ثبوتها توقيع عقوبات جنائية عليهم، وأحيل عدد منهم إلى المحاكمة. غير أن هذا لم يكن كافيـًا ولا شافيـًا، وربما كان كاشفـًا لمدى حاجتنا إلى قوانين وتشريعات تجعل المحاسبة والمساءلة واضحة المعالم ومحددة العقوبات، حتى يطمئن المواطن ويستقر الوطن في ظل عدالةٍ يقظة وإجراءات فعالة.

إن الثورة التي بلا وعي أو في ظل ثقافةٍ تخاصم العصر، لا تلبث أن تصير فورة. ولذا فإن تنفيذ أهداف الثورة يكون بسن التشريعات وليس بإصدار البيانات، ومثل تلك القوانين المرتقبة ضرورةٌ لا غنى عنها لمحاسبة المقصرين والفاسدين ومحاربة الكسب غير المشروع. وهي أيضـًا قوانين مهمة لتحديد مسارات التحول الديمقراطي، واستعادة الأوضاع الطبيعية للبلاد، وإعداد البنية الأساسية لنظام ديمقراطي جديد، وتجنب وضع القوانين الموجودة والإجراءات المطلوبة على أرفف الزمن، أو في سلة المهملات التي طالما جمعتْ  نثار عقودٍ طويلة مضت.

ومن المهم في هذا السياق، إعمال العقل وتطبيق العدل، إذ ليس مقبولاً أن يرفض غالبية المصريين محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، ثم نجد هؤلاء المتحدثين أنفسهم يطالبون بمحاكمة قيادات الدولة في عهد مبارك أمام محاكم ثورية استثنائية وفورية.

"الشعب يريد إسقاط النظام".

هكذا هتفت الحناجر، بعد أن تفجرت في أوصال الوطن طاقة هائلة، واتفقت القوى الوطنية على أن النظام يقف حجر عثرة في وجه أي إصلاح أو تغيير. وتكاتفت هذه القوى الشعبية والثورية المتباينة الأهداف والرؤى، حتى أزيح مجسم البلادة السياسية عن الحكم، ونجحت الثورة ضد فساد الحكم والذمم والنهب، وكل عمليات الإقصاء والإخصاء وتدمير البنية التحتية، وتفكيك الوعي المصري، والتدني الإنساني والحضاري وعسكرة الدولة، في ظل نظام قضائي وقانوني مهيأ بطبيعته لاستهداف واصطياد من يفتقد الحصافة أو الحصانة.

وسرى في عروق المصريين أملٌ ببدايةٍ جديدة تعيد الأمور إلى نصابها، مما يسمح بأن تضع حرب القلة المحتكرة ضد الشعب أوزارها، وتخمد شهوة المرابين وآكلي السحت ومستبيحي المال العام، ممن يتولون أرفع المناصب الرسمية، خاصة في السلطة التنفيذية.

يقول المؤرخ الروماني تاسيتوس إن "اليوم الأول الذي يلي موت الإمبراطور الشرير هو أفضل يوم.. وبعده ستأتي الأيام السيئة".

مقولة أثبت صحتها مسار الأحداث بعد الثورة، إذ لمست الغالبية عجزًا تشوبه شبهة التقاعس عن تفكيك الدولة القمعية التي سادت في حكم مبارك، وكأنما رأس النظام سقط لكن أذنابه بقيت متشبثة بمواقعها. ولم يخف عن ذهن كثيرين أن شرعية النظام تحاول إزاحة شرعية الثورة، مستغلة في ذلك نقص المعرفة وغياب البوصلة وانقسام الصف الوطني.

وهكذا شهدنا عملية إلهاءٍ مريبة، وجرى إغراق مصر في دوامة من الحسابات الخاطئة والإجراءات والمحاكمات الهزيلة التي لم تُفقِد الناس الثقة في الحاضر فحسب بل أفقدتهم الثقة في المستقبل المنظور، وأعادتهم إلى مربع اللامبالاة الأول. وجرى سحق الثورة الشعبية بانقلاب بطيء، في ظل قبضة جنرالات المجلس العسكري على المشهد السياسي. ورأينا كيف أن الدولة العميقة في مصر، ممثلة في المجلس العسكري والمدعوم من جماعات المصالح المرتبطة بالنظام السابق في مجال الأعمال والإعلام، ظلت متغلغلة في مختلف مجالات الحياة ونافذة إلى العمل التنفيذي وحاضرة كل منحنى، بهدف تقويض التحول الديمقراطي. ولمسنا كيف جرى تبديل الوجوه داخل أجهزة الدولة من دون تغيير قواعد العمل بداخلها، لتبقى مظاهر التردي في الحياة المصرية قائمة، وآليات الفساد والبيروقراطية منتظمة.

وما بين هذا وذاك، وجدنا الشارع المصري منهكـًا ومنهمكـًا في معمعة أحداث واشتباكات وتحالفات ومفاجآتٍ غرق فيها حتى شحمتيّ أذنيه.

وسرعان ما أخذت مصر تغلي من الداخل، وأصبح غياب الثقة هو الثابت الوحيد في معادلة الثورة. ولعل أبرز ما أصاب كثيرين بالإحباط وخيبة الأمل هو أن معظم المطالب التي طرحها الشارع المصري بعد الثورة تم رفضها - إما بدرجةٍ من الإهمال أو بدرجة من التأخير والتباطؤ في اتخاذ قرارٍ بشأنها- مِن إصدار قانون للعزل السياسي، وتعديل الأجور تحقيقـًا للعدالة الاجتماعية، وصياغة الدستور قبل إجراء أي انتخابات، وعزل المسؤولين الذين يمسكون مفاصل الدولة الذين عيَّنهم مبارك ويدينون له بالولاء، والذين ساهموا في سياساته وممارساته من تعذيب وتنكيل وتمهيد للتوريث.

واستقر في يقين المجتمع أن النظام السابق زرع ألغامـًا في كل مؤسسة وهيئة من هيئات الدولة، بما يستنزف طاقات كل من يحاول التصدي للفساد ورموزه وفضح كبار المسؤولين والمتنفذين في عهد مبارك ممن أقاموا شبكات مصالح تحمي بعضها بعضـًا.

ووسط حالةٍ من التشنج والاحتقان المجتمعي، أخذنا نشهد غضبـًا متراكمـًا ينفجر في كل اتجاه مقترنـًا بالقيم البائسة التي رسَّخها عصر مبارك، وفي مقدمتها الكراهية والطمع والاستئثار والتعصب، وسط هالة من الغموض حول المستقبل.

وما إلباس المسيء لباس الإحسان سوى أحد أركان دولة الفوضى.

يقول الفيلسوف الفرنسي جاك بيرك: "مصر لا تسقط أبدًا وإن كانت أحيانـًا تخسر كثيرًا". ونحن نرى أن تلك الكلمات تعبر عن واقع الحال كما تشير إلى عصور وعهود تعاقبت على مصر، حتى زالت، وبقيت مصر على حالها، وإن أصابها التعب وأمراض الشيخوخة ونال منها الفساد الكثير.

ونحن في لحظةٍ فارقة، ليس بيننا وبين الإصلاح الحقيقي فيها إلا أن نؤمن بأننا قادرون على إنجازه.

لقد حان الوقت كي نشمر عن سواعدنا لنزيح أعوان البؤس وتلاميذ الفساد، ونزيل مساحاتٍ عفنة عطنة، صنعها وزراء ومسؤولون وأصحاب مال مشبوه ونفوذ غير شرعي.

وعلينا أن نهيئ أنفسنا لمعركة طويلة، شرسة وضارية، مع شبكات الفساد وحُماته الكبار في كل مؤسسات الدولة، وأن تكون لدينا جسارة المواجهة.

والمحاسبة والمساءلة هما أول الطريق.


من مقدمة كتاب "محاكمة الرئيس: البحث عن القانون الغائب"، دار اكتب للنشر، القاهرة، 2013
تجدونه في: مكتبات الشروق، وديوان، وليلى، والبلد، والكتب خان - مصر
[تابع القراءة...]

في بئر الصمت


 
 
تمر الثقافة المصرية بلحظة إحباط واضحة؛ أو قل إنها لحظة الارتطام بحائط الواقع!

سبب تلك الأزمة هو أن الأمل كان معقودًا على صحوة ثقافيةٍ ما أو نقطة بداية جديدة بعد ثورة 25 يناير، تشمل الفن والأدب والسينما والمسرح، لكن النتيجة بعد عامين من الثورة مخيبة للآمال.

فالكتابة الإبداعية تدور حول نفسها، ولا نجد في المقدمة سوى الكتابة الساخرة، وبعضها متهافت وغارق في العامية أكثر مما هو سابح في فضاء الخيال الرحب. وتنافس - عن بُعد- الأعمال الروائية، وهي على كثرتها تبحث لنفسها عن هوية أوضح وتقنيات أنضج تجعلها قادرة على المنافسة على الأقل عربيـًا. انظر مثلاً إلى مستوى الأعمال الروائية المصرية التي نافست في العامين الأخيرين على جائزة بوكر العربية.

في جيل الوسط، يكاد سعد القرش يكافح وحده، بعد أن أنجز "أول النهار" (2005) وليل أوزير (2008). حتى الأسماء الشابة التي لمعت في مطلع الألفية الثالثة، مثل طارق إمام وأحمد العايدي ونائل الطوخي وحسن عبدالموجود ومحمد علاء الدين، تراجع إنتاجها الأدبي كمـًا وكيفـًا، لأسباب غامضة بالنسبة للقارئ والمتابع.

وما دمنا قد أقنعنا أنفسنا بأننا نعيش عصر الرواية، فلنا أن نتخيل مدى الإقبال على كتابة القصص القصيرة، ومستوى الأعمال التي أنتجتها المطابع في الفترة الأخيرة.

على المستوى الكمي، هناك جديد دائمـًا، لكن السؤال المُلح يتعلق بمستوى الجودة ومدى القدرة على الصمود كعمل إبداعي لفترات أطول. طبيعي إذن أن تزداد فكرة الشللية في الثقافة، في محاولة لتعزيز الانتشار، أو لضمان مكان ما تحت الضوء، في أمسية شعرية أو منحة تفرغ أدبية، أو جائزة للرواية.

هناك أسماء تقاتل لإثبات وجودها، وهذا جيد.. لكنه غير كافٍ على الإطلاق لكي نقول بثقة إننا نسير في الاتجاه الصحيح.

في كل الأحوال، فإن الإبداعات تسقط في بئر الصمت‏,‏ إذ لا توجد أي مواكبة نقدية جديرة بالاسم لمثل هذه الأعمال‏، ‏فالمساحة المتاحة للنقد الأدبي في الصحف والمجلات محدودة‏,‏ فضلاً عن أنها لا تتمتع بطابع الانتظام‏.‏ لدينا نقاد كثيرون ولكن ربما لا توجد منابر للتعبير عن النقد‏. ولعل هذا ما دفع الروائي بهاء طاهر إلى التساؤل: "هل استقال النقد أم أنه أقيل؟"[1].

بالمثل، أفلتت منا فرصة تقديم أعمال سينمائية راقية وناجحة للتعبير عن الثورة مثلاً، أو للكشف عن أوضاع اجتماعية مختلة في العهد السابق. طغى "عبده موتة" و"الآنسة مامي" على ما سواهما. العنف والضحك، بأسلوب سطحي مثير للشفقة.

أما المؤسسات الثقافية التابعة للدولة فقد أعلنت وفاتها إكلينيكيـًا، ورقدت في غرفة الإنعاش، محاطة بأجهزة تحاول دون جدوى إعادتها إلى الحياة.

ثم لنا أن نتساءل: ما جدوى الكتابة والنشر في بلاد يعجز الجزء الأكبر من مواطنيها عن فعل القراءة نفسه؟ ما قيمة قصيدة أو رواية أو مقال، حين النصّ كدمعة تتوهّم نفسها نهرًا، وتهدر في رمال لامتناهية؟ ما غاية الكتب والمواقع والبحوث، حين الذين نودّ مخاطبتهم عبر ما ندوّنه، على ضفّة أخرى، منهمكين في ملاحقة لقمة العيش، مخدّرين بالألم وأحلام اليقظة والخرافات؟[2]

ومن الجلي أنه، إلى جانب مشكلات الأمية والعزوف عن القراءة وأوضاع دور النشر وأولوياتها، هناك قضايا أخرى شائكة تتعلق بعزلة المثقف ونخبويته، ورفضه التحاور مع "الآخر" – سواء أكان قارئـًا عاديـًا أو مثقفـًا يختلف معه في الرأي والمواقف- ومد جسور التواصل، حتى يتسنى ردم الفجوات والتقارب قدر الإمكان، والعمل معـًا من أجل إنتاج ثقافة أوسع انتشارًا وأكبر تأثيرًا وأعلى قيمة.

إن انحباس المثقف في دائرته الضيقة لا يمكنه من ممارسة أدواره بموضوعية، ولكنه عندما يخرج من إطاره الذاتي للتفكير إلى الإطار الاجتماعي، فإنه يستطيع ممارسة أدواره بموضوعية - فمن خلال الإطار الاجتماعي للتفكير يتطور تفكير المثقف؛ لأنه ينظر للواقع كما هو لا كما يريد المثقف أن يراه- ويتمكن من التعرف على المشكلات الحقيقية التي عانى منها المجتمع، لا التي يتصور أن المجتمع يعاني منها. ولا  يعتبر عيبـًا ثقافيـًا ولا أخلاقيـًا قيام المثقف بالتراجع عن أفكار كان يتصور أنها عملية أو مناسبة أو حقيقية، بتغييرها أو تطويرها لتصبح لديه أفكار أخرى؛ لأن المثقف يتعامل مع أفكار من طبيعتها قبول التطور والتغير والموت والازدهار، بل من الأجدى والأجدر بالمثقف ممارسة المراجعة لا عدم المراجعة.

المهم هو أن مراجعة المثقف لأفكاره لا تعني أن يصبح المثقف بهلوانيـًا، له قدرة عالية على التأرجح والتنقل والتقلب بين الأفكار المتعارضة وقت شاء وبسرعة، فلا بد أن تخضع مراجعة الأفكار لشروط موضوعية أكثر منها رغبة ذاتية، أو تأزمـًا ذاتيـًا مستمرًا قد يعاني منه المثقف[3].

هذا تلخيص شديد في وصف حالتنا الثقافية.

الحل؟

يجب أن نعيد النظر في خطط الاهتمام بالإبداع الثقافي ككل، من أدب وسينما وفن تشكيلي، إلخ. مطلوب أن نقدم دراسات ونقيم ورشات عمل لدراسة فن الغرافيتي مثلاً، الذي ازدهر منذ انطلاق قطار الثورة. علينا ـن نشجع هذا الفن وأن نستثمره، بدلاً من اتخذا مواقف عدائية على غرار ما فعله مدير أمن الإسكندرية اللواء خالد غرابة، حين أعلن في مايو 2012، أن الشباب الذين يرسمون على الجدران معرضون للحبس لمدة ثلاث سنوات بتهمة "إتلاف المرافق والمنشآت العامة"، أو على شاكلة ما جرى في محيط مكتب الإرشاد التابع لجماعة الإخوان المسلمين في المقطم، بسبب رسم على الأسفلت. لقد واجه فن الجرافيتي معركة شرسة وصفته بـ"الفن الوقح"، بعد أن كان دفتر أحوال يوميات الثورة، وتعامل النظام الحاكم معه كعدو يجب القضاء عليه، فالنظام يعلم مدى تأثير هذا الفن التلقائي الثقافي القوي فيمن يسيرون في الشارع، من شباب وأطفال وكبار، نساء ورجال، بسطاء ومتعلمين، فقراء وأغنياء[4].

نحن بحاجة إلى استثمار مفهوم الحرية - أحد أهم شعارات ثورة 25 يناير- بالبحث عن المواهب ورعايتها، وتنظيم مسابقات أكثر نزاهة وجدية لمنح الجوائز لمستحقيها. يتعين أن نلمس جهدًا أكبر لرعاية الفنون البصرية، والأعمال المسرحية، لا أن نراوح في مكاننا ونبقى محلك سر، ونشكو الظروف.

التغيير الآن ثقافيـًا، أو يستمر التراجع الفكري والإبداعي إلى حين.
 

هوامش

[1] ليلى الراعي، بهاء طاهر: أراهن على شباب الروائيين، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 13 مايو 2007.
[2] سوزان عليوان، الكُتّاب والكُتّاب، جريدة "الشروق"، القاهرة، 28 فبراير 2013.
[3] زكي العليو، المثقف.. مداخل التعريف والأدوار، دار الانتشار العربي، بيروت، 2009.
[4] أحمد الهواري، "الجرافيتي".. أن تترك تاريخك لتقييم المارة في الطريق، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 28 مارس 2013.
[تابع القراءة...]

دولة الألتراس: أسفار الثورة والمذبحة

 
كان لا بدّ من وضع هذا الكتاب.
ليس فقط لأن الألتراس أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من المشهد الكروي والاجتماعي والسياسي في مصر، بل وجزءًا من نسيج الحركة الوطنية التي تتفاعل مع الأحداث وتشارك في تشكيلها، وإنما أيضـًا لأن تجربة الألتراس في مصر حفرت عميقـًا في ذاكرة المصريين ونفوسهم، رغم سنوات عمرها القليلة نسبيـًا.
ويمكن القول باطمئنان شديد إن الألتراس يمثلون واحدة من القوى القليلة المنظمة على الساحة المصرية الآن، وبالتالي فإن هذا الثقل دفع خصومهم إلى العدول عن مواقفهم ومراجعة آرائهم حيال روابط خرجت من رحم ملاعب كرة القدم، لتعلن ميلادها الفاعل في شوارع مصر وميادينها.
ولا يخفى على أحدٍ محاولات الاستقطاب التي تتعرض لها جماعات الألتراس، بقصد احتوائها وتحريكها في اتجاهاتٍ بعينها. غير أن مدى نجاح تلك المساعي يظل بحاجةٍ إلى مزيد من الوقت للحكم على مدى نجاحه أو فشله، في وطنٍ يعيش مرحلة إعادة ترتيب البيت من الداخل وإعادة رسم التحالفات في ضوء التغيرات المتلاحقة التي نصحو على وقعها في مصر كل صباح.
وربما كنت أحد المحظوظين بالإشارة في وقت مبكر إلى جماعات الألتراس وجذور تلك الظاهرة في كتابي "حروب كرة القدم". غير أن التطورات المتلاحقة والتفاصيل الجديدة التي ظهرت عن هذه الجماعات وأدوارها وتأثيراتها في المشهد العام في مصر، بدت لي دافعـًا قويـًا للإقدام على وضع الكتاب الذين بين أيديكم، ليحكي قصة الألتراس في مصر على لسان كثير من أبطالها وشهود تفاصيلها، والأسفار التي مرت بها تلك الروابط على امتداد خارطة المحروسة.
ومع أنه من المتعذر التزام الحياد في حالة ترتبط بالحماس وكرة القدم والثورة والمذابح والمطالبة بالقصاص، فقد حاولنا جهدنا أن نكون موضوعيين قدر الاستطاعة، وحرصنا على اتباع أسلوب التوثيق، حتى يكون هذا الكتاب مرجعـًا يبني عليه من يأتي بعدنا، ويضيف إليه ويصوب ما قد يتضح أنه مخالفٌ للحقيقة أو يجانب الصواب.
يبقى أن قصة بهذا الحجم وبمثل تلك التفاصيل، أكبر من أن يضمها كتابٌ واحدٌ بين دفتيّه، خاصة أنها تتناول في أحد جوانبها تفاصيل دماءٍ زكية أريقت ظلمـًا وعدوانـًا، وتطلب القصاص العادل من الأيدي المجرمة وتلك التي حرضت على وقوع مذبحة استاد بورسعيد التي أوجعت قلوبنا جميعـًا. إن الدماء التي أريقت والدموع التي انهمرت في تلك المجزرة أو بسببها، ليست سوى قطرات في نهر الدمع الطويل الذي شقته دماء المصريين عبر السنين، ثمنـًا لمواقف الدفاع عن الوطن والذود عنه في مواجهة يد البطش وآلة القمع الظاهرة والمستترة على حد سواء.
لكن عزاءنا الوحيد هو أن روح الألتراس تنمو مثل زهرة ياسمين في ملاعب الكرة وميادين الثورة في مصر، وأن الإصرار على إحقاق الحق وتطبيق العدالة الناجزة يعتمل في صدور الأحرار، يبعث على الاطمئنان إلى مسيرة المستقبل.
إن تجربة الألتراس تُعلّمنا قيمـًا غابت عنا طويلاً، ودروسـًا جوهرية، لعل أهمها هو أنه ما ضاع حقٌ يقف وراءه مطالب، وأن أية نقطة دم تسيل بغير ذنب هي في رقبتنا جميعـًا.. وهذا وحده سبب كافٍ للتأمل والتدبر في تلك التجربة التي جمعت بين الرياضة والسياسة وانتمت إلى المجتمع الذي نبتت في تربته وامتزجت مع طمي نيله.
وإذا كانت روابط الألتراس تسير على خيط الحماسة وتندفع أحيانـًا باتجاه السياسة، وسط تحذيرات من خطورة استقطابها أو تحولها إلى ميليشيات منظمة تطبق وتنفذ مطالبها بالقوة، بعدما أصبحت بالفعل أداة ضغط على الجميع، فإن المخرج الوحيد من هذا السيناريو المخيف هو مد الجسور وفتح باب النقاش حول صورة المستقبل وأدوات التحرك وضوابط التشجيع.
لعل آخر ما يهدف إليه هذا الكتاب هو أن يسبغ على شباب الألتراس صفات ملائكية، أو تحويلهم إلى شياطين، لكن أول ما ندعو إليه هو نزع الأساطير المؤسسة عن تلك الروابط، والاقتراب بشكل هادئ من أفكارها، قبل شن حرب الاتهامات والصور الذهنية الزائفة عن المنتمين إليها. هذا الفهم ضرورة وليس ترفـًا بأي حال من الأحوال، حتى يكون الرأي المنصف عنوانـًا للحقيقة ولا شيء سواها.
إن أبناء مجموعات الألتراس، يستحقون أن نسمعهم، لا أن نمنعهم. بل إنه ينبغي أن نحاورهم وندرس شؤونهم وشجونهم ونوظف طاقاتهم الشبابية على النحو الأمثل؛ لأنهم إذا تُركوا دون أن ينصت إليهم أحد سوف تعاني مصر مشكلات وأزمات تتدحرج مثل كرة اللهب.
أرجو للجميع قراءة ممتعة لحكايةٍ مصرية صميمة تجترح كل يومٍ معجزاتٍ صغيرة.
 

من مقدمة كتاب " دولة الألتراس: أسفار الثورة والمذبحة"، دار اكتب للنشر، القاهرة، 2013
تجدونه في: مكتبات الشروق، وديوان، وليلى، والبلد، والكتب خان - مصر

[تابع القراءة...]