Saturday, May 17, 2008

كتاب الرغبة (12): رائحة الشوق




خلف كل امرأةٍ تسقط، مدينةٌ سقطت.. وخلف كل مدينةٍ تسقط حاكمٌ سيطرت عليه شهوة الحُكم أو الانتقام

ولعل حكمة الأيام تعلمنا دائماً أن المدن والشوارع والنساء أول ضحايا التحولاتِ السياسية. إذ إنه بعد كل ثورةٍ أو انقلابٍ تغير المدن ملامحها، وتُغتال أسماء الشوارع لحساب أسماء الجلادين الجدد، وتفقد النساء هويتهن الحقيقية لتطل من وراء البيوت غيمةٌ كئيبةٌ، تبدو مثل ثديٍ هائل، كلما لعقته الريحُ اسودَ وتضخم

في كتابها "الغريبة" (ترجمة: حسين عمر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2007) تقدم مليكة أوفقير حكاية امرأة سقطت من حسابات الزمن ثم عادت إليه.. فعانت الضياع وآلام التأقلم

ومليكة أوفقير هي ابنة الجنرال محمد أوفقير، والتي كان قد تبناها الملك محمد الخامس منذ الخامسة من عمرها لتتربى مع ابنته الأثيرة الأميرة أمينة في قصر الرباط الملكي. وجاءت محاولة الانقلاب التي وقعت في 16 أغسطس آب عام 1972 ضد الملك الحسن الثاني - الذي وصل إلى الحكم بعد وفاة أبيه محمد الخامس- نقطة تحولٍ نحو الهاوية في حياتها وحياة أسرتها، حيث يُقتل الأب أوفقير، ويُحكم على زوجته وأولاده الستة بالسجن، وكان أصغرهم في الثالثة من عمره

و"الغريبة" – الذي كتبته مليكة أوفقير مجدداً بمشاركة صديقتها ميشيل فيتوسي- هو الجزء الثاني من كتاب "السجينة" (صدرت له أكثر من ترجمة باللغة العربية، لعل أبرزها ترجمة غادة موسى الحسيني، دار الجديد، بيروت، 2003)

في "السجينة" تروي مليكة يومياتها المعذبة وتحكي عن قلقِ الليالي الانفرادية، الجوع والعطش، وكبتِ امرأة محرومة من الحب، وكذلك ظروف عائلةٍ أُريد إنزال أقصى العقوبات بها: النسيان
وهي تسرد تفاصيل الفرار من السجن بخطةٍ أقرب إلى الخيال، قبل أن تقضي العائلة خمس سنوات قيد الإقامة الجبرية في المغرب، إلى أن تحصل مليكة على جواز سفر وتغادر إلى فرنسا
أما في "الغريبة" فإنها تروي حكاية السجن الذي سكنها وسيطر على ذاكرتها ورافقها إلى عالم الحرية. وهي تتابع بأسلوب شهرزادي سرد تجربتها المؤلمة والمؤثرة، بعد صراعٍ من أجل البقاء عاشته في غياهب سجون الصحراء، منتصرة أخيراً بفضل إرادةِ الحياة على ظلم السجَان
بعد أربعة وعشرين عاماً من الحياة في ظروفٍ مزرية – تسعة عشر عاماً في السجن وخمسة أعوام قيد الإقامة الجبرية- تنطلق مليكة إلى عالم الحرية..عالم بدت غريبةً عنه ولم يكن التواصل معه سهلاً إلا بمساعدة أناسٍ أحبّوها وأحبّتهم، خرجت من السجن، إلاّ أنّ السجن أبى أن يخرج منها
"بقيت زمناً طويلاً في سجنٍ وهمي، منفرد، يبعثُ على الكآبة. لا تمرّ الدقائق بالنسبة لي بالطريقة نفسها التي تمر بها بالنسبة للآخرين. إنّها طويلةٌ، متوعدة، غامضة" (ص 45)


تصطدم بمظاهر التطور والتغيير الحاصل على كل شيء، حتى للبشر، فكيف لها أن تعايش عالماً متغيراً بمفاهيم أصبحت هي متخلفة عنها


"لقد احتفظتُ من الزمن بمنظورٍ مشوه يمنعني، اليوم، من أن أكون دقيقة في مواعيدي. لقد تخلفت بخمسة عشر عاماً عن الحداثة" (ص45)


وكتاب "الغريبة" يلقي الضوء على هذا الصراع الداخلي الذي يبدأ معها من أبسط الأمور، كطريقة حصولها على المال من جهاز الصرف الآلي، والدفع لسائق سيارة الأجرة ، واستخدام صنبور المياه الذي يعمل من دون لمس في المطعم، وغيرها من الأمور اليومية، وصولاً إلى هاجس الأنوثة الذي ظل يلاحقها طوال فترة السجن


رغبتان تنازعتا دوماً مليكة أوفقير: الأنوثة..والأمومة


"لن أصبح أمّاً أبداً. العُقم، دوَت الكلمة كأنها حُكمٌ قطعي. ترك السجن وسواساً حقيقياً للأمومة يسيطر عليّ، وكأن الولادة كانت الطريقة الوحيدة لأغدو امرأةً مستقلة تماماً. مع إيريك، جرّبتُ كل الطرق: معالجات هرمونية، تلقيح اصطناعي، تخصيب عبر فيترو، جماع في أوقات ومدد محددة، عيادة أكبر الاختصاصيين بينهم د. رينيه فريدمان. في كل أربعاء كنا، إيريك وأنا، نذهب إلى لييج، لتمنحني إحدى شقيقاتي بويضة. لمجرد رؤية اللوحة التي تحمل اسم لييج كنتُ أرتعش وكان قلبي يؤلمني. على مدى ثلاثة أعوام، اتبعتُ سباقاً شاقاً في علاجات مضنية، كان تأثيرها النفسي مفجعاً. في بعض اللحظات، بعد صدور "السجينة"، كنتُ أشعر بتضاؤل جدارتي بالأمومة، بحيث كنتُ أريد تقويض علاقتنا. شعرتُ بإلحاحية التقويض الذاتي: شيءٌ ما كالانتحار. صمدت العلاقة الثنائية. كان إيريك ملاكاً صابراً. غفرتُ لأولئك الذين سجنونا لعشرين عاماً، إلا على شيء وحيد: حرماني من أن أكون أمّاً" (ص 175)
كانت مليكة قد أصيبت بالتهاب الصفاق أثناء سنوات السجن، وبسبب سوء الرعاية الصحية، تدهورت حالتها لتصبح عاقراً
وهي حين تعتني بنوال، ابنة أختها مريم التي تعيش فريسة نوبات الصرع منذ أيام السجن في المغرب، والتي تتقاذفها المستشفيات، تدرك أنها يجب عليها رعاية الفتاة التي انفصل والداها مريم وفؤاد، فالأم في حال صحية سيئة بحيث لا يمكنها الاعتناء بنوال، والأب يعيش في الرباط وغائب في معظم الأوقات. ومع ذلك، يبدو رأي مليكة واضحاً: "لستُ أمها، ولست متأكدة من قدرتي على أن أكون يوماً كذلك"، و"هل سيمكنني أن أنسى ذات يومٍ أن الطفلة التي تغطُ في نومٍ عميق في الغرفة بنهاية الرواق ليست طفلتي؟ هل سأملكُ ما يكفي من الحب لأمنحها إياه، أنا التي أحسُ بأنني غاية في الضمور واليباب؟" (ص 176)


غير أن حادثاً وقع لها ذات مساءٍ شتوي قَلبَ المعادلة


فقد حاول لصٌ سرقة حقيبة يد مليكة في الشارع، لكنها تشبثت بها لأنه لم يكن من السهل عليها أن تُنتزع منها هويتها وأوراق حياتها هكذا ببساطةٍ في زاوية شارع. هددها المعتدي بأن يهاجم صبيتها إن لم تترك له الحقيبة، فضغط على الزر الخطأ الذي انفتحت معه أبواب الجحيم. تحولت الفريسة إلى قطةٍ شرسة، لتنشب مخالبها في المهاجم حتى لاذ بالفرار من دون أن ينال مراده. فتح الحادث عينيها واسعاً على الأمومة، الأمر الذي لم يكن أي معالجٍ نفساني قد نجح في تحقيقه. "ربما ذلك الغوص في أعماق الغريزة الأولية أتاح لي التحقق كم كنتُ والدة الطفلة التي أربيها، دون أن أدرك ذلك" (ص 179)


لحظةٌ كاشفة وكافية تماماً لبلوغ اليقين


"الآن أعلمُ أنه ليس من الضروري أن تنجب المرأة طفلاً لكي تحبه، وأن كل من سيحاول انتزاع نوال مني سيقوم كذلك بقتلي في المكان نفسه. كما أعلم أن هذه الطفلة التي ستكبر في حضني سيمكنها أن تعتمد عليَ طويلاً إلى أن ينمو جناحاها
أنا أمٌ، وكنتُ أجهلُ ذلك" (ص 180)


وربما أضافت مليكة إلى حياتها شعوراً أقوى بالأمومة بعد تبني أو كفالة آدم، ذلك الصغير الذي التقته لأول مرة في مبنى رابطة حماية الطفولة في مراكش. "انتظرتُ عشرة أعوام كي أتخذ القرار بأن أكون أماً، لأقرّ بأن هناك أيضاً حرية يمكنني معانقتها" (ص 37)


أما الأنوثة التي ظلت حبيسة في أحلى سنوات العمر، فتفرد لها مليكة أوفقير فصلاً خاصاً يحمل عنوان "الحب في الأربعين".. وهي تحكي عن نشيدٍ من الرغبات يرجُها رجاً، بعد سنوات السجن والرقابة الأمنية اللصيقة


"الرجل الأول في حياتي، الذي كان لا بد من أن يجعل مني امرأةً حقيقية، هبط على حياتي، بعد قليلٍ من إطلاقي من السجن"


كان عمرها آنذاك 43 عاماً..العمر الذي تشم فيه المرأة رائحة الشوق من بُعد، فتكفُ عن التيه وتهتدي إلى الشيء الناقص في حياتها


معضلةٌ حقيقية أن تشعر المرأة بقطار العمر المندفع، في حين تكتشف فجأة أنها تملك قلب فتاةٍ طائشة


"أنطونيو، إيطالي، جميل مثل أبولون، أشقر، شعره مجعد وناعم الملمس، له لحية قصيرة. على قدرٍ كبير من الفتنة والجمال. إنه ممثلٌ كوميدي، التقيت به أثناء تصوير الفيلم الذي دُعينا، أختي ماريا وأنا، إليه من قبل صديق طفولة، ومستشار ثقافي في السفارة، وقد التقيت به عند خروجي من السجن" (ص 181)
كانت أختها ماريا أول من انتبه إلى اهتمام أنطونيو بمليكة، فلفتت نظرها إليه، "ودلتني عليه خفيةً بإشارة من إصبعها. فعلاً، إنه جميل، ولكن لم أرَ سوى نظرته المثبتة علي. ولو كان بإمكانه، لالتهمني كاملة" (ص 182)
وفي حفل أقامه المنتج بمناسبة عيد ميلاد أحد الممثلين، سنحت فرصة التلاقي. "أخافُ الحشد. ولكن عليَ أن أُرغِمَ نفسي. عليَ أن أتحدى عفاريتي. كنتُ هناك، مترددة، حينما أخذتْ يدٌ يدي بلطف. ثمة حرارةٌ جافة في تلك اليد، بحيث لم أبدِ أية مقاومة. تشابكت أصابعنا برقةٍ ثم شعرتُ بضغطٍ شديد، وكأن صاحب اليد، وهو يكاد يهرس أصابعي، كان يريد أن ينقل إليَ كل حُبِ الدنيا" (ص 183)
تسائل مليكة نفسها عما يحدث لها ومعها "ولكن، عيناه لا تكذبان. يبدو هذا الرجل مجنوناً بي. تكمن صعقة الحب إذاً في مكانٍ آخر غير الكتب" (ص 183)


جذبها الشاب الإيطالي بهدوء نحو قاعة الطعام، ولكن عندما لاحظ امتناعها العفوي، أحضر كرسيين ووضعهما حول طاولة في خارج القاعة. ظلّ نظره مسمّراً عليّها وكأنّه مفتون، فانسحبت ماريا عندئذ، وبقيا وحدهما خارج القاعة من دون التلفّظ بكلمة واحدة. وعندما ارتجفت مليكة من البرد، تناول كنزة سوداء مصنوعة من الكشمير موضوعة على كتفيه، ولفّها بها كما يلفّ الشال. ثم وضع يديه على كتفيها وراح يدلّكها برقةٍ وحنان
وكلما اقترب أنطونيو منها خطوة، شعرت مليكة بأنها خرساء كفتاةٍ صغيرة فزعة، مذعورة، تنتقل بغموض من الفرح إلى الخوف. قدّم لها أنطونيو كأس نبيذ أبيض، وبذل جهداً ليحدّثها باللغة الفرنسية. وقال لها: "اشربي النبيذ وسيشعرك بالدفء" ..لكن النبيذ جعلها تشعر برجفةٍ أكبر، إذ لم تكن معتادة على تناول الخمر. وعندما لاحظ حالتها، توقّف عن تقديم النبيذ وقدّم لها كأس كونياك. غير أنها لم تعد تستطيع الصمود وشعرت بأنها مريضة، فوقف وعرض عليّها أن يرافقها إلى غرفتها


"مددني على سريري، بقي إلى جانبي بلا حراك. الفتاة الصغيرة في داخلي كانت أكثر رهبةً من أي وقتٍ مضى. التويتُ على نفسي
قرفص عند أسفل السرير ورمقني مطولاً
- ولكن من أنتِ؟ سألني. ومن أين أتيتِ؟ تبدين وكأنكِ تحملين كل بؤس العالم وشقائه في نظرتكِ" (ص 184-185)
شعرت مليكة بانقباض وراحت تشهق وتنتحب. بقي أنطونيو إلى جانبها حتى طلوع الفجر، وهي تشد نفسها إليه من دون أن تكفّ عن البكاء


وفي اللحظات الصعبة تتداعى الذكريات. وكما يفعل لاعب الغطس حين يثني قدميه على العارضة الخشبية المرتفعة أولاً ليتأكد أنه يقف على شيءٍ صلب قبل القفز، أطلت برأسها حكايات الحب والغرام القديمة


"من أين أتيت يا أنطونيو؟ من مكانٍ معتمٍ وجليدي حيث انتهيتُ بالاستسلام: لن أعرف الحب أبداً. بالتأكيد، ككل فتيات جيلي، كانت لديَ بعض المغازلات، ولكنها لم تكن قط جدية. لقد أحببتُ أحياناً. كان حبي في السابعة عشرة بريئاً كأي حبٍ أول. حتى أني كدتُ أعلن خطوبتي مع شابٍ ظريف التقيت به في باريس، في سنة دراستي للبكالوريا. وقد واظبنا على المراسلة في بداية أسري، في تاماتاجرت، حينما كان لا يزال بوسعنا تلقي البريد. ولكن سرعان ما توقفتُ عن الكتابة إليه؛ رغم رسائله المتأججة شغفاً، لم يكن يدرك شيئاً عن وضعنا المنعزل
لقد أخذني رجالٌ بين الأذرع، وهمسوا لي بكلماتٍ عذبة. لقد عرفتُ ما كان يعنيه الرقص البطيء باسترخاء، وتقبيل صبي من ثغره
في باريس، عرَفتني ابنة خالتي ليلى شنا، الممثلة الشابة الفائقة الجمال التي هام بها لخضر حامينا، مخرج "وقائع سنوات الجمر"، إلى آلان ديلون وجاك بيرن. عقدتُ مع كلٍ منهما علاقة غامضة، صداقة حبِ لم تذهب بعيداً. راعى الاثنان الفتاة الشابة التي كنتُها آنذاك، المحاطة بالقيم الفاضلة، الحريصة على شرفها، وإن كنتُ أحبُ الرقص والتسلية أكثر من كل شيء" (ص 185-186)
لكن هذا بدأ كأنه شعورها قبل قرون لا تُعد ولا تُحصى.. قبل أن تُعذب مع أفراد عائلتها في سجن منعزل في الصحراء لسنوات
"في السجن، كنتُ عازمةً بشدة، في حال استعادتي للحرية، على أن أرمي بنفسي في سرير أول قادمٍ لأنال مُرادي. ولكن الواقع أكثر تعقيداً. ألستُ معرضة للانكسار، في حين أنني لم أبدأ إلى الآن بالخطو على دربي؟" (ص 186)
تروي لنا مليكة كيف كانت تحكي أيام السجن لإخوتها عن فتى الأحلام، مع التركيز على الحب أكثر من المتعة الجسدية كي لا يشعر أحد بالكبت الذي يحاصرها ويخنقها. "كم من الليالي المنعزلة، في تلك الزنزانة المعتمة، مستلقيةً على حشيتي البائسة، حلمتُ بأنني سأمارس الحب؟ في الصباح، كنتُ أستيقظُ يعتصرني الحزن والمرارة" (ص 186)

"في العشرين من عمري، نسيتُ تدريجياً ما يعنيه أن أكون امرأةً، شهيةً ومشتهاة. لم أعد أجيد الابتسام والضحك والرقص لرجلٍ يرمقني فيشعُ بريق الرغبة في عينيه. تخونني الغواية، ولم أعد أجيد الإغراء
أحتفظ لجسدي، الغارق في الرقاد لزمنٍ طويلٍ جداً، بالانعكاسات الضرورية للبقاء: الأكل، الشرب، النوم، السير..
وثم ماذا؟ لا شيء آخر.. لم يعد جسدي يشعر حتى بالحزن، إنه معدوم" (ص 187)


ربما لهذا حاولتْ تجنب أنطونيو، لكنه كان عاشقاً
"قدم لي زهوراً، وغنَى بافاروتي وشدني بخطواتٍ واسعةٍ في الصحراء، عند مغيب الشمس. وذهبنا للعشاء وحدنا. اجتمعت كل المقوماتِ لكي أستسلم للغواية. ولكن فشلت" (ص 188)
وفي ظل إصراره، بدأت مليكة تتساءل إن كانت ستجيدُ يوماً الاستسلام لهذا الرجل
"حدث لي هذا مرةً وحيدة. حينما أدركَ أنني عذراء، حينما شاهد رد فعلِ جسدي، بلغ بي الارتعاش حداً ما عدتُ أستطيع التوقف عنه
جلس
بكى
- ولكن ماذا فعلوا بكِ" (ص 188-189)
شق عليها أن تروي له تجربتها الأليمة، وبدلاً من ذلك أخذ هو يحدثها عن حياته، كمطلق ٍ وأبٍ لطفلين

وحين أخذت في تهجئة حروف فعل الحب، توالت الانفجاراتُ من امرأة حُرِمت طويلاً من الشعور بأنوثتها
"كنتُ واضحةً جداً. حينما داعبني، أو حينما اكتشفتُ جسده،انتابني الشعور بأنني أتصفحُ قاموساً. أتعلمُ هذه اللغة الجديدة كلمةً بكلمة. أجدُ وأثابرُ فيها. ولكن الإحساس يخذلني بغيابه
أشاهدُ نفسي وأنا أقوم ببعض الحركات. لا أحسُ بأية لذة. إنه مغرمٌ أشدَ الغرام بي، أشعرُ بذلك، أرى ذلك. أنا مغرمةٌ بالحب، وهذا كل ما في الأمر. أعتقدُ أنني أشعر بأنوثتي، ولكنني لا زلتُ بعيدةً جداً عن الواقع. احتجتُ للقاء إيريك، الذي سيصبح زوجي، لأعرف ماذا تعني هذه الجملة بمعناها الحقيقي" (ص 189)
حاول أنطونيو إقناع مليكة بالهرب معه إلى إيطاليا، لكنها رفضت، فعاد لزيارتها مرة ثانية ليقضيا معاً أياماً إضافية في بحر العشق، إلى أن جاء يومٌ طرق فيه أربعة من رجال الأمن بابهما. سألها أحدهم وقد قرر أن يلعب دور الشرير مقابل زميلٍ آخر لعب دور الظريف: "هل تدركين أن والدكِ، لو كان حياً، ما كان ليتقبل أن....أجنبي". أغضبها هذا بشدة فطلبت من أنطونيو أن ينتظرها في الغرفة، في حين أخذ رجل الأمن الشرير ينعتها بكل الألقاب: ساقطة، عديمة الأخلاق، عار الإسلام. وبينما أخذ رجلا الأمن اللذان ظلا صامتين في تسجيل الحديث، استطرد رجل الأمن الشرير في توبيخها متسائلاً: بأي حقٍ تسمح لنفسها بتدنيس اسم عائلتها بإيواء رجلٍ ليس زوجاً لها؟!
ومع استمرار الضغوط، طفح بها الكيل
"- أمارسُ الحب مع من أشاء!
دوت كلماتي كطلقٍ ناري. ثم ساد الصمت. دار الشريط الممغنط مع ضجيجٍ رنانٍ خفيف. تنحنح أحد الرجلين
- نعم مع من أشاء، وخاصةً مع أجنبي تحديداً لأنه غير مسلم
- هل تعلمين ماذا يُسمى هذا؟
- ماذا يُدعى هذا؟ طبعاً أنا أعرف ذلك! وإذا كنتما تجهلانه، سأعلمكم إياه: هذا يُدعى بكل بساطةٍ ممارسة الحب مع كوميدي إيطالي شاب وجميل، شخصية مدهشة" (ص 192-193)
بعد هذه المواجهة الجارحة، يصبح أنطونيو في عينيها أقل جاذبية من ذي قبل. تحطم السحر. وحين عاد إلى نابولي، بدأت العلاقة بينهما تفتر، على الأقل من جانبها، إلى أن انتهى الأمر


تجربتها الثانية كانت مع شابٍ عارض للأزياء في الثانية والعشرين من العمر، جاء إلى المغرب من أجل تصوير أحد العروض

كان شاباً شديد الوسامة، ذا جسدٍ رياضي، ما دفعها للتساؤل عن سر إعجابه بها وهي التي تكبره كثيراً في العمر. "إنه لغز. أو أنه ربما تصوَر أن خبرتي ستذهب به مباشرةً إلى السماء السابعة. المسكين، لو كان يدري..." (ص 195)
لجأ هذا الشاب الأميركي إلى جميع الوسائل لاستدراجها إلى غرفته في الفندق، لأنه كان محظوراً عليه تحديداً أن يقترب من المغربيات أثناء إقامته القصيرة في البلاد..ولكنه لم يذعن
بعد نظراته المتقدة وابتسامته المبهمة، حدَثها قلبها عن رغباته
"ومع ذلك لم أتوقع أن يفتح لي الباب عارياً مثل دودة
- ادخلي
كانت الصدمة الأولى. ارتميتُ إلى الداخل مذعورة من فكرة أن يكون أحد قد رآني، أو رآه، علاوةً على التثبت من أن الوقت لم يعد للأغاني الإيطالية عند مغيب الشمس. أكنتُ أرغبُ في الجنس؟ اعتقدتُ بأنني سأحصل على بعضه
فتمدد على سريره، مرتخياً، فارداً ذراعيه. فتح درج طاولة السرير، وأخرج منه واقياً ذكرياً، ومدَه إلي
يا للهول. لا أعرف كيف أستخدمه. بذلتُ جهدي حيال الجِراب الصغير، دون التجرؤ على رفع عيني. سأبذل حياتي لكي أختفي، أتوارى، أتفتّت في مكاني. وكانت حركاتي مرتبكة جداً بحيث انتهيتُ إلى تمزيق الغلاف والواقي دفعةً واحدة
تمتمتُ، اعتذرتُ، ارتبكت
أسرعتُ وانزويتُ في الحمام. كانت يداي دبقتين. وصدغاي يخفقان بشدة شعرتُ معها أن جمجمتي ستتحطم
عند عودتي إلى الغرفة، رأيتُ شريكي يمدَني بالواقي الثاني مع ابتسامةٍ مرحة
- لا تُتلفيه، فهذا هو الأخير!
أنا، أتلفه؟ أية فكرة. توخَيتُ العناية به، عناية فائقة بحيث فقد صبره، أخذ الجِراب الصغير مني بيديه، ووضعه بلا مساعدتي. ولّما بقيت مزروعةً في مكاني ببلاهةٍ، أخذ يدي ووضعها بقوةٍ على ذَكَره. بقيتُ مثبتة في مكاني بلا حراكٍ، أسأل نفسي عما قد يمكنني أن أفعله بيدي اليسرى. نظر إليَ، ورأيتُ في عينيه أنه كان ينتظرُ شيئاً آخر من امرأةٍ أربعينية. أما أنا، فقد كنتُ خاويةً، بلا إرادة، يساورني الخجل، والشكوك والصداع. لن أعرف أبداً أن أمارسَ ذلك
أرخى تدريجياً يديه عن عناقي، وحاول أن يوحي إلى يدي بحركةٍ لم أقلِدها، ثم تهدل ساقطاً على السرير، متنهداً
- لا طائل من هذا

لن يكون هناك طائلٌ وأنا أول من أعرف ذلك. سيعود إلى وطنه الأم أميركا دون أن يفهم شيئاً عن المغربيات. من جهتي، اقتنعتُ بأن لا شيء ولا أحد سيعوضني حياةً مفوَتة" (ص 196-197)


وفي ربيع العام 1995، تلتقي مليكة أوفقير رجل حياتها: إيريك بوردروي

وبعد لقاءٍ في حفل زواج صديقيها مريم وكميل بن جلّون في المغرب، اكتشفت مليكة أن هذا المهندس المعماري الفرنسي الذي عاش سنوات شبابه في لبنان ويتكلم العربية بطلاقةٍ، وجد المفتاح الذي نزع بحركةٍ واحدة الرتاجَ عن قلبها. نجح هذا الرجل - الذي يصغرها بأحد عشر عاماً- فيما فشل فيه كل الأطباء النفسانيين: لقد أعاد كتابة الوصفةِ المفقودة، سطراً بسطر. جعل منها أكثر من مجرد امرأة: جعل منها امرأته
وللمرة الأولى منذ الإفراج عنها، لم يتحول لقاؤها على انفراد مع رجلٍ إلى غثيان وهموم. لم تشعر معه بالخوف، بعد أن منحها الأمان. في ذلك المساء، آمنت مليكة أخيراً بالحب. غير أن الأمر تطلب شهوراً طويلة من الصبر والشغف كي تمتد حالة الطمانينة


"روَضني تدريجياً. أخذ وقته الكافي. وإن كنتُ حتى وأنا معه لا أزال أجد مشقة في الشعور بالاطمئنان، فقد ردد بلا كللٍ بأن هذه ليست سوى لحظةٍ عابرة...
من خلال اللمسة واليد، وطريقتي في الحديث إليه، والجلوس إلى جانبه، أدركَ في الحال أنني كنتُ طفلةً متنكرة في هيئة امرأة، متمردة تخفي ألمها. أمضى ليلتنا الأولى في مداعبتي ولم أُبدِ أية مقاومة" (ص 198-199)
رافقها إيريك - الذي تزوجها في 10 أكتوبر تشرين أول عام 1998- بصبرٍ وثباتٍ في طريقها الطويلة والشائكة نحو إعادة الانسجام مع النفس
وفي المرة الأولى التي قضى فيها إيريك أعياد الميلاد في مراكش، أرادت مليكة أن تُضفي على إقامته وعلاقتهما مزيداً من الملاطفات والمداعبات

"أمضينا ساعاتٍ طويلة في قلب سوق المدينة عند بائعي الأعشاب الطبية الذين طالما أحببتُ رفقتهم
عرض أحدهم علينا نبتات مزهرة صغيرة استعملها أسلافنا (لم تُخلق الفياجرا بالأمس فقط): سلاحف قزمة، حربايات، "تعويذة بالنسبة للنساء"...
سألتُه إن كان لديه شيءٌ ما لرجل. مجرد الحديث بحريةٍ عن الشهوة أمدني بارتياحٍ كبيرز لم يُصدق إيريك، القادم من بلدٍ يُتصور فيه بأن المرأة المغربية تخفِضُ عينيها في الحِلِ والترحال
- الرومي معدوم؟ سألني الشخص بابتسامةٍ صفراء
- لا، لا، الرومي ليس معدوماً تماماً. ولكن أريدُ أن تعطيني شيئاً لإقامة الحفلة طوال الليل. له ولي، أكثر قليلاً
هز رأسه. وجلب من عُمقِ حانوته الصغير مكونات وصفةٍ تقليدية، مع رماد الضبع كمادةٍ رئيسية، مثلما أكد لي
تحت أنظار إيريك المرتابة، طحن الحانوتي مجموع المكونات وأفرغ المزيج في دورق
- ها هو، يا حلوتي! ملعقة قهوةٍ في كأس شاي له، وملعقتان لكِ وإلا...ستكون مشكلة!
وهكذا بدأت حفلة الشاي، مذ عودتنا إلى البيت. كجيشا حقيقية، أخذت حماماً معطراً، قبل أن أدهن نفسي بالمراهم. بضع قطراتٍ من المسك في تجويف رقبتي، وشعري لا يزال مبللاً، والمئزر مفتوحٌ بلا مبالاة، دخلتُ دخولاً مسرحياً متفاخرة متباهية. على إيريك أن يعود إلى باريس في اليوم التالي.. أردتُ لهذه السهرة، والليلة التي تكملها، أن تكونا سهرةً وليلةً لا تُنسيان. بينما تناول إيريك ملء ملعقة حساءٍ من المزيج، تمددتُ على السرير، والمئزر مفتوح. كان بائع الأعشاب قد قال ملء ملعقة قهوة، ولكن ما الفرق؟ على أي حال، لأكون واثقة من التعرض لمفاعيل المزيج، ابتلعتُ بنفسي ملعقةً منه في المطبخ بمفردي، قبل أن أضيفه إلى الشاي مُقدَماً. لا ضير من الإفراط في اللذة" (ص 201)


غير أن الرغبة في إغفاءة صغيرة تفوقت على نداء الجنس. غط إيريك باكراً في النوم، فيما انغلقت عينا مليكة على مشروعاتٍ وخطط لا تنتهي لإحياء ليلة مجنونة. سافر إيريك في اليوم التالي وسط شعورٍ ثقيل بالإخفاق

إلا أن لقصصِ اللذة الضائعة دائماً فصلٌ إضافي يرسم الدهشة على ملامح وجوهنا


"في الصباح التالي، بينما كنتُ أجترُ خيبتي ويأسي، رنَ الهاتف. إنه إيريك. قال فرحاً:
- احزري ماذا؟
- ماذا؟
- أنا في حالة انتصابٍ دائم! لقد راودتني الحالة في الطائرة، ومنذ ذلك الحين، أنا عاجزٌ عن فعل أي شيء! لم يعد ذكري يرتخي
لم يُلقِ إيريك أسلحته، إن جاز لي القول، لثلاثة أيام. لا بد أنه لعنني، من أعماق عزلته الباريسية، أنا وكل عطاريّ المغرب، بمساحيقهم الضبعية، وتعويذاتهم، ومراهمهم العجيبة. لا يزال يشقُ عليّ التخيل أن مئزراً موارباً كان ليكفي، وحده لجعلي مشتهاةً، ولكن مسحوق الدجالين ذاك ضمَ في قعر خزانة زبدة الفول السوداني الذي جُلِبَ لي من مكانٍ أجهله، والذي أمقته" (ص 202-203)


بعد بضعة أشهر، امتد حبهما أخيراً في فرنسا إلى وضح النهار. عاشت في بيته وإلى جانبه كل ليلة. "حلَت فورةٌ جنسية ، مبررة بلذةٍ، في العطلات الأسبوعية المسروقة محل رقابة البعض وحكم البعض الآخر" (ص 203)
غير أن هوس الأمومة، المكبوت لأمدٍ طويل، عاد بقوةٍ ليحشر نفسه بين اللذة وبين مليكة وإيريك. "لم يعد هناك شيء سوى هذه الفكرة المُعذِبة: أن أنجب. أن أصبحَ أماً" (ص 203)
أجرت مليكة طوال ثلاث سنواتٍ الفحص الطبي تلو الآخر، سعياً وراء حلم الأمومة
"أريدُ طفلاً. أريدُ أن يُنظر لي كأم، أن يكلمني الناس عن ولدي، أن يستهبلوني بأسئلةٍ بلهاء: هو في أي صفٍ، أو هل نبتت أسنانه، أو هل اشتريتِ هذه التنورة الصغيرة؟ أريدُ الدخول إلى النادي العالمي لمليارات الأمهاتِ الخَرِفات، اللواتي يقتصر عالمهن على التفاخر بصغيرهن الأخير" (ص 203-204)


ها هي "الغريبة" تحاول استعادة مذاق الحياة والعودة بجرأة إلى العالم.. إنها الولادة الجديدة، حتى وإن بدت متأخرة

Sunday, May 04, 2008

كتاب الرغبة (11): عشيق حرم وزير الداخلية



هذه حكاية زوجة الرجل القوي في المغرب، التي هجرته لتمارس الحب مع عشيق شاب في أنابيب الصرف الصحي
وأعينُ العشاق ضريرةٌ عن رؤية أي شيء سوى من تحب. فالعاشقُ يعصر اللحظات ليعيشها حتى الرمق الأخير، يهبط بسلامٍ سلالم الروح، ليصعد بعدها مترنحاً إلى قبابِ البهجة

إنها فاطمة الشنا، زوجة الجنرال أوفقير الذي كان يصيب اسمه الآخرين بالرعب، فهو وزير الداخلية والساعد الأيمن لعاهل المغرب الملك الحسن الثاني. وفي فترةٍ من الفترات، كان يُقال في المغرب: الملك يتسلى، والجنرال يقود
غير أن زوجة الجنرال أحبت، وكشفت عن حبها وحكايتها - أو قُل مغامرتها- العاطفية في سيرتها الذاتية
ولعل هذه العلاقة التي خدشت زجاج حياة هذه المرأة فرصةٌ مناسبة لقراءة هذه السيرة التي تُرجِمَت إلى اللغة العربية أكثر من مرة، ومن ذلك: ("حدائق الملك: الجنرال أوفقير والحسن الثاني: شهادة ومذكرات"- فاطمة أوفقير؛ ترجمة: ميشيل خوري- دمشق، سوريا : دار ورد، 2000- 239 صفحة؛ "حدائق الملك: أوفقير والحسن الثاني ونحن"- فاطمة أوفقير؛ ترجمة: حسين عمر- الدار البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، 2007- 270 صفحة). وسنعتمدُ الترجمة الأخيرة في السطور التالية
ولنبدأ من خيط الطفولة
"طوال حياتي، كنتُ أحلم بالحرية. حينما أغوص في ذكرياتي البعيدة، أرى نفسي تلك الطفلة الصغيرة ذات السنواتِ الثلاث، الهاربة وحيدةً على دربٍ مشمسٍ، بلا هدفٍ، حرّةً" (ص 15)
كان ذلك في دمشق، عشية الحرب العالمية الثانية، يوم عيد الأضحى.. هربت فاطمة من مرافقها وتوجهت بمفردها إلى المكان الوحيد الذي تعرفه: ثكنة الأب. استقبلها الضباط المجتمعون على الفطور بحفاوة بالغة. وبعد أن فتش عنها الأب في كل مكان، استعلم عنها في الثكنة، حيث وجدها أخيراً
"انتهت مغامرتي بشكلٍ مثير للشفقة: فطوال أكثر من كيلومترٍ من مسافة العودة إلى البيت ظل أبي يدفعني أمامه وهو يجلدني بأغصانٍ رفيعة رسمت خطوطاً حمراً على جلد فخذيّ العاريين. دفعتُ غالياً ثمن هربي"
ظل هذا التأديبُ العنيف والبالغ القسوة محفوراً في أعماقِ ذاكرة فاطمة، ومضى وقتٌ طويل قبل أن تغفر لأبيها قسوته معها
"مع ذلك أغفر في النهاية لمن أساءوا ليّ. أنا أسامح ولكن لا أنسى،، فالأحداث الأليمة تبقى حية في أعماقي
بأية حال، بحثتُ في ذلك اليوم الغابر عن الحرية، حرية لم أعرفها قط" (ص 16)
توفيت الأم ذات الثمانية عشر عاماً، أثناء إنجابها طفلها الثالث. في تلك اللحظة المفصلية انهار عالم فاطمة، فقد ماتت الأم، وغادر الأب إلى الحرب، عائداً إلى سوريا أولاً ثم إلى أوروبا على ضفاف الراين. عهد الأبُ بفاطمة وشقيقها فؤاد- الذي مات لاحقاً وهو في سن الثامنة متأثراً بمرض السرطان- إلى دادا فضيلة، خادمة الأم بعد زواجها. وتحت رعاية هذه المرأة، استُقبِلَ الطفلان من قبل عائلة كبيرة في مكناس، آل بن زيدان. وبوساطة تلك العائلة، التقت فاطمة محمد الخامس لأول مرة، فقد كانت شقيقة السلطان للاّ زينب، زوجة مصطفى، الابن البكر في عائلة بن زيدان. وذات يوم اصطحبتها للاّ زينب إلى قصر مكناس، حيث التقت محمد الخامس، الذي سألها بضعة أسئلة عن اسمها وأين تقيم، إلخ
"كانت للاّ زينب تزداد شحوباً مع كل كلمة يتفوه بها شقيقها، وترتعد بكل أعضائها، وسرعان ما أبعدتني عنه. لم تكن تخشى سوى امر واحد: أن ترى السلطان وقع اختياره عليّ
قالت لي:
- أنتِ صغيرةٌ وناعمة جداً، ويتيمة، ووالدك غائب...الأمر برمته لا يتعدى أن تكوني واحدةً من محظياته. هذا لن يحصل أبداَ! لا أريد أن تقضي حياتكِ باكيةً حبيسة قصر، تلعنينني صباح مساء" (ص20)
التحقت فاطمة بالقسم الداخلي في ميتم الراهبات الفرنسيسكانيات في مكناس. في ذلك المجمع الواقع بين المدينة القديمة والجديدة، تعلمت الفتاة على يد الراهبات. "إذاَ، كان أول دينٍ تعلمته وفهمته ومارسته هو الكاثوليكية. أذهبُ صباحاً وظهراً ومساء، للصلاة في الكنيسة الجميلة المزينة بنقوش من الجبس مذهبة؛ أصلي، وأنا أجلس على الأريكةِ الزرقاء للمقاعد الخشبية، للمسيح العظيم المصلوب وتمثال العذراء العاشقة التي تلفني نظرتها العذبة والنقية. حملتُ بورعٍ حول عنقي وعلى قلبي الصليب وأيقونة مريم..استمر ذلك لخمسة أعوام، طوال المدة التي كان فيها والدي يخوض الحرب حتى عام 1946" (ص 22)
ثم عاد الأب
تزوج أبوها، وهو في الثلاثينيات من عمره، فتاةً تدعى خديجة، اختارها له آل بن زيدان. "بعد انقضاء شهر العسل، جاء أبي يبحث عني ليخرجني من الدير. عاتبه الجميع في وسطه العائلي:
- كيف هذا؟ لقد أصبحت ابنتك مسيحية! هذا عار" (ص 23)
غادرت فاطمة الدير وأدخلها الأب في المدرسة الفرنسية المختلطة، لكنها لم تتكيف مع حياتها الجديدة وبقيت سراً وفية لتعاليم الراهبات، حيث دار صراع بين الأب وابنته بسبب الأيقونة التي كانت تتقلدها

سارت سنواتُ المراهقةِ بين السياسة التي اكتشفت أصداءها وعزلة العالم التي اصطنعتها لنفسها في غرفتها الخاصة.. إلى اليوم الذي التقت فيه محمد بن أحمد أوفقير. كان نقيباً لامعاً في الجيش الفرنسي حائزاً على أوسمةٍ رفيعة. بعد أن أمضى بعض الوقت في الجزائر، شارك في غزو إيطاليا، ثم نُقِلَ إلى الهند الصينية، التي تورط فيها الفرنسيون. كان آنذاك في الثلاثين من عمره، رجلاً عرف الحرب وذاق أيضاً طعم الملاهي والنساء والمغامرات
بعد ثلاثة أيامٍ من اللقاء الأول في منزل العائلة، طلب أوفقير الارتباط رسمياً بفاطمة، ثم تزوجا في 29 يونيو حزيران 1952 حين كانت فاطمة في سن السادسة عشرة. أحبت الفتاة هذا الرجل الناضج الذي فهم سريعاً أنها لم تكن تعرف عن الحب والحنان والثقافة أي شيء. بدت فاطمة مولعة بالسينما إلى حد الإدمان، لدرجة أنها كانت تحضر ثلاثة عروض سينمائية يومياً
كانت تنتشي سعيدة بانتقالها من الأفلام إلى الحفلات الراقصة.. إلى أن بدأ سيناريو الحمل
"فأنجبت طفلي الأول باكراً، وبعد الوضع بثمانية أشهر، كنت، حبلى من جديد..ومرة تلو المرة.. أصبح لديّ، في سن الثانية والعشرين، ثلاثة أطفال وحملُ أُجهِضَ في الشهر الخامس، جراء حادث!" (ص 42)
أما أوفقير فقد بات تدريجياً شخصية قوية ومؤثرة ومرهوبة الجانب، إذ استبقاه محمد الخامس لفترةٍ طويلة مرافقاً له مانحاً إياه صلاحياتٍ ومسؤوليات متزايدة الأهمية والخطورة، وخصوصاً بعد دوره في خلع السلطان محمد بن عرفة، وإعادة محمد الخامس إلى القصر. عينَه محمد الخامس مديراً للأمن، ثم اختاره الحسن الثاني ليكون وزيراً للداخلية عام 1967 قبل أن يصبح في العام 1971وزيراً للدفاع
وعن الملك الحسن الثاني تقول فاطمة أوفقير إنه "أحاط نفسه بأسرابٍ من النساء صغيرات السن، اللواتي سرعان ما ملّ منهن واستبدلهن بشاباتٍ ملأن عليه القصر"، و"عج القصر بحلاَقاتٍ صغيرات لطيفات ناعمات الوجوه، وفاتنات مجهولات بقاماتٍ ممشوقة، بل وصلت فتيات اشتهرن بسوء سمعتهن في الرباط إلى وظائف في مكاتب بعض وزراء البلاط" (ص 73)
وهي تقر بحقيقة مشاعرها تجاه العاهل المغربي، قائلةً: "ربما كرهتُ الحسن الثاني في الفترة التي أذاقني فيها أقسى الألم وأمرَ العذاب، ولكن رابطة عميقة ظلت باستمرار بيننا. شعورٌ لم تستطع حتى المحن والآلام والظلم وقسوة قدرنا أن تخنقه. إذ لا يمكن للحياة التي عرفناها والعاطفة التي كانت توحدنا والصحبة الحميمة التي كانت تربطنا أن تنحلَ وتزول" (ص 81)
غير أنها تضع خطاً أحمر، بالقول: "حينما أذكر تلك الحميمية، عليَ أن أوضح بأنني لا أقصد بالتأكيد حميمية جسدية، حيث أُشيعت الكثير من الإشاعات..ففي كتابه "صديقنا الملك"، ذهب جيل بيرو إلى حد أنه كتب أن ابنتي سكينة هي ثمرة علاقة بالملك!" (ص 81)..وتؤكد فاطمة أن ذلك لم يكن صحيحاً، إذ "كانت علاقتي الحميمة مع الحسن الثاني أنني كنتُ أستطيع التحدث إليه بلا خوف، وقول الحقيقة أمامه دون أن يستاء مني، أو يأخذ به الشك. هذه هي الحميمية مع ملك" (ص 82)
ثم تفتح فاطمة أوفقير خزائن ذكرياتها وحكايات القلب، وهي حكاية كل امرأةٍ تبحث عن آخر الموديلات في عالم الأحذية، وتنسى قلبها حافياً بلا أحد
"ذات يومٍ، اكتشفتُ أن لزوجي عشيقات منذ زمن طويل. في بداية زواجنا، كنتُ بلهاء، وساذجة كثيراً! وفيما بعد، خلال حكم محمد الخامس، كنتُ باستمرار غائبةً عن بيتي، بل لم أكن أعلم ما يجري فيه، لأنني كنتُ دائماً في القصر، واستغل أوفقير ذلك
اليوم، أدركُ أنه خانني مع نساء، ربما كنّ أكثر ذكاء وأنوثةً وجاذبية مني. كنت أخاف من ممارسة الحب معه خشية الحمل، وكان بإمكاني أن أتمنّع عليه لشهورٍ عديدة، وهكذا بدأ كل شيء"
والخيانة تشبه سماء زجاجية ثقيلة تنسلخ من عليائها السابعة، وتهوي. صوت ارتطامها بالأرض يطحن الأسماع
وهي تقدم لنا الأدلة التي وجدتها ضد أوفقير الزوج
"يغيب لأيامٍ كاملة، وعند عودته، أجد أحمر الشفاه على قمصانه..النساء يلاحظن هذه الأمور، ويشعرن بها إن أردن ذلك. لم أوجه له اللوم، لأن كبريائي المفرط كان يمنعني من الخوض في مشاحناتٍ زوجية، فتحملتُ وتجلَدت. ولكن ذات مساء، أخبرته بهدوءٍ تعجبتُ له بنفسي:
- في اليوم الذي سأخونكَ فيه، ستذرف الدموع دماً
- فأجابني بخبثٍ ودهاء:
- - إن تجرّأ أحد على أن يشتهيك، فلا تُقصّري!" (ص 87)
وجاء ذلك المتجاسر، وكانت الهزيمة مريرةً لأوفقير
"لم أرد الانتقام لنفسي، بل حقاً أحببت. وللمرة الأولى في حياتي، وبفضل ذلك الرجل المقدام، امتلكتُ القدرة على أن أجابه زوجي، وأبدأ انطلاقتي، وأعيشَ لحظاتٍ رائعة في نشوة الحبِ والعاطفة المتقاسمة مع من أحبّ" (ص 87-88)
بدأت الحكاية عام 1963 في فندقٍ بطنجة
"كنتُ جالسةً إلى المائدة مع أحمد الدليمي، مساعد أوفقير، ومجموعة من الشخصيات المقربة من الحكومة. فجأةً، شعرتُ أن عينين تخترقان كياني من خلف ظهري..فالتفتُ بهدوء، والتقت نظرتي بنظرة شابٍ كان يرمقني، وفي تلك النظرة التي تبادلناها بصمت، حدث شيءٌ لا يمكن شرحه، ولم أكن أنتظره، ولم أكن مهيّأة له
بعد لحظاتٍ من ذلك، طُلِبَت السيدة أوفقير على الهاتف.وكان على الطرف الآخر من الخط، الرجل المجهول الذي بالكاد لمحته
- صباح الخير، سنلتقي غداً
- واعدني. أردت أن أتكلم، ربما لأرفض، ولكنه أغلق الخط. تحدى ذلك الشاب أوفقير بكل جبروته! وهكذا وجدتُ نفسي منجرفة في قصة حبٍ كقصص الخيال" (ص 88)
التقى الاثنان في اليوم التالي وتعارفا. كان اسمه حسن، ويُسمى حسنيتو لأنه يتحدّر من منطقةٍ قريبةٍ من إسبانيا، وكان عسكرياً في السادسة والعشرين من عمره، أي أنه أصغر سناً من فاطمة بقليل. بدا الشاب جموحاً وجريئاً ومتسلطاً. قرر مباشرةً أنه يجب أن يلتقيا بانتظام، أما هي فقد عاشت صراعاً وحيرة شديدة طوال ثمانية أيام، قبل أن تحسم أمرها وتوافق على لقائه، ليبدأ العاشقان في تبادلِ الحب سراً، ولكنه فاجأ فاطمة ذات يوم بخطوةٍ جديدة "أريدكِ لي وحدي" (ص 89)
رفض الشاب الوسيم اللقاءات الخاطفة، وأراد أن تتطور العلاقة وفي وضح النهار. كان هو من يضع الشروط، وليس أوفقير، الذي كان غاية في الانشغال ولاهياً عن الاهتمام بمشاعر زوجته. إلى أن فرض حسن نفسه عشيقاً علنياً
"كان حسن ينتمي إلى مديرية التدخل والأمن، ويتابع، بصفته هذه، تنقلات الملك وجولاته. ذات يوم، في تطوان، وبينما كانت سرّيته تؤدي التحية لجلالة الملك، ترك فارسي الوسيم رجاله وقاد سيارة جيب وتوقف أمامي حيث كنتُ واقفةً على قارعة الطريق. انحنى عليّ وأصعدني إلى السيارة واصطحبني على مرأى ومسمع الجميع..يا لها من فضيحة!" (ص89)
كان أصدقاء حسن يقولون له إنه مجنونٌ لاستفزازه أوفقير، ولكنه لم يكن يعبأ بتحذيرهم، وظل يرفض بعناد أن يتخفّى ولم يخفِ بأنه عشيق زوجة الرجل القوي للنظام، وأنه يريدها لوحده. "أصبحتُ في وضعٍ غريبٍ وغير مريح: وجدتُ نفسي حائرةً وممزقةً بين ذلك الشاب الذي أُحب وزوجي الذي أحترمه وأخافه" (ص 89)
ولكن ماذا عن الزوج: الجنرال الذي يخافه الجميع؟
"لم يُثر أوفقير الموضوع معي، ولم يَلُمني، ولم يفاتحني بالموضوع. لا شك أنه أراد أن يمنحني الفرصة لأستعيد توازني، وأنه اعتقد بأنني لن أذهب حتى النهاية في نزوتي هذه، وأن هذا الحب العابر سيذوي من تلقاء نفسه" (ص 89)
كان لدى فاطمة حينها خمسة أطفال، وربما اقتنع أوفقير بأنها مهما بعدت ستعود في النهاية إليه
ولتقويض هذه العلاقة الغرامية، حاولت قيادة الجيش إبعاد الشاب حسن عن زوجة وزير الداخلية، ففرضوا عليه، وفي الأماكن الأكثر نأياً، كل الدورات التدريبية التي يمكن أن يخضع لها ضابط: الغطس البحري، وتسلق الجبال، والرماية، والقفز المظلي.. وقد قام بكل ما طلب منه، وبقي عاشقاً بامتياز
طوال ما يقارب أربعة أعوام، عاش الاثنان قصة حبٍ فوضوية. لم يكن بإمكانهما أن يلتقيا إلا في فتراتٍ متباعدة وأماكن مختلفة
"حينما كان في إسبانيا في دورة تدريبية، سافرتُ لزيارة ولديّ مريم ورؤوف حيث كانا حينها في القسم الداخلي من مدرسة ماري- جوزيه في مدينة غشتاد السويسرية. ولدى عودتي، التقيتُ حبيبي المتّيم في منتجع جاكا للتزلج في جبال البيرينيه على الحدود الإسبانية – الفرنسية. لم يكن أوفقير يعلم بمكان وجودي، وبحث عني في كل مكان. وحينما عرف مكاني، أرسل والدي ليراقبني
"كنا نلتقي أحياناً في فرنسا. وذات يوم، بينما كنتُ أعيد الطفلين من مدرستهما السويسرية، أصيبا بطفح جدري الماء وسط باريس، وكان ذلك فرصةً لي. كنتُ أقضي الليل والنهار مع حسن في غرفة فندقٍ في جادة سانت- آن، وأتابع حالة طفليّ في الوقت ذاته" (ص 90)
لكن علاقتهما لم تكن في إسبانيا أو فرنسا فحسب
"في المغرب، تبادلنا الحب في كل مكان، حتى في المجاري قيد الإنشاء! كانت تنفذ في شمال البلاد مشروعات كبيرة، تُستخَدم فيها أنابيب ضخمة، استخدمناها كملاذٍ مؤقتٍ، مزوّدٍ ببطانيتين وبعض المأكولات، وكنا نبقى متوارين فيها لأربعٍ وعشرين ساعة.. لا يعلم أحدٌ أين اختفينا. كان لا بد من الجرأة، فأوفقير يتعقبنا!" (ص 91)
ولكن، من يستطيع كبح جماح عاشقةٍ تكسر النهار من ساقه وتنام بدون عكاز الغد
"مارسنا الحب في البحر والغابة وفي الريف والمدينة، وكأن أوفقير لم يعد موجوداً في البلاد. بفضل ذلك الشاب، عرفتُ ما هو الحب، حب عاشقٍ جسور. في السابق، كنتُ ألتقي برجالٍ يختفون تحت الأرض ما إن يسمعوا اسم زوجي. أما هو، فقد كان يهاتفني في منتصف الليل، وأنا إلى جانب أوفقير، أو يوقظني في الصباح الباكر، ليأمرني:
- تعالي في الحال
كنتُ أنسلُ من السرير لأذهب للقائه، وحينما كنتُ أرتمي في أحضانه، يسألني:
- أقسمي أنه لم يمسّكِ...
كان عليّ أن أقسم، وكان ذلك رهيباً" (ص 91)
وما أصعبَ العناق، حين يكون حناناً مسروقاً!
بدأت فاطمة بالهروب من زوجها، وبدأ هو يدرك أن المسألة جدية. كانت تلتقي عشيقها في شقته الصغيرة، وكان ظلُ زوجها يلاحقها في كل مكان. "أشمُ عطره في المصعد، وأجدُ أحياناً ماسحتيّ زجاج سيارتي ملويتين..وتلك علاماتٌ يتركها أوفقير، ليشعرني بأنه على علمٍ بكل ما يجري. لم أعد أطيق العيش بخوفٍ ورياء، فاعترفتُ له ذات مساءٍ:
- أحبُ شخصاً آخر، وأريد الرحيل" (ص 92)
لسان حالها كان يقول لزوجها: كأنني وحدك في الترقب..وللعشيق: كأنكَ وحدي في الغياب
وبعد إلحاحٍ منها، وقع الطلاق بين فاطمة وأوفقير في 16 يوليو تموز 1964. "ما إن وقَعت الأوراق حتى استغل القاضي، وهو يهمّ بالانصراف، الفرصة المناسبة ليلفت انتباه أوفقير إلى أن لديه ابنةً جميلة جداً تدرس الصيدلة..لقد بدأ الطامعون بدسائسهم لأخذ مكاني" (ص 92)
ولأن الهوى يدور في دم العشاق، فإن أقدامهم دائمة الألم وتدور مع الأرض
"حسب الشريعة، لم يكن يحق لي أن أقيم علاقات جنسية مع رجلٍ إلا بمضي سبعين يوماً على طلاقي، وهو الوقت الكافي للتأكد من أنني غير حامل. ولكن ذلك لم يمنعني من الخروج بصحبة حسن، أو تناول العشاء والذهاب إلى حفلات الرقص العامة معه"
وتعرض حسن للمزيد من المضايقات، فقد أٌبعِد عن الرباط التي كان يخدم في حاميتها، واضطر للالتحاق بثكنة في بو عرفة على الحدود الجزائرية، على مبعدة أكثر من ستمئة كيلومتر عن العاصمة الرباط. وذات مساء، صُدِمَت من الخلف السيارة التي كانت تقلهما وهما عائدان من السينما، وانقضت زمرة من الرجال بزي القوى الرديفة على حسن وأمسكت به ورمته في سيارة جيب، وانطلقت به. ولم تتوان فاطمة عن اللجوء إلى الملك الحسن الثاني لإنقاذ حبيبها. وبفضل جرأتها، كُتِبَت النجاة للضابط الشاب
واستدعى قادة عسكريون حسن وخيّروه بين فاطمة والجيش، فاختارها هي، واستقال من الجيش. أما أوفقير فتزوج امرأةً تصغر فاطمة بثمانية أعوام، اسمها فاطمة أيضاً، وسط إلحاحه على زوجته الأولى كي يستأنفا حياتهما معاً. تقول فاطمة في مذكراتها إنها أرادت الاقتران بحسن، لكن أوفقير هددها بألا يسمح لها بمقابلة أولادها مرة ثانية، فتراجعت عن الفكرة
"كنتُ مرهقةً بين الرجلين اللذين كانا كل حياتي. تُلهِبُ العاطفةُ روحي، ويبقى أوفقير ماثلاً في ذهني، فهو مَعْلَم حياتي الذي لا غنى لي عنه" (ص 95)
وفي 29 أكتوبر تشرين أول 1965 اختفى المعارض المغربي المهدي بن بركة في قلب باريس. وُجِهَت اتهاماتٌ إلى وزير الداخلية المغربي بالتورط في الحادث، إذ قال الجنرال شارل ديغول "يجب أن يدفع أوفقير ثمن ذلك"
في تلك الأثناء، كانت فاطمة منفصلةً عن أوفقير، وتعيش تحت تأثير حسن وسطوته "أصبحتُ مع حسن مجرد شيء يخصّ رجلاً يقرر ما عليّ أن أتناوله وما عليّ أن أرتديه، وإن بان نهداي بعض الشيء من تحت الثوب، يُعنّفني ويأمرني بأن أغيَرَ ثوبي، وأنا لم أكن قد اعتدتُ على أن أُعامل بتلك الطريقة" (ص 107)
لم يكن أوفقير يعاملها بتلك الطريقة المتسلطة، وقد اعتادت أن تفعل ما يحلو لها، لكن ذلك كان مستحيلاً مع حسن
"خالجني شعور غامض بأنني لن أستطيع التفاهم طويلاً معه...وبدأ تراكمُ الأمور الثانوية والجزئيات يغيظني ويزعجني، فعلى سبيل المثال، كان مغرَماً بقدميّ لأنهما ناعمتان، فكيف يمكن القبول بتجزئة كيان امرأةٍ إلى أجزاء متناثرة؟ هذا الشيء فيها جيد، وذاك أقل جودة، وهذا الجزء منها جميل، وذاك قبيح، تتكلم بصوتٍ عال، أو بصوتٍ خفيض..المرأة كيان متكامل، المرأة روحٌ وعقل ونمط حياة. لا تُعشَق المرأة لعينيها اللوزيتين، أو أنفها الخانس، لساقيها الطويلتين أو لقدميها الصغيرتين" (ص 108)
ثم إن أوفقير كان حاضراً، ويطارد العاشقَين في كل مكان. أراد وزير الداخلية استعادة زوجته..وربما كرامته
كانت فاطمة أوفقير حائرةً ومشتتةً بين حبيب يضنيها ورجلٍ صلب لم تكن ترغب في أن تراه يخرج من حياتها. إنها الورطة التي لا تتمنى امرأةٌ أن تعيشها ولو للحظةٍ واحدة
"استبد بي اليأس، فقررتُ أن أنهي حياتي. ارتديت قميص نومٍ حريرياً جميلاً، أبيض اللون، وابتلعتُ كمية هائلةً من المهدئات
في اليوم التالي، عثرت عليّ صديقتي سيلفيا دوكالي، زوجة السكرتير الخاص للملك. دقَت عليّ الباب مراراً دون أن يجيبها أحد، فدخلت لتراني ممددةً على الأرض في سكون، وظنّت في البدء أنني نائمة" (ص 108-109)
نُقِلَت فاطمة بسرعة إلى المستشفى لتبقى في غيبوبة لمدة ثمانية أيام. وعندما استعادت وعيها تصرفت بعنف وقلبت كل شيء في الغرفة. بعد قليل هدت وبدأت تسأل نفسها عن تلك المغامرة العاطفية
"غير أنني التقيتُ حسن لمرة واحدة بعد ذلك، وكان ينتابني إحساس في قرارة نفسي بأنه سيكون اللقاء الأخير. استأجرنا غرفةً متواضعة ومتسخة في سوقٍ في قلب الدار البيضاء، في سوق المزاد حيث لا يمكن لأحدٍ أن يعثر علينا، وحبسنا أنفسنا فيها لثلاثة أيامٍ نعيش فيها على الخبز والحليب فقط، واستمتعنا سوياً بحبٍ جنوني عاصفٍ، ثم قررنا اللجوء إلى ضيافة زوجة طبيبٍ شهير، وهي امرأةٌ جميلة للغاية شغوفة بممارسة الرياضة، ولكنها رعناء بلا أخلاقٍ ولا ضمير. اتصلتُ بها:
- سنأتيكِ أنا وحسن
- على الرحب والسعة، سأعطيك غرفة الأصدقاء
استقبلتنا بثوبٍ منزلي شفاف، يكشف عن عريها على نحوٍ فاضح، وانحنت بشهوانية أمام حسن وهي تقدمُ له الشاي..وهو يمعنُ في مفاتنها المبذولة بلا تعففٍ أو رادعٍ أخلاقي، وأنا أشاهد ذلك العرض من الإثارة والإغراء ببلاهة، ولكن الدم بدأ يغلي في عروقي، وثارت أعصابي: نهضتُ فجأة أهمُُُ بالخروج، فاستوقفني حسن، وأقسمَ على حبّه الأبدي لي..وأمضينا معاً ليلةً أخرى، ولكن في الصباح الباكر، أخذتُ أغراضي وانسللتُ من البيت
لم أحتمل اشتهاءَ ذلك الشاب لتلك المرأة، تلك الشهوة التي لم يستطع أن يداريها. لم أغفر لهما تلك الوقاحة، وقدمتُ كبريائي على حبي، وأبديتُ صرامةً كنتُ محقةً فيها: من أجل حسن، تخليتُ عن حياتي بأكملها، وقد تجرأ على التصرف معي بوقاحة! وهو ما لا يمكنني أن أتسامح معه
"عدتُ إلى منزلي الصغير في بلانش نيج، وحينما اتصل بي في اليوم التالي، أجبته بجفاء:
- لا تتصل بي مرَة أخرى!
فأراد أن يُسهبَ في التبريرات:
- أنا أتصلُ بكِ من منزلها، لم أستطع..
قاطعته بحزم:
- أعرف جيداً أنك في بيتها، ويمكنك البقاء هناك إلى أن تشبع رغباتك. وداعاً، وشكراً" (ص 109-110)
هكذا انتهت الحكاية، ولم تلتقِ فاطمة حبيبها حسن بعدها، لكنه ترك أثراً لا يُمحى في حياتها
وبذكاءٍ استعادت فاطمة الجنرال أوفقير، بل إنها اشترطت عليه قبل ذلك أن يطلق زوجته الثانية فخضع لها. "من جهته، عاد حسن والتحق بالجيش بعد فترةٍ قصيرة، ثم أرغمه والداه على القران بإحدى بنات عمه، واستمر في حياته البسيطة الهادئة، ولكنه قضى معظمها في التنقل والتجوال، فطوال خمسٍ وثلاثين سنة، لم يُقِم في المغرب إلا نادراً، ظل متنقلاً من بلدٍ إلى آخر كملحقٍ عسكري في سفارات المغرب. وقد قيل لي إنه قد تقاعد عن الخدمة الآن" (ص 113-114)
تذكرت فاطمة أوفقير غرامها مع حسن، وهي تحن إلى تلك الذكريات البعيدة، وتفكر في لقاء العاشق القديم.. ربما في حياة أخرى، لن نغلقَ فيها أيامنا على فزع أو نفتحها في ارتباك، لتصبح أوهامنا عاريةً منا
ذكريات فاطمة أوفقير تقول ببساطة للرجل
لا تقل: أحببتك وأحبك
سأسمع الصوت بعيني ودمعة قلبي

Sunday, April 27, 2008

كتاب الرغبة (10): حبة الفراولة




في روايتها "الأوبة" الصادرة عن دار الساقي في بيروت، تقدم لنا الروائية السعودية وردة عبد الملك- وهو اسم مستعار- عالماً مفزعاً تتداخل فيه اللذة بالألم، والسلطة الدينية بالقهر، والرغبة باللعنات
وعبر 101 صفحة نعيش مأساة سارة، تلك التي انهارت بتواطؤ مريبٍ من الجميع، ممن خنقوا إنسانيتها وتركوها ضائعة، لا تعرف أي الدروب تسلك: التشدد أم المجون!
بطلة الرواية هنا تتذكر، والذي يعود إلى ذكرياتٍ قاسية كالذي يلقي بنفسه مرةً ثانية تحت عجلات قطار ليعيد دهسه مرةً أخرى. ولكن، كيف لك أن تتحاشى عجلات قطارٍ مندفع وكل ما حولك قضبان؟!
إنها تدين مجتمعها والقيود التي كبلتها كإنسانة، وتفضح رموزاً مضللة، لندرك معها أن مرتكبي جرائم التشويه لا يمكن أبداً أن يصبحوا خبراء في التجميل
أول الرواية غضب
إنها تحاسب الجميع، وتدينهم بارتكاب سلسلة من الجرائم بحقها.. والضحية عيناها دوماً ضريرتان عن رؤية شيء أبعد من الجريمة التي وقعت لها، والأذى حذاءٌ عسكري ثقيل يهوي كمطرقةٍ على صدرها وذاكرتها
تحكي سارة عن الزوج الأول عبد الله فتقول: "أما أنتَ فستضحكُ الملائكةُ منكَ حتى تستلقي على أجنحتها الفارهة
لأنك ثورٌ زوجوك وطلقوك" (ص 6)
وفي موضعٍ آخر تخاطبه قائلة: "أعلمه أن الحياة مضت بك بين السجود لعظمته واعتلاء البقرة الولود
بين الملذاتِ العلوية في حضرته والسفلية في حضرة ساقيها المنفرجتين، ثم ما ازددت إلا خبالاً
لكني أعرف جُبنكَ، ستولي هارباً من ربك وترمي بجثتك الضخمة فوقي" (ص 6)
وهي لا تتوقف عنده، إذ تحمل على أخته فلوة التي تصفها لأول مرة في الرواية بالقول: "وأختك الخشبة المسندة متّشحةٌ بالسواد إلى قدميها، تبسمل وتحوقل، بينما تجرني على بطني في وادي الزناة ثم تلقى بي في ركنٍ قصي مظلم" (ص 6). وما بين فترةٍ وأخرى، تقفز هذه المرأة إلى ذاكرتها فتصب عليها جام لعناتها، ومن ذلك قولها في مناجاةٍ مع النفس: "أما فلوة فتستحق المرور بجهنم بضعة أيامٍ حتى تستوي مؤخرتها ويتحجَر برازها الأسود في أمعائها فلا تعبث مع بنات الآخرة عبثها معي" (ص 37)
وفي منتصف الرواية تخبرنا الساردة عن مصير فلوة وأخيها: "عبد الله اختفى مثل فقاعةٍ ذابت في الكون وقد تركته أختُه لتتدارك شيئاً من نعيم الثعبان مع مطوع اعتزل الناس في القصيم بين زرعه ونخيله" (ص 48)
وأثناء رحلة استجمامٍ لها مع أخيها عمر إلى شرم الشيخ، يدور بينهما الحوار التالي:
" – هل تعرف حينما أسترجع حياتي، لا أحد ولا شيء يؤلمني مثل فلوة
- كيف؟
- هي من نهشَ لحمي وسلبني كل إرادةٍ لا هُم
ترددتُ قليلاً قبل أن أكمل بلا خجل:
- لقد أعدّت الحفلة حتى يمتطيني الرجال. وكانت العانس تتلمظ بمتعةٍ مكبوتة وهما يتناوبان عليّ. هل تتخيل هذا الشعور الغريب؟ إنها عمليةٌ تشبه القوادة
ابتسم عمر بعصبيّة:
- لكنّها قوادة شرعية يا سارة!" (ص 31)
إنها تشعر بالظلم الذي وقع عليها، حين عاشت أو عانت "في فراش عبد الله، ثم في فراش القصير السمين. ومن قبل الشبق ومن بعده في لّجة الوساوس السوداء التي ستقتاتُ بشراهةٍ بدمي وأعصابي" (ص 13). كما أنها تحزن للطريق الطويل الذي مشته من دون أن تتوقف لحظة "لكيلا أشعر بروحي التي شاخت
أو أبكي جسدي الذي قدّمته عشيّةً بعد عشيّةٍ قر باناً على مذبح شهواتهم الحلال
لكيلا أستشعر فصامهم الذي شطر ذاتي نصفين. ودجلهم الذي تعاونوا رجالاً ونساءً على حقنه في تلافيف دماغي يوماً بعد يوم" (ص 8- 9)
ثم تنتقم بسلاح الخيال الساخر من الجميع: الزوج الأول وأخته، والزوج الثاني، والداعية الشهيرة في مدينة الرياض
"أنف فلوة في مؤخرة علي، ولسان عبد الله الخشن يجوس بين فخذي فاطمة" (ص 7)
وحين تصف الزوج الثاني "السمين القصير، القصير الدميم، القادم على ظهر بغلته" (ص 5) فإنها تلجأ إلى ألفاظٍ وعبارات في التراث تشير إلى الفعل الجنسي للحديث عن رغباته الجسدية: "قل له إن الدميم في دمه هوى القعود بين شعبها الأربع والعفس الشديد والجمع بين الركبة والوريد، فليخصص له من الحور العين سبعين يلقاهن دحماً دحماً ويعدن في كل مرةٍ أبكاراً" (ص 5)
علاقة شائكةٌ وشبه غامضةٍ تربطها بالأم التي تصفها قائلةً: "أمي في غيها فلا تثريب عليها" (ص 15)، وفي مناجاةٍ مع النفس تقول: "لو أنك يا الله أخذت أمي وتركت لي أبي، ماذا كان سيخرب على ظهر هذه البسيطة؟
لا شيء البتة!
ماذا كان سينقص أو يزيد؟
ولا حبّة خردل
تلك المرأة منذ جهلت وخلقتَها وهي والهامش سواء بسواء
دوماً كانت أقصى من نجمةٍ قصيّة، فلن يليق بمقامها سوى عليائك، سوى أن تغسل رجليك وتدلك ظهرك بالزيوت العطريّة ثم ترقد على سنامك" (ص 36-37)
وعندما يسافر أخوها عمر من دون أن يودعها، تنفجر في وجه أمها: "صرختُ في وجه الكائن المقيت:
- هل أنتِ أمّ؟ هل خرجتُ من رحمكِ؟ لِمَ لم تحضيه على زيارتي وتوديعي؟!
كأنها لا تسمعني" (ص 38)
وهي ترسم صورة عدم مبالاة الأم بها حتى في الآخرة، فتقول: "تنظر إلى التنور فتراني نخلةً والنار تضطرم في رأسي. لا تعبأ كعادتها وتستدير بصفاقةٍ لتقع على بطنها فوق عشرةٍ من غلمان مخصيين لا يشفون لها غليلاً
تأوهاتٌ وأصواتٌ وقُبلٌ فاقعة" (ص 7)
وفي مقابل الأم، تبدو لنا الجدة صايلة أكثر حباً وحناناً، كأنها الأم البديلة
وبعد سماع دفاعها ودفوعها، تبحر بنا سارة في الذاكرة، فنراها طالبةً في المدرسة الثانوية في سلطانة – أحد أحياء
غرب الرياض- وقد ضبطتها الاختصاصيةُ الاجتماعية فلوة بالجُرم المشهود: إخفاء روايتين من روايات "عبير" في دُرجها بالفصل. تلومها فلوة على فعلتها، وتعاقبها مديرة المدرسة، قبل أن تعود الاختصاصية الاجتماعية لتهديء من روعها وتبلغها بأن إدارة المدرسة لن تكلم أهلها، وأنها ستتوسط لها عند المديرة حتى تكتفي بالتعهد الذي كتبته. هنا تحكي الساردة: "وقعتُ على يدها اليمنى أقبّلها بامتنانٍ طفولي
المرة الأولى في حياتي التي أنحني فيها على يد
لا أدري ماذا كان شعورها، أو بماذا فكرت في تلك اللحظات، لكنني الآن أعي أن ذلك كان إيذاناً ببدء تاريخ عبوديتي
ذلك التاريخ السحيق الذي سلب من إنسانيتي حسها ومن روحي رفيفها العلوي، وأطلق العجلة لتدور بسرعةٍ خرافية فوق كل خليةٍ من خلايا جسدي وذاكرتي، ولتشكّل تلك المرأة بيديها القاسيتين مصيري، بلا وجلٍ، وبلا تردد وبلا رحمة، وبلا شعورٍ بالذنب" (ص 12)
منذ ذلك اليوم، أصبحت سارة تدور في فلك الاختصاصية الاجتماعية فلوة، التي أغرقتها بالكتيبات وأشرطة الكاسيت الدينية لمشاهير شيوخ الصحوة، التي صارت الفتاة تخصص لها وقتاً يفوق ما تخصصه لدروسها . وتحت تأثير وسطوة فلوة، تحرق سارة كل ما تملكه من صورٍ وقصص ومجلات وتذكارات ودُمى وأشرطة أغانٍ، حتى تؤكد قدرتها على هزيمة النفس والشيطان
وفي آخر يومٍ من الامتحان النهائي، تباغتها فلوة بلا تمهيد بالقول إنها لن تجد أفضل منها زوجة لأخيها عبد الله. المواصفات تبدو مطابقة، إذ تصف سارة نفسها آنذاك بأنها "مطوعة صغيرة جديدة، وقبيلية مثلها، وجميلة ومهذبة..ونعجة صغيرة!" (ص 15)
تقول لها فلوة إن أخاها يمضي حياته من المسجد للبيت ومن البيت للمسجد، لكن سارة تسخر قائلةً: "وسأعرف بعد ذلك أنه من البيت لعليشة ومن عليشة للبيت" (ص 16)، في إشارةٍ إلى الموقع السابق لمستشفى المصحة النفسية بحي عليشة في الرياض
تتحدى سارة أخاها عمر وتتجاهل نصيحته لها برفض هذا الرجل غريب الأطوار الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً، ليتم الزواج وتنتقل الريشة الخفيفة التي تذروها الرياح إلى منزل الزوجية، وهو طابق أرضي في فيلا قديمة بحي الشفاء قرب الرياضهناك تجد نفسها أمام لحظةٍ عصية على النسيان وعلى التأويل:
البعض يتوهم أن ليلة الوصال تعني أن تغادر رأسك إلى حفلة الجسد.. أن تخرج قلبك من المعادلة وتقطف العابرة من براءتها إلى السرير
"خلع ثيابه، وأبقى عليه سروالاً قطنياً ممططاً ومائلاً إلى الصُفرة يصل إلى حدود ركبتيه
لم يقدم لي كأس ماء ولا وردة. ولم أر شوكولاتة ولا فاكهة. ولم أسمع منه كلمة ولا همسة. ولم يداعبني، ولم يلاطفني كما لمثلي أن تحلم أو تتخيل
لكنه برك. هكذا برك كما يبرك البعير الأجرب، وبدأ يمطرني بقُبلٍ متلاحقة مجنونة على وجهي. يأكل فمي، ويمضغ لساني، ويحك أسنانه بأسناني، وأصابعه تعتصر تفّاحتَي بشدة حتى يبلغ الوجع العبقري رقبتي
لم يتركني إلا مع أذان الفجر
إذن هكذا يرحم الله البنات في لياليهن الأولى. يؤذن المؤذن فتُطوى الثعابين السامة ويضممن أرجلهن
أعطيته ظهري دقائق والصداع يكاد يقسم رأسي نصفين. أشعر بالغثيان، وبأن معدتي الفارغة ستلفظ بطانتها قبل ضوء الصباح
قمتُ متثاقلةً إلى الحمام، أسحب رجلي سحباً. الألم بين فخذي لا يُحتمل وكأن أفعى ضخمة، كأن حيواناً برياً قد دخل في أحشائي، ومَزق لحمي، ولم يخرج
رأيته يتفقد السرير والأغطية ووجهه منشرح
لحقتني إلى أرضيةِ الحمام بضعُ قطراتٍ من الدم المائل إلى السواد. اغتسلتُ وكتمت الأنين والماء يلامس جرحي الطري" (ص 19-20)
غير أن الزلزال يقع قرب الساعة الثالثة من صباح أحد الأيام
تستيقظ سارة على صوت أنينٍ مكتوم، لتجد عبد الله ساجداً على الأرض وهو ينشج. وعندما تقترب منه يصرخ بها طالباً منها الابتعاد، قبل أن يقترب منها ويعانقها بطريقته الفظة. "رفع يده إلى الأعلى وبدأ يسب الله بكلماتٍ جنسية ساقطة. لم أصدق نفسي. رأيتُ قبائل من الجن تحوم حولنا في هرجٍ ومرج" (ص25)
وفي الصباح تهاتف فلوة لتخبرها بما جرى، لتكتشف تدريجياً أن عبد الله مريض نفسياً. وتناولها فلوة مظروفاً صغيراً قبل أن تقول لها من دون أن تكلف نفسها عناء التفسير أو حتى طمأنتها: "- اسمعي، سأذهب إلى المدرسة، أما أنتِ فاتركيه حتى يستيقظ وحده. في هذا المظروف بطاقة المستشفى وتقريره الطبي. جهزي له سجادةً وملابس ربّما أدخلوه! سأمر بك بعد الظهر لنرى!" (ص 28)
وقعُ الصدمة كان قوياً على بطلة الرواية
أسئلةٌ وعلامات استفهام تصيبها بالدوار إذ تقول لنفسها: "من ظل يضاجعني إذاً كل ليلةٍ عاماً وشهرين كان "ممن أدخلوهم"!
لا اعتراض لي على دخوله المستشفى والخروج منه، ولا على دخول قضيبه أحشائي وخروجه، لكن لِمَ لم أعلم قبل اليوم؟
الجدران العارية ستتوقف لحظةً عن القهقهة، وتجيبني:
هذه مشكلة النعاج!" (ص 28)
تجلسُ على طرف السرير تتأمل بصمتٍ الزوج النائم وهو في غيبوبةٍ أو في نصف ميتة، وتتساءل: "تراه يحلم؟ أم يتألم ويتوجع؟ أم يحادث ربه ويجادله؟ أم يفكر؟
حسناً فيمَ يفكر؟ في ثعابين القبر، أم في ثعبانه هو، أم في الوادي الضيق بين فخذيّ، أم في مؤخرتي التي يتمناها ويحرّمها، أم في الطهارة؟ أم في الملائكة؟ أم في الخلق؟ أم في شوايةٍ عليها تسعة عشر؟ أم في غلمانٍ كالدر المنثور؟" (ص 29)
أصعب الأحزان أن تستيقظ كل صباحٍ، فتجد نافذة حياتك تطل على هاوية تشرف حوافها على شاطئ مليء بمراكب الموت
بعد مرض عبد الله، تتعذب سارة نفسياً وتشعر بالضيق والحرمان الجسدي. وحين ترى من خلف الستارة خالد ابن أخت الجدة الذي اعتاد زيارتها بانتظام، تُعجبُ بهذا الشاب وتحترق بنار الرغبة
"لم أستعذ بالله ولم أتراجع ولم أغضّ بصري
بل كنتُ ملتذةً بالتلصص
غريزةٌ همجية اضطرمت في داخلي كالجمر وأنا أحدق في الشاب بقامته الطويلة وابتسامته الحلوة وثيابه النظيفة
تذكرتُ أبطال الروايات التي أحرقتُها في معبد فلوة
ثم شعرتُ ب(رطوبة) هناك. برطوبةٍ في الوادي المقدس. شعرتُ برطوبةٍ ونبض أو بنبضٍ ورطوبة. استطالت حبة

الفراولة الصغيرة واشتعلت. أحلمُ بفم هذا الشاب الناعم يُقبلُها، ويمصُها ويرشفها. أضغطُ فخذاً بفخذ، فتزداد السخونة
يا رب إن لم تسرع بشفائي فعجل بجنوني
فتحتُ الباب على عبد الله. المرض قد نخله، فبقي سلبياً شبه مستسلم وترك الأمر لي. قمتُ فوقه بتوقٍ وشوق وهو راقد على ظهره. أنشبُ أظفاري في لحم رقبته قائمة قاعدة. قاعدةً قائمة. أغمضُ عيني عن المريض الأشعث، لأضاجع ذاك الناعم النظيف البعيد
أكبرُ لصلاتي فيحجب وجهه عني وجه الله، وإذا ركعتُ وجدته أكبر من الله، وإذا سجدتُ صار أقرب لي من الله
تتسارعُ أنفاسي وأنا على تخومِ اللذة القصوى
أنشبُ أظفاري أكثر. وأشتعلُ كنمرةٍ جائعة
وفي لحظة، لحظة لا تُقال ولا تُوصف ولا تُحكى ولا تُعاد، أتوقف عن القيام والقعود فوقه لأن الجنة ستداعب أقدامي. بدأت الجنةُ تغمرني هكذا، فأسقط على ظهري ثملةً من اللذة لأتوسد ساقيه الممدوتين
إحساسٌ جديد أمطرت معه خزائن السماء ورداً وياسميناً
ولربع ساعةٍ توّجتُ ملكةً على البر والماء" (ص 39-40)

البطلة هنا تبدو وحيدةً كهرةٍ جائعة تموء وسط مقبرة
هذه التجربة ستمر بها في مناسبةٍ أخرى، حين تذهب بسيارة الشاب خالد مع الجدة صايلة إلى مستشفى، للقاء اختصاصية سعودية تنقذها من أزمتها النفسية وتلك الوساوس القهرية
"أعبث بالقفاز الأسود، أمطُه فتخرج أصابعي منه ثم أعيد إدخالها ثانيةً، إن نظرتُ أمامي وقعت عيني على يد الشاب البيضاء تمسك بالمقود فأصرفها مسرعةً
أستعيذ بالله في سرّي بينما أستعيد طيفاً بعيداً لمضاجعته اللذيذة فوق جثة عبد الله، يوم دخلتُ المغارة المسحورة فأمطرتني شلالات عدن
أشعرُ بخيطٍ من الماء الساخن (هناك) فأتلهى بذكر الله" (ص 76)
وفي أعقاب الطلاق، تزداد الوردةُ ذبولاً والمرأة ذهولاً، فتصحبها الجدة إلى أحد الشيوخ في حي الربوة شرق الرياض، لعله يساعدها على الشفاء من وساوسها وأحزانها. وتحكي البطلة كيف أخذ الشيخ في قراءة القرآن عليها، وهو يخفي شبقه
"اقتربَ مني. ثم اقتربَ أكثر
بسملَ وبدأ يقرأ القرآن ورذاذُ فمه يتطاير نحوي
جدتي تهلّل وتستغفر وهو يقرأ. لا ينشرح صدري ولا ينقبض ويقرأ. يلعب بشعر لحيته ويقرأ
أسمعُ صوت أنفاسه اللاهثة ويقرأ. تطفحُ بي الهواجس ويقرأ. يضعُ كفه على فخذي ويقرأ
يمتلىء رأسي بالأخيلة ويقرأ. أشعرُ بضغط أصابعه على لحمي ويقرأ. تجتاحني رائحة عبد الله ويقرأ. تصعد كفه إلى أعلى فخذي ويقرأ. تجوس أصابعه في الوادي الصغير ويقرأ. تسد الثيران الهائجة باب الحجرة ويقرأ" (ص 43)
وبلمح البصر، أصبح الشيخ القصير السمين زوجها الثاني
وجدت سارة نفسها زوجة لرجلٍ متزوج من "شامية"، إضافةً إلى زوجة عجوز تقيم مع ابنتها في بيت الربوة. وفي لقائهما الأول تتحرك الغيرة: "أما حين رأتني الشامية أول مرة فإن ابتسامة متهكمةً ارتسمت على فمها القرمزي:
- الشيخ شو بدو فيكِ؟
هو أعلمُ بأمور دنياه يا هديب الشام
ربما لم تشبعيه ولا هي، لا أفخاذ بريدة ولا مؤخرة دير الزور الفارهة. لا ثقوبك الضيقة الدافئة ولا ثقوب القصيمية الباردة المترهلة
ربما يُستثارُ أكثر إذا ضاجعني أنا، إذا ضاجع مهلوسةً موسوسةً، مريضةً موجوعة مثلي أنا" (ص 47)
تُفاجأ سارة بقيود وأوامر الشيخ أو الزوج الجديد. قائمة طويلة من الممنوعات، لتصبح حبيسة جدران المنزل

وفي منزل الشيخ، تصدمها مفاجأةٌ جديدة
" هبطتُ الدرج على أطراف أصابعي، ودفعتُ الباب الخشبي بلا جلبة، لأمشي بتصميمٍ غريب نحو غرفتهما في آخر الممر سمعتُ الشامية ترتل القرآن بصوتٍ متقطع، فلم تداخلني أية سكينة أو طمأنينة: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون". تسارع دقّ قلبي وانا أضع عيني في ثقب الباب وأنظر: "فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون"
علقتُ من شعر رأسي ودارت بي الأرضُ مئة دورةٍ ثم أسقطت في هوةٍ سحيقة
كانت ساجدةً على مصلاها وبغنجٍ قد بلغت قوله: "أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جناتُ المأوى نُزلاً بما كانوا يعملون"، بينما هو خلفها يمسكها من خاصرتها، ويدفع دفعاً شديداً، موغلاً بثعبانه الضخم في مؤخرتها. "وأما الذين فسقوا فمأواهم النار". لم تكمل الآية لأنها بدأت بالتأوه بصوتٍ عالٍ. رأيتُ إبليس بقرنيه الطويلين ورأسه الأصلع يضحك في وجهي فصرخت
فتح الدميم الباب وهو خائفٌ
يرتدي فانيلةً قطنيّة ونصفه الأسفل عارٍ. أما هي فكما سقطت من بطن أمها
أمسكني من جديلتي الطويلة وبدأ كالمجنون يضرب رأسي بالجدار
يبصق عليَ مخاطه اللزج بحقد
هي تسب وتشتم:
- (يئطع هيك أشكال. دخلك هيدي مرا ولاّ شرموطة)؟
والدم يقطر من سقف فمي ساخناً، وأصابعه تقتلع منابت شعري
دفعني بقدمه فوقعت أرضاً ليبدأ بركلي بعنفٍ صارخاً بأعلى صوته:
- (يا ساقطة، أنت ساقطة وبس، الشرهه على من يتزوج ساقطة مجنونة)
تصاعد الألم إلى كل شبرٍ من جسدي، لكن...
قولي للخبيث أنا لست شامية!
قولي للشيخ أنا لا أسجد!
ساقوني إلى غرفتي كومة لحم. تمددت على سريري، وامتلأ الوجود بآلاف العاريات البيض الساجدات لربهن
تأوهٌ وأنين، صلاة وقرآن، دفع ودفق، والملائكة تنظر إلى فنون النكاح بشبقٍ ووله
نبت الشيطان بين عيني، ولمَ لا أكون شامية؟ إن حور الجنة شاميات قصيرات القامة يركعن ويسجدن ويحملن ويطوين" (ص 50-52)
وبين يدي الاختصاصية السعودية، تفتح سارة خزائن مشاعرها وانكساراتها، وتحكي لها في إحدى الجلسات عن تلصصها على القصير السمين مع الشامية وتأثير ذلك على جسدها وشهوتها
"تعرفين ماذا يحدث حين أغتسل سبع مراتٍ متتاليات بالماء والصابون والسدر ويظل هاجسي هو القذارة التي تنبتُ من حبّة الفراولة بين فخذي حتى تصل إلى آخر شعرةٍ في رأسي
ستعبثُ إصبعي بالفراولة وبين ناظري الثعبان الذي يقرصُ مؤخرة الشامية
وستدعكُ إصبعي حبّة الفراولة وتعصرها وبين عيني شرج الشامية وعضو الشيخ علي
أو عضو الشيخ علي داخل شرج الشامية. ثم سأشم رائحة القرنفل ويعلو صياحي من اللذة" (ص 80)
وتنساب الأسرار مثل جدولٍ صغير
"أوشكتْ أن تحرّك شفتيها لتقول شيئاً ولكنني أردفتُ:
- لم أكن أعلم حينذاك أن للدنيا مسرّاتها حتى اكتشفت إصبعي طريقها إلى حبّة الفراولة
- لقد كنتُ أتحاملُ على نفسي لأمنح الشيخ علي حقه حتى لو كانت الإنفلونزا تدقُ عظمي
ألفُ طرحةً قطنية رخيصةً على أنفي وفمي حتى لا يمرض الدميمُ القصير ثم أتركه ينتهك اللحم بطناً على بطن أو بطناً على ظهر
إذا خلص من قذارته ذهبت إلى البانيو لأدعك حبّة الفراولة وأبكي من اللذة التي لم أعرفها تحت علي ولا فوقه، ولا فوق عبد الله ولا تحته" (ص 83)
وبمساعدة الأخ، تلتقي سارة فارسها: مشاري
"قدمني إليه عمر على هذا النحو:
أختي سارة مطوعة تائب