Showing posts with label وطني الأكبر. Show all posts
Showing posts with label وطني الأكبر. Show all posts

Sunday, December 31, 2006

على أرجوحة الطائفية













من يدفن من: صدام حسين أم قتلته؟

ربما تكون السابقة الأولى في التاريخ: قبر طاغية يقود المعارضة
طاغية يتطهر الآن من آثامه.. لأن شعبه يكتشف تدريجياً أن القاتل ليس بأي حال أفضل من القتيل

في المشهد المرتبك تختلط التفاصيل وتتداخل الأسماء والوقائع ويوضع التاريخ في الثلاجة

جثة صدام تتسلل الآن من قبرها في العوجة وتنزل في مدن وبلدات وأسواق الرمادي وبعقوبة وتكريت والفلوجة والموصل.. لتحرض أهلها على الثأر والمقاومة

جثة الرجل الذي حكم العراق بقبضة من حديد منذ عام ألف وتسعمئة وتسعة وسبعين وحتى سقوط نظامه في التاسع من نيسان أبريل عام ألفين وثلاثة.. وألقى بالعراقيين في أتون حروب ومعارك وغزوات ونزوات طائشة ومميتة.. تنادي الآن الناس وتقود الهتاف "يحيا العراق" في وقت كان قتلته يهتفون باسم المراجع الشيعية

اغتسل صدام من كل جرائمه في غرف حكومة نوري المالكي ليخرج إلى العراقيين زعيماً وطنياً..مثلما أظهرته جلسات محاكمته رجلاً رابط الجأش يتحدث في ثقة ويتحدى في قوة ليفحم القضاة ويربك الجلادين

هكذا لم يكن القتلة مجرمين فقط.. وإنما أيضاً أغبياء

فالقتلة الذين جاؤوا على ظهر دبابات الاحتلال وأضافوا ملايين الدولارات إلى أرصدتهم في البنوك بعد أن قبضوا ثمن التواطؤ مع المحتل والرشى على يد المقاولين الجدد..رأوا أن تصفية صدام أهم بكثير من تصفية الوجود الأجنبي في العراق وإعادة النظر في قرار حل الجيش وقانون اجتثاث البعث.. وتوهموا أن غياب الرجل سيخمد نار الغضب في صدور أبناء وطن يقف على حافة التقسيم ويغلي تحت مرجل الحرب الطائفية وينزف جسده يومياً المزيد من الدماء..وظنوا أن دفن الدكتاتور يحظى بأولوية تسبق التخلص من الفئوية والولاء المزدوج

ونسي هؤلاء أن إعدام صدام في هذا التوقيت وعلى هذا النحو، خطأ سياسي وتاريخي لن يساعد العراق على طي صفحة الماضي
نعم.. صدام ارتكب جرائم بشعة وانتهاكات عدة بحق شعبه ووطنه وجيرانه.. لكن الإعدام في هذا التوقيت الخاطيء وعلى يد مجموعة من القتلة ليس أقل بشاعة.. لأن الأمر يتعلق الآن بمصير بلد عربي أجلسوه بالقوة على أرجوحة الطائفية

هذا التشفي الذي أطل من عيون الملثمين الذين نفذوا حكم الإعدام في الرئيس العراقي السابق يتحول الآن بفعل فاعل إلى لعنة...هذه الروح الطائفية المقيتة التي تلذذت بتنفيذ حكم الإعدام في صدام بعثت برسائل واضحة إلى الجميع مفادها أن الحرب الأهلية على الأبواب في العراق

هل لاحظتم المفارقة الدامية: صدام مكشوف الوجه..وقاتلوه يخفون ملامحهم وراء الأقنعة السوداء؟

لم يجد القتلة أسوأ من هذا التوقيت لينفذوا الحكم الذي أرادوه..وإلا فما معنى أن يأتي تنفيذ الحكم في الشهور الحرم وفي أول أيام عيد الأضحى المبارك الذي تتجسد فيه وحدة المسلمين ويسود التقارب بينهم.. وملايين الحجاج تبحث عما يوحدها لا عما يذكرها بما يفرقها

لم يحترم زعماء الميليشيات التي تقود فرق الموت في العراق هذه المناسبة العظيمة وهيبتها ومكانتها في نفوس وضمائر المسلمين.. ولم يراع هؤلاء أن الإعدام يحدث في يوم يرمز إلى التسامح

ألقت حكومة المالكي بعود ثقاب في منزل من القش وأدارت ظهرها..نفخت في نار المذهبية لتذكي روح الثأر والانتقام قبل أن تبتسم لشياطين تصفق ابتهاجاً بوليمة الدمار المنتظر كأنه رائحة شواء

نسي المالكي وإبراهيم الجعفري وموفق الربيعي وأحمد الجلبي ومن لف لفهم.. أن إعدام صدام كأنه خروف العيد ليس سوى عمل أخرق نفذه عدد من أصحاب الأقنعة.. في وقت كان العراقيون يلملمون فيه أوراق مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد في بغداد منذ أيام قليلة
أهي روحُ العدل أم خَبَثُ الطائفية المنتنة؟
إن العدل ليس انتقاماً شعبوياً.. والدولة ليست تنظيمات مغلقة تعلن ولاءها للخارج أكثر من الداخل..والنظام ليس أفراداً يرتمون في أحضان الغير ويقبلون أيادي زعماء الطوائف
في العدل قصاص..لكن الملثمين الذين يقودون العراق الآن أغفلوا حقيقة مهمة وهي أن الدولة تقتص ولا تنتقم

"لا قُرت أعين الجبناء"

هذه المرة كان صدام على حق

الجبناء الذين صنعوا محاكمات هزلية ومعيبة تخضع للرقابة والمونتاج .. وعمدوا إلى تغيير القضاة كلما حاول أحدهم أن يظهر قدراً من العدل والحكمة في بلد للاحتلال فيه اليد العليا.. ولأعمال العنف الطائفي والمذهبي والخلاف السياسي الصوت الأعلى

الجبناء الذين ارتدوا مسوح الديمقراطية.. هم أنفسهم الذين يتنفسون هواء مسموماً اسمه تراجع الوطن إلى الدرجة الثانية ليحل محله الهوس والتعصب الكريه

قد يجادل البعض بأن صدام كان على الأقل "عادلاً" في جرائمه.. قتل وانتهك وعذب جميع خصومه من دون تفرقة في الملة والمذهب..بينما اختصر الطائفيون الجدد جرائم الرئيس العراقي السابق فيما حدث للشيعة في بلدة الدجيل..ولم ينتظروا حتى تنتهي محاكمته في قضية الأنفال بحق الأكراد لتكتمل فصول المسرحية
هكذا يصنع الأغبياء أكذوبة البطل والرمز الزائف من جثة دكتاتور جر بحروبه وممارساته المنطقة العربية إلى ما هي عليه الآن من تشرذم وانقسام

هكذا تتأرجح جثة صدام في الهواء قليلاًً.. وتتأرجح جثة العراق في الهواء طويلاً
قد نتحمل جثة صدام الذي قتل وعذب وانتهك الحقوق.. لكن ماذا عن جثة العراق؟
اللقطة الأخيرة لصدام الآن ليست سوى جزء من الصورة.. الصورة الكاملة ترقد فيها جثة العراق مسجاة كمقبرة جماعية على خريطة بحجم الوطن العربي

أما الجثث الأخرى على امتداد العالم العربي التي ابتلعت لسانها ومصمصت شفاهها وقالت لمن حولها "يستاهل".. فهي ترقد في قبور على هيئة قصور رئاسية من زمان

والجثث التي تنام الآن على وسادةٍ من نار.. لا بد أن تنجب بالضرورة حرائق العنف والخراب
ولهؤلاء نقول: خرابٌ..عليكم

Saturday, November 11, 2006

بيوتنا..وبيت حانون




















بعد "أمطار الصيف" جاءت "غيوم الخريف"

وها هم الفلسطينيون يحملون من بيوتهم التي تحمل رائحة الموت شهداءهم إلى مقابر جديدة امتلأت بضحايا العدوان الإسرائيلي

بيت حانون ذاقت أكثر من غيرها ويلات العدوان..وفي الثامن من الشهر الجاري قتلت الآلة العسكرية الإسرائيلية نحو عشرين فلسطينياً معظمهم من النساء والأطفال وأصابت أربعين آخرين بجروح في تلك البلدة الواقعة شمال قطاع غزة

منازل كاملة دمرت على رؤوس أصحابها وهم نيام لتختلط دماء وأشلاء الشهداء بالحجارة وأثاث المنازل.. بعد أن دس الجيش الإسرائيلي قذائفه مع عسعسة الليل في الظلام ككل محترفي الإجرام..هل يذكركم هذا بمجازر مماثلة؟ "قانا الثانية" مثلاً..أو ربما جنين..أو حتى المجازر الأخرى التي تثبت أن ما بين الفلسطيني والدم رحلة طويلة معمدة منذ أكثر من نصف قرن من الزمان: دير ياسين وقبية ونحالين مرورًا بكفر قاسم وصبرا وشاتيلا والحرم الإبراهيمي الشريف ورفح

لكن ما لنا نتكلم عن المجازر ونحن نعلم أن المجازر بحقنا ملح يذوب في بحر التاريخ

"خطأ تقني".. هكذا برر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت هذا القصف المدفعي..في حين قال بيان عسكري للجيش الإسرائيلي إن إحدى بطاريات المدفعية ارتكبت خطأ تقنياً في نظام التحكم بإطلاق القذائف

خطأ بشري.. هكذا كان لسان حال الحكام العرب

إذ يبدو أن كريات الدم الحمراء لم تعد تدور في شرايينهم؟..بل إن البعض رصد ظاهرة طبية نادرة في هؤلاء القادة التاريخيين: إنهم بلا دم أصلاً

لا أحد يدري لماذا يسكت العرب على ما يجري في غزة التي تعد واحدة من أكثر المناطق كثافة بالسكان في العالم ويسكنها نحو مليونين ونصف المليون من الفلسطينيين؟ هل لأن المجازر الإسرائيلية تزامنت مع انشغال الرئيس المصري حسني مبارك بجولته في روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى والصين.. وتفقد العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز مدينة جيزان على الحدود السعودية مع اليمن.. وانهماك الرئيس السوري بشار الأسد في حساباته مع القوى السياسية اللبنانية..وتكريس العاهل المغربي الملك محمد السادس جهوده وجنوده لمحاربة ما يوصف بالإرهاب..واستئساد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في حظر الحجاب؟

ربما.. وربما أيضاً أن كثيرين من أبناء هذه الأمة يتمتمون وهم يشاهدون صور تلك المجازر الوحشية ويطالعون أخبارها: الحمد لله أنها في بيت حانون..وليست في بيوتنا

مع أن بيت حانون قد تكون الطريق إلى بيوتنا

لكن..لا عرب هنا الآن ليمسحوا الدمع أو يحموا التراب

عشرات الشهداء ومئات الجرحى من الفلسطينيين سقطوا خلال أقل من أسبوع..لكن لا أحد يستطيع أن يراهن على أن آلة التدمير والقتل الإسرائيلية نجحت هذه المرة في كسر إرادة أهل غزة. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين يقول: "أتمنى لو تغرق غزة في البحر". لكنه قُتلَ برصاص اليميني الإسرائيلي إيغال عمير في الرابع من نوفمبر تشرين ثانٍ عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين.. وبقيت المدينة التي أطلق عليها الفراعنة أيام تحتمس الثالث "غزاتوه" وارتبط اسمها بـ "الكنز" الذي قيل إن قمبيز قد دفنه أيام الفرس

قادة إسرائيل الذين طمعوا من فلسطين بالأرض دون الناس.. اعترفوا دائماً بأنهم عندما يتعلق الأمر بغزة فإنهم لا يريدون الأرض ولا الناس. ومع ذلك فإن إسرائيل تمارس ضد أهالي غزة سياسة القصف الوحشي بالصواريخ والقنابل والمذابح والدمار للبنية التحتية المدنية والإغلاق والتجويع

المشكلة أن إسرائيل لا تفهم دروس التاريخ. والتاريخ يقول إن "غزة" لعبت على مر العصور وظيفة الميدان وساحة القتال لمعظم الإمبراطوريات في العالم القديم والحديثة.. الفرعونية والآشورية والفارسية واليونانية والرومانية ثم الصليبية.. وفي الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك بقي اسمها خالداً دون تغيير أو تبديل.. وأطلق عليه العرب "غزة هاشم" حيث دفن بها جد الرسول محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء إحدى رحلاته قبل الإسلام في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلادي تقريباً. فلا غرابة والحالة هذه أن يطلق عليها خليل الظاهري لقب "دهليز الملك" وأن يصفها نابليون بونابرت بأنها بوابة آسيا ومدخل إفريقيا لتؤكد جميعها حساسية موقعها وأهميته

أما دروس الماضي القريب فتقول إن الاجتياح الإسرائيلي السابق لقطاع غزة ترك وراءه عشرات الشهداء والجرحى من الفلسطينيين.. لكنه لم يسفر عن تحقيق إسرائيل هدفها الرئيسي المعلن: العثور على الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي وقع في أسر ثلاثة فصائل فلسطينية خلال عملية فدائية جريئة في الخامس والعشرين من يونيو حزيران الماضي

وها هي إسرائيل تعاود الكرة وتحشد قواتها من تعزيزات عسكرية من الدبابات وناقلات الجند والجرافات تحت غطاء جوي من الطيران الحربي الإسرائيلي خاصة طائرات الاستطلاع التي تعمل من دون طيار

ثلاثة أهداف معلنة رفعتها إسرائيل هذه المرة: وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على بلدات إسرائيلية.. ومنع تهريب الأسلحة إلى الفلسطينيين عبر الحدود مع مصر.. وتعقب أثر الجندي الإسرائيلي الأسير

على أن رصد حجم ومسار العملية العسكرية الإسرائيلية الموسعة في قطاع غزة يشير إلى أنها تدخل ضمن مخطط أكبر لإعادة احتلال قطاع غزة. وبعد الدمار الواسع الذي ألحقته إسرائيل بأراضي بيت حانون.. فإن مدينة رفح تبدو مستهدفة لفصلها عن باقي القطاع. بل إن إسرائيل تسعى حثيثاً لإعادة احتلال معبر رفح ومحور صلاح الدين الفاصل بين الأراضي الفلسطينية والمصرية. ولذا لم يكن مستغرباً أن تكون "غيوم الخريف" من أكبر العمليات والتوغلات لقوات الاحتلال منذ أسر الجندي شاليط

ولا يغيب عن الأذهان سعي حكومة أولمرت إلى مواصلة الضغط على الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة "حماس" بهدف إسقاط هذه الحكومة. وبعد الحصار المالي والاقتصادي ها هي إسرائيل تحاول إظهار تلك الحكومة في موقف العاجز عن حماية الشعب الفلسطيني. كما جاءت تلك الاعتداءات الإسرائيلية وسط جهود مكثفة لاحتواء الأزمة بين حركتي "حماس" و"فتح" وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية.. بعد أن عجزت الحكومة التي تقودها "حماس" -بسبب عوامل متداخلة ومجتمعة - عن تقديم حلول عملية لمشكلات الشعب الفلسطيني المعيشية والتي بلغت درجة الاختناق

الهدف الأخطر من وراء هذا العدوان الإسرائيلي هو أن يصل الفلسطيني إلى محطات اليأس.. بحيث يصبح الحديث عن ثوابت وطنية وحقوق راسخة للشعب الفلسطيني تتمثل في العودة والحرية وإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس نوعاً من الترف في ظل المجازر اليومية.. أو أن يكون حديثاً يلقي بصاحبه إلى التهلكة ويعرضه للاستهداف والقتل المعنوي والمادي

البعض – ومن بينهم رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية- يرى أن هذه المجازر الإسرائيلية هي أولى ثمار ضم أفيغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف إلى حكومة أولمرت

وليبرمان هو رجل العنف.. إذ إنه يطرح دائماً لغة القوة لحل مشكلات إسرائيل مع "جيرانها" وهو الذي كان قد أثار الرأي العام والرسمي المصري قبل سنوات عندما دعا إلى قصف السد العالي إثر خلاف سياسي مع مصر

والقوة طبعاً هي اللغة التي تعرفها إسرائيل.. خاصةً في ظل وجود شخصيات داخل حكومتها من عينة ليبرمان الذي دعا خلال اجتماع حكومي إلى اعتماد الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة الوسائل عينها التي يعتمدها الجيش الروسي في الشيشان

الجريمة الإسرائيلية الجديدة تزيد من معاناة الفلسطينيين.. حتى أن مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في غزة جون جينغ لخص في مؤتمر صحفي الوضع في بيت حانون بالقول إن "الموت والدمار واليأس هي الكلمات التي يمكن استخدامها لوصف الوضع.. حالياً يعيش أربعون ألف شخص في بيت حانون معاناة كبيرة جداً"

لكن الشيء الأكيد أنه بالرغم من المجازر الإسرائيلية فإن أهالي غزة باقون حتى بعد سقوط أولمرت وليبرمان وأمثالهما. هم لا يملكون سوى الصمود ويرددون بإصرار أن فلسطين باقية ولن تمحوها بربرية إسرائيل..قائلين إن على من يرفض هذا الرأي أن يتذكر جيداً الشتيمة المحببة على قلب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات: " من لا يعجبه فليشرب من بحر غزة"!

Tuesday, September 19, 2006

الوارثون



"مـلـك أم كتابـة ؟
صـاح بــي صاحـبـي، وهـــو يـلـقـي بـدرهــمٍ فـــي الهواء
ثم يلقفه
(خارجيـن مـن الـدرس كنـا .. وحبـر الطفولـة فــوق الــرداء
والعصافير تمرق عبر البيوت
وتهبط فوق النخيل البعيد)
...

"ملك أم كتابة؟"
صاح بي .. فانتبهت ورفـت ذبابـة
حول عينين لامعتين
فقلت الكتابة"
...
فـتــح الـيــد مبتـسـمـاً، كـــان وجــــه الـمـلـيـك الـسـعـيـد
باسـمـاً في مـهـابة
...
"ملك أم كـتابة؟"
صحت فيه بدوري
فرفــــرف فـــي مـقـلتــيــه الصـبا والنجابة
وأجـاب : "الملك"
(دون أن يـتـلعــثم .. أو يـرتـبـك)
وفتحت يدي
كان نقش الكتابة
بارزاً في صلابة"
أمل دنقل-قصيدة: من أوراق أبو نواس
حتى في اليمن الذي كان سعيداً.. الدنيا حظوظ.. ومواريث أيضاً
تفوق الرئيس اليمني علي عبد الله صالح على جميع الرؤساء الذين حكموا البلاد قبله... وحتى هؤلاء الذين مزجوا بين الدين والعشيرة والسياسة لينعموا بالسلطة لم ينجحوا في البقاء في الحكم لفترة تناهز تقترب من ثلاثة عقود كما فعل صالح.. والحبل على الجرار كما يقولون

الرجل قال في حديث تلفزيوني لقناة الجزيرة أجراه معه أحمد منصور إن لا أحد يعرف اليمنيين مثله.. فهو يحكمهم منذ نحو ثمانية وعشرين عاماً.. وفي سؤال آخر عن اتهامه بمحاباة أهله وأقاربه وتوليتهم المناصب العليا في الدولة رد صالح بطريقة غريبة: كل اليمنيين أقاربي.. ونحن دولة مؤسسات

غير أن الحقيقة شيء آخر.. وبوسعنا -على سبيل المثال لا الحصر- أن نطالع ما ورد في موسوعة ويكيبيديا حيث نقرأ ما نصه إن صالح الذي لم ينل قسطاً من التعليم سوى ما تلقاه من دروس في كُتاب القرية "قرَب منه إخوته من أمه وآثرهم بالمناصب..كما قرَب أبناء منطقته وزرعهم في الجيش ووظائف الدولة المهمة.. وكافأ من باعوا رفاقهم.. ومنهم شخص يسمى محمد خميس معطياً إياهم مسؤولية الأمن السياسي..لتبدأ فترة مروعة على المثقفين اليمنيين..فالأمن السياسي اعتقل منذ أواخر السبعينيات وحتى الثمانينيات جل المثقفين اليمنيين الناصريين أو المتعاطفين مع الناصرية.. أو الذين لا تعرف انتماءاتهم السياسية.. وخضع بعضهم لتعذيب مروع.. خصوصاً من كانت له منهم علاقات بالانقلابيين.. أو عرف عنه تعاطفه معهم"

لكن اللافت أن الرئيس اليمني كان يردد باستمرار كلمة معينة: شعبي

وآهٍ من أفاعيل وأباطيل ياء النسب

فهذه الياء تجعل الشعب إقطاعية خاصة للحاكم.. الذي يظن أنه امتلك هذا الشعب وأنه الرئيس الضرورة الذي يتعلق أبناء هذا الوطن ببنطاله أو جلبابه باكين: يا أبي.. لا تتركنا وحدنا

وأحمد لم يسأل الرئيس صالح مباشرة عن أحمد.. أي نجل الرئيس اليمني الذي يصعد في السلطة ويجمع في خزانته مجموعة من المناصب والرتب من بينها قيادة قوات الحرس الجمهوري.. ليذكرنا بما جرى من قبل في بلد عربي آخر هو سوريا حين أخذ الرئيس الراحل حافظ الأسد يعد ابنه باسل لخلافته.. إلى أن توفي الابن في حادث سير عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين.. وسرعان ما انتقل الأب إلى ابنه بشار الذي خلف حافظ الأسد في المنصب بالرغم من وجود نائب للرئيس
إن المضحك المبكي أنهم أعادوا تفصيل الدستور السوري ليكون على مقاس بشار ومتناسباً مع عمره..إذ أقر مجلس الشعب السوري تعديل الدستور وخفض السن القانونية لتولي الرئاسة إلى الرابعة والثلاثين بدلاً من أربعين عاماً. ويقول بعض الخبثاء إنه كان الأحرى بهم أن يزيدوا عمر بشار بضعة أعوام بدلاً من خفض سن الرئيس في الدستور

وحين نتابع أعمال المؤتمر السنوي للحزب الوطني الديمقراطي الذي تشهده القاهرة حالياً سنجد أن القاسم المشترك على المنصة هو جمال نجل الرئيس المصري حسني مبارك.. ولم لا وهو أمين لجنة السياسات في الحزب الحاكم الذي يرأسه والده؟! وبعد ذلك نجد من يقول إنه لا داعي للقلق من احتمال خلافة جمال مبارك لوالده الذي يحث الخطى إلى الثمانين

والشعوب تتفرج على ما يراد بها ولا تتحرك..مع أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. وأول تغيير هو الإصلاح في مختلف قطاعات المجتمع والقضاء على الفساد والجهل ونقص الوعي.. والكف عن السلبية القاتلة التي جعلتنا ميراثاً في صندوق السيد الرئيس

تلك أمثلة ثلاثة على الوراثة في دول عربية يفترض أنها ذات نظام جمهوري..لا نريد أن ننكأ مزيداً من الجراح فنضيف إليها ما هو كائن في ليبيا تحت قيادة العقيد معمر القذافي التي يتردد فيها اسم نجله سيف الإسلام.. ولا ما كان في العراق أيام صدام حسين ونجليه قصي وعدي
كانت هذه ممالك أو إمارات لما كان هذا شغلنا الشاغل -وتلك حكاية أخرى- غير أن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم في دولنا بات في خبر "كان" وأخواتها.. فالحاكم يستبيح لنفسه حق التوريث السياسي أو يمهد الطريق لابنه وفلذة كبده كي يهبط على المنصب الرئاسي بالمظلات.. ويستعين في ذلك بأجهزة الأمن ووسائل إعلام مملوكة للدولة أو تسير في فلكها عملاً بنصيحة عبد الحليم حافظ "أمرك يا سيدي"..وتجمعات هشة يقال عنها إنها مؤسسات تشريعية مثل مجالس الموافقة وبرلمانات سلق القرارات..وحاشية من ساسة وأصحاب أموال تعرف أن من مصلحتها بقاء الفساد على ما هو عليه

تقفز إلى الذاكرة الآن قصة عبدالله بن عمر بن الخطاب.. ذلك الفقيه الورع الذي كان شديد الاقتداء بالسنة النبوية الشريفة وكان من أبرز رواة الحديث الثقات

ومع ذلك.. لم يختره الفاروق عمر وريثاً له

بل إن عبدالله بن عمر ظل يرفض الخلافة حتى أواخر سنوات حياته
يقول الحسن رضي الله عنه:" لما قتل عثمان بن عفان قالوا لعبد الله بن عمر: إنك سيّد الناس وابن سيد الناس فاخرج نبايع لك الناس
قال: إن والله لئن استطعت لا يهراق بسببي محجمة من دم
قالوا: لتخرجن أو لنقتلنك على فراشك.. فأعاد عليهم قوله الأول
فأطمعوه.. وخوّفوه.. فما استقبلوا منه شيئاً"

الشعوب الحرة تختار من توليه أمرها بوعيٍ وإرادة ووفق أسلوب ديمقراطي نزيه.. ولا ترضى بأن تتحول إلى ياء نسب على لسان الحاكم.. ولا تقبل أن تصبح إرثاً ينتظر صاحبه

وما أدراكم من الوارثون هذه الأيام

Monday, August 14, 2006

أسئلة تلد أخرى




حان وقت الأسئلة

والأسئلة قد تلد إجابات.. وربما تلد علامات استفهام كبيرة

الآن وقد دخل قرار وقف العمليات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ يطفو على السطح سؤال يتردد صداه على الجبهتين: هل ما وحدته الحرب.. يمكن أن يفرقه السلام؟

فحزب الله يضع الآن عيناً على التحرك العسكري الإسرائيلي وعيناً على الجبهة الداخلية

وربما يكون الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على حق عندما يقول إن الحزب انتصر في حرب سبق أن خسرت نظيراتها جيوش عربية.. لكن قرار وقف العمليات العسكرية يفتح الباب واسعاً أمام قضية تشغل بال كثيرين داخل لبنان وفي عدد من العواصم العربية والغربية: أما حان الوقت كي نفتح ملف نزع سلاح حزب الله بهدف بسط سيادة الدولة اللبنانية؟.. غير أن حزب الله يرد بتساؤل آخر: من سيدافع عن لبنان إذا تعرض مجدداً لهجمات إسرائيلية؟.. ونجد أيضاً من يتبنى قول نصر الله: إن الجيش اللبناني والقوات الدولية غير قادرين على حماية لبنان

جلسة الحكومة اللبنانية المؤجلة ليست سوى عنوان لخلافات تختبىء تحت رماد الحراك السياسي اللبناني. خلافات عنوانها سلاح حزب الله... وما كان حاضراً في جلسات الحوار الوطني قبل شهر ونيف سيعود بقوة التحالفات السابقة والخصومات المستديمة

على الجانب الآخر فإن أولمرت فشل في امتحان كسب الشرعية.. وخسر رهانه على الخروج من تحت عباءة سلفه أرئيل شارون.. والشاهد أن أولمرت سيواجه في المرحلة المقبلة معركة يصارع فيها من أجل بقائه على الساحة السياسية

وربما يذكر البعض كيف بدأ أولمرت الحرب على لبنان بتأييد شعبي مطلق تقريباً أظهرته استطلاعات الرأي.. وها هو يقبل بقرار وقف العمليات العسكرية وخلفه مجتمع إسرائيلي منهك وجريح يشعر أنه بلا قيادة
بل إن بعض حلفاء أولمرت يقرون بأن إسرائيل أبعد ما تكون عن النصر الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطابه أمام الكنيست يوم الاثنين الموافق الرابع عشر من أغسطس آب.. فلا حزب الله اختفى من على الساحة ولا قرار مجلس الأمن الدولي رقم ألف وسبعمئة وواحد حدد جدولاً زمنياً لنزع سلاح الحزب.. ولا إسرائيل تمكنت من تحرير جندييها اللذين أسرهما حزب الله في الثاني عشر من يوليو تموز الماضي.. ولا الجيش الإسرائيلي نجح في خوض حرب غير نظامية أمام مقاتلي حزب الله.. أما أمطار الصواريخ التي سقطت على شمال إسرائيل فحدث ولا حرج

وبعد أن رفعت إسرائيل في البداية شعار الإفراج الفوري وغير المشروط عن الجنديين الأسيرين لدى حزب الله.. قررت تحديد أهداف أشد وضوحاً لحملتها العسكرية على لبنان فلم تعد تتحدث عن أسرى وإنما قواعد لعبة جديدة تتناغم مع مصلحة أمريكية باتجاه إقامة شرق أوسط جديد. ولتحقيق ذلك أفرطت في استخدام القوة في عدوانها على لبنان الذي طال كل شيء حتى منشآت تابعة للدولة اللبنانية

لكن هذا التصعيد لم يقلص من قدرات حزب الله بل ازدادت هجماته الصاروخية وطالت مواقع ومستوطنات لم تكن تستهدفها من قبل. استمرار الحرب وصمود حزب الله والخسائر التي ألحقها بالإسرائيليين.. كلها دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى بلورة أهداف أكثر تواضعاً: إجبار الحكومة اللبنانية على تنفيذ قرار مجلس الأمن ألف وخمسمئة وتسعة وخمسين..وإبعاد حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني.. وإنهاء خطر الصواريخ

ثم تمخض الجبل فولد قراراً دولياً اعتبره أولمرت نصراً دبلوماسياً

والرأي عندي أن إسرائيل وجدت نفسها فجأة تحت قيادة ثلاثي كوميدي: رئيس وزراء حديث العهد لا يملك الحنكة السياسية اللازمة هو إيهود أولمرت الذي يترنح الآن تحت ضربات خصومه ومنتقديه.. ووزير دفاع جديد هو عمير بيريتس لا ناقة له ولا جمل في عالم المؤسسة العسكرية.. ورئيس أركان جديد أيضاً هو دان حالوتس فشل في الجانب العسكري والاستخباري على حد سواء

ثلاثي مضحك تسبب في مقتل ما لا يقل عن مئة وخمسين إسرائيلياً حسب التقديرات الرسمية الإسرائيلية.. وبعيداً عن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين فإن عدد القتلى من المدنيين الإسرائيليين خلال هذه الحرب فاق أعداد القتلى في أي حرب خاضتها إسرائيل منذ عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين

لبنان إذاً صداع دائم في رأس إسرائيل وقادتها..فقد ساهمت الخيبة التي شعر بها رئيس الوزراء سابقاً مناحيم بيغن من غزو لبنان عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين في اتخاذه قرار التنحي.. إلى أن مات مكتئباً ومنزوياً.. كما أجبر وزير دفاعه شارون على الاستقالة

وكانت محاولة وقف هجمات صاروخية شنها حزب الله بعملية "عناقيد الغضب" العسكرية من بين العوامل التي أدت إلى هزيمة شمعون بيريز في انتخابات عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين. وقوبل قرار رئيس الوزراء إيهود باراك بالانسحاب من لبنان في صيف عام ألفين بعد احتلال دام اثنين وعشرين عاماً بالانتقادات ليخسر باراك في انتخابات عام ألفين وواحد

والآن يتساءل كثيرون: هل انتهى شهر العسل القصير بين أولمرت ورئاسة الحكومة الإسرائيلية؟

إن حزب كاديما الذي أسسه شارون قبل غيبوبته أصبح الآن في مهب الريح..وربما تشهد الانتخابات العامة المقبلة في إسرائيل التوقيع على شهادة وفاة هذا الحزب الكرتوني

ولكن ماذا عن مشروع الشرق الأوسط الجديد.. الذي روجت له الإدارة الأمريكية إلى الحد الذي تبجحت فيه وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس بالقول إن المجازر التي تعرض لها لبنان ليست سوى مخاض لهذا المشروع الأمريكي- الإسرائيلي؟

لقد عاد المشروع المشبوه إلى الأدراج حتى إشعار آخر... وبعد أن سكتت عنه أطراف عربية ترفع شعار "التواطؤ هو الحل" و تردد مقولة "البتاع ده".. نجد أن الدعم السياسي الذي حظيت به المواقف الأمريكية من بعض الدول العربية تحول تراجعاً تحت ضغط الغليان الشعبي العربي الذي وجد في صمود المقاومة اللبنانية ميدانياً في وجه أعتى آلة عسكرية إقليمية بريق أمل في إمكانية نجاح الممانعة في وجه مشروعات سلام كتلك التي تحدثت عنها رايس

شرق أوسط جديد؟

ربما يكون فعلاً شرقاً أوسط جديداً.. يختفي فيه ديناصورات الحكم ودعاة الخنوع والخضوع وأنظمة شراء وتخزين السلاح من دون أن يعني ذلك استخدامها في الاتجاه الصحيح والوقت المناسب

أسئلة تلد أخرى

وقد نعود للبحث عن إجابات لها

Sunday, July 30, 2006

لم يكن هناك ضوء يا رباب





الجثة مطمورة تحت التراب هنا

وحدنا نحن العرب لم نكن هناك

كانت الكفان كفا ملاك

الذراعان تمتدان كأنهما تبتهلان إلى السماء

والجسد الغض قارب في محيط ساكن

كانت العينان مغلقتين لأن النوم كان يشتهي أحلام الطفولة

لكنهما الآن وردتان سقطت عليهما قذيفة

كم تلهو النار بلحوم الأبرياء في هذا الشرق الدامي

لكن البعض ينسى أن شلال الدم يستسقي الدم

هنا أطفال لن يكبروا يوماً

لم يبق من أحلامهم سوى أجساد ساكنة ملفوفة في ملاءات أو داخل أكياس

رباب.. التي نفضت عن نفسها غبار الموت وانتشلت ابنها الصغير من تحت الأنقاض

وتتعثر في خطاها قبل أن تبعد الأحجار عن جسد زوجها المقعد محمد

وفي رحلة البحث الأخيرة حاولت إنقاذ حياة ابنتها زينب

لكن الموت كان يسابقها

ومن أسرع من هذا الطائر المجنح الذي يقبض الأرواح في خفة

وفي جوف الظلام عرفت أن ابنتها استسلمت لنهايتها

لحظتها قبلت يد زينب.. وودعتها إلى الأبد

صمتت رباب الدامعة العينين للحظة.. فتكلم الصمت.. والكاميرا تدور:

انظر..هذا دمي بين يديك

هذه خصلة من شعر ابنتي

كنت أحتضنها

في هذا الصباح الحزين

تحت الأنقاض صرنا

غطى الغبار المكان.. اختفت الصور

تمتد اليد اليائسة إلى الخارج قبل انهيار الملجأ

لكن شيوخ اللذة وأمراء النفط وملوك الصمت ورؤساء الخنوع يشيحون بأبصارهم بعيداً

لتبقى الضحية في انتظار الموت

بعد أن انتظرت طويلاً يد العرب

تفتح السيدة الصابرة حقيبة قلبها لمراسل الجزيرة عباس ناصر
تقول: لو كان هناك ضوءٌ لأنقذتها

لكن لم يكن هناك ضوء يا رباب

فقد سرق الإسرائيليون نور النهار

وباع "الأشقاء" كل شموع الكون..ليتساوى القاتل والمتواطيء

انطفأ حتى بصيص الأمل

مالت الساعات حزناً تحاول إفاقة الضحايا في قانا

وحين لم تجد بينهم أحياء.. اطمأنت إلى أن رحلة الألم قد انتهت

لم تعد توجد أسرار

وعلى بشرة أطفال الملجأ.. مرتجفاً مر الهواء

أقعت الظلمة في محاجر العيون

لوهلةٍ تسمر عمال الإنقاذ في أماكنهم

وبأذهانٍ شاردة وعيونٍ زائغة بدأوا في انتشال الضحايا والبحث عن ناجين

تغوص أقدامهم في التراب الممتزج بالدماء والجثث التي نامت في قلوبنا بعد أن أدت دورها

كل الحقائق تنتهي بسؤال.. إلا موت الضحية

هذا الصمت المريب يحول الموت إلى خلود

ويصبح هذا الموت الغادر مقبرة من جحيم تبتلع جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس
لكن الكابوس يعود مع تهديدات رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس.. الذي قال إن القوات الإسرائيلية ستواصل القتال إلى أن ينعم سكان شمال إسرائيل بالسكينة والهدوء

أمن إسرائيل أولاً.. وليذهب أمثالنا من "الغوييم" إلى الجحيم

تباشير الشرق الأوسط الجديد خرجت إذاً من قانا الجليل

شرق أوسط معمد بدماء عشرات الضحايا الذين حصدتهم صواريخ وقنابل إسرائيلية المصدر أمريكية المنشأ

أطفال حملت أجسادهم الغضة سواعد المسعفين بعدما كانوا يبحثون عن الأمان في أحضان أمهاتهم

لكن في عالم الحقيقة لا حرص الأمهات ولا ملجأ أُعِدَ على عجلٍ يقي شر أسراب الطائرات الحربية

إنه التاريخ يكرر نفسه... في المكان نفسه وعلى أيدي جنود الكيان الغاصب نفسه
ما أصعب الجراح التي تبقى طازجة

هذه هي قانا ..مسرحٌ لمجزرة جديدة بعد نحو عشر سنوات من المجزرة الأولى

المشهد ذاته حصل في عام ستة وتسعين عندما شنت إسرائيل بقيادة العمالي شيمون بيريز عملية أسمتها "عناقيد الغضب" للقضاء على المقاومة اللبنانية
ذاكرة الجراح تقول إنه في الثامن عشر من نيسان من ذلك العام قصفت إسرائيل مجمع كتيبة فيجي التابعة لقوة الأمم المتحدة في البلدة.. فقتلت ما يزيد على مائة مدني لبناني كانوا قد اعتصموا بالمقر الدولي هرباً من القصف
هذه المرة كسابقتها..نحو مائة مدني بمن فيهم سكان المبنى نفسه يعتصمون ليلاً في ملجأ مبنى من ثلاثة طوابق في قانا شرقي مدينة صور
أتساءل: هل اسم قانا مشتق من الأحمر القاني..لون دمهم وخجلنا

قانا التي شهدت قبل ألفي عام معجزة للسيد المسيح عليه السلام .. شهدت هذه المرة مجزرة إسرائيلية.. لكنها حوَلت الماء إلى دماء

والجيش الذي لا يُقهر.. بعد أن ذاق طعم الهزيمة في مارون الراس وبنت جبيل..أراد أن يفجر حقده قنابل وقذائف تسقط من السماء الذبيحة كالمطر على الأبرياء

كم نكبة تكفي كي تستيقظ الضمائر؟

تساؤل آخر لا ينتظر الشهداء إجابة عنه

ها هم يمشون فوق الغمام

يمضون بعيداً

تاركين لنا الأرض.. الهاوية

Saturday, July 22, 2006

فرانكشتاين لا يبيع الياسمين



في الحرب لا يسعك أن تبحث عن دور.. فالأدوار تبحث عنك: إما بطلاً مقاوماً ينهي طقس جنازته باكراً كي يشارك أحبته الغناء.. أو خائناً لا ماء في بئر قلبه.. أو خائفاً يبحث عن طوق النجاة من نهايات مؤلمة

فكن من الصنف الأول...وقتها يكون الله خمس أصابع في كف كل مقاتل

ولا تكن لص مقابر..فتكتشف أن الجثة التي بعتها للتو كانت لأخيك

ولا تكن ضحيةً بلا سببٍ.. فالموتى لا تأتيهم الأحلام في نومتهم القسرية

في نفق الحرب المظلم تستطيع أن تترجل عن نجمتك وأن تهدي من تحب رصاصة.. ليقاتل بها دفاعاً عن هذا الحب

في زمن القتال.. تفقد الوردة اسمها ويصادر الجاني رائحتها وضوء الشمس.. فحذار أن يصادر أيضاً صوتك وعطر حبيبتك المفضل

في أيام الحسم.. يتباكى البعض على موسم الصيف والسياحة.. ويسند البعض الآخر جسده المرهق إلى صفصافة الصبر.. ويبقى نفرٌ قليل يصنعون من ذكريات الطفولة والصبا قنبلةً يدويةً يفجرونها في وجوه الغزاة.. وكلٌ منهم ينشد

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى
فما انقادت الآمال إلا لصابر

في عهد الصراع تضيع أشياء نبيلةٌ وجميلةٌ وسط الزحام وتحت دوي قصف عشوائي يسمونه العقاب الجماعي.. ولكن يبقى شخصٌ واحد على الأقل يذيق الغاصبين بعضاً مما نكابد ويلقنهم دروساً في أبجدية الذعر والنوم في الملاجيء ودوي صفارات الإنذار وكابوس الانفجارات والصواريخ.. وهو يردد

إن الجواهرَ في التراب جواهر
والأسد في قفص الحديد أسود

في زمن الاختبار والاختيار.. تخلع عنك معطف السخرية وترتدي ثوب الجد ولسان حالك يقول

سلامٌ على الدنيا.. سلامٌ على الورى
إذا ارتفع العصفور وانخفض النسر

في زمن البحث عن رمزٍ – أي رمزٍ- للصمود.. تنبت لقلبك الطيب مخالب.. لكنك تبقى في صف المعتزلة..إلى أن تولد السنابل من أرحام الصامدين الذين لا تخدعهم نعومة فراء الثعالب

دراكولا غادر قبره الأول في رومانيا واستصدر تأشيرة لفرانكشتاين.. لا ليبيع معه الياسمين وإنما ليستقرا سوياً في مستوطنةٍ تطل على جشع الغزاة وظمأ الغاصبين لمزيد من دماء الأبرياء.. من مرجعيون وعيترون والخيام..من بعلبك وصور وطرابلس.. من ضاحية بيروت الجنوبية والأشرفية.. لا فرق.. المهم أن يكون دماً بريئاً براءة كروم لبنان

في رائعة غسان كنفاني "عائد إلى حيفا".. يفاجأ الأب الفلسطيني بأن طفله الرضيع "خلدون" الذي كان قد نسيه في حيفا خلال عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين بسبب المجازر الصهيونية ضد سكانها قد تحول إلى ضابط في الجيش الإسرائيلي

وتدور الأيام دورتها.. تمر وتمكر بنا..وها هي الصواريخ تزور حيفا مرة ثانية من دون استئذان كي توقظ "خلدون" من سباته العميق وتعيد إلى عروقه دماءه العربية

في عالمٍ يطفو على القتلى كعادته.. لا تنتظر ماء النهر كي تغتسل وتتطهر من ذنوبك وخطايا الآخرين.. كن أنت النهر.. الذي يؤدي واجب توزيع الأمل في الحرية.. كساعي بريد يعشق الرسائل التي يحملها في حقيبته اليدوية

في كونٍ فسيح كصدور أمهاتنا حين نحتاجهن..لا تجعل أرضك ضيقة كمربع على أرضية منزلك.. وامنحها الرحابة التي تريد ولو كان الثمن: دمك

أرضك .. عرضك

تلك هي جاذبيتك الأصيلة.. فاحفظ الدرس..ولا تشتري لأبنائك منفىً اسمه الوطن المحاصر من الوريد إلى الوريد

في حقبة الطرقات التي لا تؤدي إلا إلى الموت.. عليك أن تختار.. بل عليك ألا تحتار

فإما حياةٌ تسر الصديق
وإما مماتٌ يغيظ العدا

في محراب الصمت.. تكون الكتابة مقاومةً.. عصافير حنطية اللون.. تحط على الشجر اليابس فتعيد إليه لونه الأخضر.. وتنام على بلور قلبك فيورق حناناً يسقي حدائق الآخرين

في عصر الشياطين الخرس.. الساكتين عن الحق..تصبح الكتابة صوت الفكر والبيان ولسان الغائب وخليفة اللسان

فاكتب وتكلم.. ولا تسكت فتتألم

وإياك إياك.. أن تمشي كأنك غيرك

Friday, July 14, 2006

الدموع لا تأتي من المنديل












ليلنا صعب اليوم
والطيران يتقدم أكثر في الجنوب
وبيروت بانتظار مصير أسود الليلة

الله يستر


كلماتها في بريدي الإلكتروني خنقت ما تبقى لدي من كلمات

لم أجد رداً.. ضاعت مني الكلمات

مع أنني كنت أود أن أقول لها إن الحرية ليست قطعة بيتزا... وإنما كلٌ متكامل

كنت أود أن أقول لها إن الحرية لا تباع في السوبر ماركت.. وإن هناك من يرى أن الثمن الباهظ الذي ندفعه الآن.. قد يوفر علينا ما هو أغلى ثمناً في الغد القريب

إن أحزاننا يا سيدة الشمس مربوطة إلى بعضها البعض بخيط غير مرئي

والدموع يا سيدتي لا تأتي من المنديل

لم أرد على قلقها.. كيف ترد على شخص عزيز عليك حين يقول لك إنه خائف وقلق على نفسه ووطنه.. وأنت جالس إلى حاسوبك تحت أجهزة التكييف تحتسي قهوتك المفضلة.. وربما تتابع الحرب عبر شاشات الفضائيات

لكن الآخرين أيضاً لا يردون.. كيف يردون وفي لبنان نفسها من يغسلون أيديهم بالماء والصابون مما جرى.. بل إن كلمة لبنان أمام مجلس الأمن الدولي اليوم والتي ألقاها السفير نهاد حمود جاء فيها إن حكومة لبنان غير مسؤولة عن أسر الجنديين الإسرائيليين.. رسالة للعالم أجمع مفادها: إننا منقسمون في لبنان حتى النخاع حول عملية حزب الله

والسؤال هو: هل كان منتظراً من حركة المقاومة أن تطلب الإذن لتنفيذ عملية "الوعد الصادق" أو تستشير الحكومة في شن هجوم لقتل وأسر قوات احتلال

لا تنتظروا عوناً من الأشقاء.. فقد صدر خلال الساعات الماضية بيانان كتبهما شخص واحد منزوٍ في أحد مكاتب القاهرة أو قصور الرياض أو فيلات عمان

لا.. بل إنها بيانات صادرة من قبور.. لا من قصور

وفي زمن قياسي..تمخض جبل محادثات الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني.. فولد بياناً مشتركاً حذرا فيه الأطراف العربية للأزمة من الانجراف إلى مغامرات ومواجهات غير محسوبة تتحملها شعوب المنطقة


البيان كان نسخة طبق الأصل من بيان سبقتهما إليه السعودية.. حملت فيه حزب الله ضمناً المسؤولية عن التطورات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل. إذ انتقد مصدر مسؤول في تصريح نقلته وكالة الأنباء السعودية ما وصفه ب"المغامرات غير المحسوبة التي تقوم بها بعض العناصر دون الرجوع إلى السلطة الشرعية".. بيان آخر يغسل أكثر بياضاً

وإذا عُرِفَ السبب.. بطلَ العجب

فالرئيس مبارك لا يرى لا يسمع لا يتكلم.. ربما لأنه مشغول بتمهيد الطريق أمام قرة عينه وفلذة كبده جمال كي يصبح رئيس مصر القادم.. فهو يقول في آخر حديث صحفي له إنه لا داعي لوجود نائب للرئيس في البلاد معتبراً أن غالبية النظم الجمهورية في العالم لا تعرف منصب نائب الرئيس.. مع أنه هو شخصياً أتى إلى الحكم عبر هذا المدخل الذي أغلقه منذ أن أصبح رئيساً قبل ربع قرن

وفي الأردن ملك شاب آخر مشغول بأشياء كثيرة.. فالنقابات غاضبة والبرلمان يغلي بعد إحالة ثلاثة من نوابه إلى المحاكمة بسبب تعزيتهم في مقتل أبي مصعب الزرقاوي.. والإخوان المسلمون يعلنون الولاء للوطن والملك بعد قرص آذانهم وضرب معقل جمعياتهم الخيرية في الصميم

وفوق هذا وذاك فإن الملك عبد الله الثاني بحكم والدته الإنجليزية وتربيته لا يجيد الحديث باللغة العربية في حين ينطلق لسانه بالإنجليزية.. ربما لهذا وذاك فقد آثر السكوت.. ليس لأنه من ذهب.. وإنما لأن كلماته لن تكون حتى من فضة

الكلام المفيد سقط في مياه الخليج.. والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز يبحث مع قوات الأمن عن المعتقلين من "الفئة الضالة" الذين هربوا من سجن الملز في الرياض.. وأمير الكويت صباح الأحمد يحتفل بتجديد نواب مجلس الأمة الجديد لرجله جاسم الخرافي رئيساً للمجلس ولتذهب إلى الجحيم قضايا الفساد و الدوائر الانتخابية و"وزراء التأزيم".. ورئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد سيشد الرحال اعتباراً من السبت إلى دول عدة تقوده إلى المغرب.. المحطة المفضلة لوالده الشيخ زايد.. ولله في خلقه شؤون

لا أحد يرد في سوريا.. فالرئيس الشاب بشار الأسد يتحسب لهجوم إسرائيلي محتمل على دمشق سيعلن بعده أن سوريا تحتفظ بحق الرد على هذا العدوان.. ثم يأوي إلى فراشه وهو يحلم بانتهاء كابوس تقارير لجنة القاضي البلجيكي سيرج براميرتز بشأن ملابسات اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري

وفي العراق.. ليلى مريضة.. وعبير مغتصبة.. والمالكي لم يقرأ قصيدة أمل دنقل "مقتل كليب" التي اشتهرت باسم "لا تصالح" فصافح يد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد الملطخة بدماء عبير ومعتقلي أبو غريب وأهالي الرمادي وبعقوبة وبغداد وغيرها من المدن العراقية.. لا وقت إذاً للحديث عن عدوان إسرائيلي.. فالمهم الآن هو إحباط ما يقول المالكي إنها خطة يضمرها مسلحون لاحتلال..الكرخ

لا تسألوا عن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح.. فالعقيد يمر بأزمة نفسية وحالة حزن لا يكفي لنسيانها مضغ قات العالم بأسره.. لأن الشعب ضغط عليه وأجبره على أن يتراجع عن قراره ليخوض انتخابات الرئاسة لفترة جديدة.. وكله يهون من أجل إرادة الشعب اليمني

والرئيس السوداني عمر البشير أقسم بالله وربما بالطلاق بأنه لن يسمح بتسليم أي سوداني إلى محاكمة دولية وأنه لن يقبل بوجود قوات أممية في دارفور.. لكن الطوق يضيق حول عنقه في دارفور غرباً وابتعاد نائبه سلفا كير عنه في أكثر من موقف سياسي جنوباً ومفاوضات أسمرة شرقاً.. لا بأس إذاً بالتضحية بكبش فداء أو أكثر.. وإن كان من الأمر بد فإن لديه زوجتين.. يمكنه أن يتخلى عن إحداهما – ولتكن أم الأولاد.. فالجديدة أجمل- حتى يبر بوعده ولا يحنث بقسمه

ولكن.. أين العقيد معمر القذافي؟ يقول البعض إن القطة أكلت لسانه.. ويبرر آخرون صمته بأنه حكمة إفريقية قديمة.. ويدافع فريق ثالث عن الزعيم الليبي قائلين إنه لو كان العرب استمعوا إلى نصيحته بإنشاء دولة "إسراطين" التي تجمع بين إسرائيل والفلسطينيين.. لما جرى الذي.. جرى

والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعد أن من الله عليه بالشفاء في فرنسا.. ها هو يبحث في ضيافة بريطانيا عمن يوصفون بالمطلوبين بالعدالة الجزائرية.. فلا تشغلوا بالكم بالحديث عن لبنان وغزة للرئيس "بو تاف".. فهو رجل مريض ولا نريد أن نثقل عليه بمثل هذه الهموم

وإذا كان الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مشغولاً هذه الأيام بالقضاء على الأصوات المعارضة.. خاصة في صفوف جمعية الصحفيين.. فإنه لا يجوز أن نشغله وزوجته ليلى عن الاستمتاع بالحياة في تونس الخضراء.. ولو كره المعارضون

ولا داعي للتفكير في العاهل المغربي الملك محمد السادس.. فالرجل منصرف إلى إغلاق وتسوية ملفات عدة من بينها ضحايا التعذيب في "سنوات الرصاص" في عهد والده الملك الراحل الحسن الثاني.. وفي المستقبل سيتفرغ من يرث الملك بعده لإغلاق ملفات الجرائم المرتكبة في عهد محمد السادس.. وهكذا دواليك

سيدة الشمس: نحن أيضاً ليلنا صعب
وربنا يستر