كتفي يشتاق إلى نعشك

| |





آدي اللي كان وادي القدر وادي المصير


نودع الماضي وحلمه الكبير


نودع الأفراح


نودع الأشباح


راح اللي راح


ماعدش فاضل كتير


إيه العمل في الوقت ده يا صديق


غير إننا عند افتراق الطريق


نبص قدامنا على شمس أحلامنا


نلقاها بتشق السحاب الغميق




كلمات: صلاح جاهين
....................


إني أراك الآن: تلوح بيديك مودعاً وترتقي سلماً إلى السماء

بعضٌ من طل الغمام..يواصل توغله بين المنافي.. إلى أن يجد في نهاية النفق أرضاً غريبة تضم الجسد المنهك من كثرة الترحال



هذا موسم جديد للحزن..يطالبني بأن أتهيأ له



وأمطار الحزن لا تتخير الأرصفة



ولتسمحوا لي أن أتنفس قليلاً في حضرة من أسبل جفنيه الوديعين وأغفى: عيسى البشير



هذا النبيل الذي انتقل إلى رحاب ربه تاركاً وراءه صفصافةً توقد له شموع المحبة في زوايا القلب






سار إلى الموت كعادته.. واثقاً يتكلم بجلال ويصمت بشموخ


متأنقاً كأنه ذاهبٌ إلى حفل زفاف



هادئاً كأنما الموت رفيق قهوته الصباحية



أتذكره جيداًَ بوجهه المتوضيء بالنور وصوته العذب المائل للتعقل والحكمة



يقول لي بلهجته السودانية المحببة: "يا خوي".. ثم يربت على كتفي في حنو





الله.. ما أجمل كلماتك وما أنبل صداقتك


جمع بيننا مكان العمل.. فتقاربنا وأصبحنا أكثر من صديقين


كنت أخي الكبير المؤتمن.. وصاحبي الذي يحدثني بابتسامة وادعة عن دهاليز الصحافة وتاريخ النوبة وحماقات الزعماء


هل أنت ذاهبٌ الآن إلى حيث صديقنا المشترك علي جمال الدين.. ذلك الصحفي الفذ الذي أدمن المنافي كما فعلت أنت؟

عيسى البشير.. أحاول ألا يموت جزء مني معك

وكتفي التي بكى عليها كثيرون تشتاق الآن إلى أن يستريح عليها نعشك البهي

حانت ساعة من عرف عنه أصدقاؤه وزملاؤه دقة مواعيده

في مقعده الأثير يجلس ليعمل قلمه الرصين كأنه مشرط جراح ماهر.. تتأمله في صبره وأناته كأنه يطوع الألماس.. يتقن استخدام الكلمة القوية الرصينة الكيسة في مكانها المطلوب تماماً.. جندي مجهولٌ آخر من جنود الصحافة الذين يصنعون ألق الآخرين ثم ينسحبون في هدوء راضين بأنهم منحوا الكلمة قيمتها وأهدوا إلى الجمهور جودة المعنى ودقة المعلومة وبريق الصياغة

تجده دائماً في موقعه إما غارقاً في الكتابة أو القراءة.. يمارسهما كطقسين لا يقبلان التأجيل.. ينفذ ببصره وبصيرته في حصاد وكالات الأنباء والصحف العربية ‏والإنجليزية فيستلُ منها ما يريد شأن المهني الحاذق والقارئ المحترف


بعدك يا أبا حسن النصوصُ عاريةٌ من الظلال


خارج أوقات العمل كان الشيخ الأسمـر يرتدي جلبابه الأبيض اعتزازاً بسـودانيـة تشربها وتربى عليها.. يجلس في وقار..ينفث دخان سيجارته بوداعة..ويشاركك الحديث خفيفاً كظل وعميقاً كخمر معتقة


يستأنس زملاؤه برأيه فيصغي إليهم ويمنحهم رأيه السديد..كشجرةٍ لا تحجب ظلها حتى عن الحطاب


ترجل عيسى ورحل.. لكن بعض أشكال الرحيل بلا انتهاء


والفقد جمر.. والصبر جمر


عند جلال الموت وحده يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى...عند رهبة الفراق يقف الناس عند عتبة ما زاغ البصر وما طغى


في آخر لقاء بيننا رددت على أسماعي جملتي المفضلة "أنت رمح"..وكانت ابتسامتك الخفيفة سرك الخفي


لكن الرمح انكسر برسالة نصية قصيرة من الزبير نايل " انتقل إلى رحمة الله صباح اليوم الأستاذ عيسى البشير..له الرحمة"

اللهم اغفر لعيسى البشير وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نُزُله ووسع مُدخلهُ .. واغسله بالماء والثلج والبرد..ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.. وأبدله داراً خيراً من داره.. وأدخله الجنة

رحمك الله يا صديقي


وليرحمنا جميعاً

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

16 التعليقات على "كتفي يشتاق إلى نعشك"

أكتب تعليقا