فوق حرير سحابة

| |




لا نملكُ وقتاً فائضاً
فالرصاصةُ التي انطلقت نحو أعمارنا، توشكُ أن تصيبَ الهدف
لا نملكُ ترفَ إهدارِ الدقائق فوق جسرِ الحسرةِ على ماضٍ حافلٍ بالتمرد والعصيان
كل ما نملكُه الآن هو صدرٌ مليء بالأوسمةِ والجروح، وجسدٌ مطرزٌ بشظايا حروبٍ عبثيةٍ لا اسم لها
ليس لدينا سوى اليوم للحياة
فليكُن
لكنني على الأقل أعرفُ ملامحَ الوجوهِ المثقوبةِ بالأسى، وأحفظُ مواعيدَ صافرات القطاراتِ المحملة بالبضائع، وأرددُ أسماءَ القرى التي هربَ منها البؤس
لم أتلفع يوماً بطمأنينة الوهم، بل طحنتُ قمحَ الغربة، لأصنعَ خبز الذاكرة
لم أتصبب عرقاً.. فقط تصببتُ وطناً
لم يفترسني القادة والحكماء واللصوص..لأني ببساطةٍ لم أقدم نفسي لهم وجبةً ساخنة على طبق موشى بالتوابل
لم يفزعني الموت، ففي الحياة أمورٌ أشدُ رعباً وإيلاماً من الموت
وعندما كنتُ قارئاً فقط، كنتُ أؤمنُ بأن فعلَ القراءة يعني أنك تتركُ آخرين يجهدون من أجلك. إنه الشكلُ الأكثر لطفاً في درجاتِ الاستغلال. واليوم أؤمنُ بأن القارىء الجيد لا يقل أهمية عن الكاتب الجيد
فالقراءةُ الجادة هي الأرضُ التي تسطعُ حين تتلقفُ بذورَ المعرفة

إنها بوصلةٌ إلى فهم الذات، قبل أن تكونَ قنديلاً يهدي إلى فهم الآخر
والكتابة الواعية تحرضُ السيفَ على الزيف، والمطرقةَ على المنجل، والعاملَ البسيط على أحزانِه المعفاةِ من الضرائب
إنها الكتابة التي تبقى وتقاومُ صدأ الوقت لأنها تحترمُ العقول، لا تلك التي نستهلكها مثلَ مناديلَ ورقية، نُلقي بها فور استخدامها في سلة المهملات
وكاتبُ هذه السطور فتحَ حقائب التاريخ، حتى نفهم الحاضر، فدوائرُ الزمن حين تكتملُ تتشابه كأنها توائم سيامية
وتاريخُنا غبارٌ يعلو تمثالاً ذهبياً. وحين تنسى الاعتناء بالتمثال البراق يتغيرُ لونه يوماً بعد يوم حتى يصبحَ لونُه بلونِ الغبار
كتبتُ من مدنٍ لقنتني دروساً في الوحدة والاغتراب، وأصرت على أن تجعلَ من أفكاري ومشاعري كُرَّتها المفضلة للعب
تُهتُ وتوغلتُ في تيه مدنٍ تصنع لوحةً عبقريةً من التناقضات الفظة، حتى نَبَتَت أوردَتي في رُطوبةِ المنافي، وصرتُ أخشى السفر المليء بالصدماتِ والرضوض
لكنني أدركتُ مبكراً أنه كلما كتبنا بحروف الوعي، كلما أصبحت الأحلامُ أغنى، وكلما نقشنا جوهرةَ المعنى، كلما أصبح العالمُ أرحب وأغنى بالتفاصيل وأكثر اكتمالاً
والكتابة طرقاتٌ واثقةٌ على بابِ الحرية، وليست لصاً يهرب من باب الطوارىء، أو سهماً في سوق مالية خاسرة، أو صك إذعانٍ لسياسة الأبواب المواربة
وفي الكتابة يتدفقُ كل ما عرَفته سلالاتُ الرغبةِ من حنين حارق
ربما لهذا السبب فقط لا أودُ أن أموتَ دون أن أنهي ما أقرؤه، ولا أريدُ أن أترك خلفي صفحاتٍ بيضاء لم تتحول بعد إلى حقولٍ خضراء
كنتُ أتساءلُ دائماً: لماذا يلوذُ الكُتابُ بالصمتِ، حتى تستأسدَ الرداءة، وتسودَ التفاهة؟
لماذا نمنحُ عقولَنا لكلماتٍ مستهلكة وأفكارٍ متهالكة تخطُها أقلامُ ترتبكُ ارتباكَ أوراقِ الشجر حين يداهمُها الخريف؟
لماذا يبتكرُ الحمقى صوراً جديدة لحياةٍ زائفة، ثم يُصدقون الأكاذيبَ كالبلهاء؟
لماذا يتحلقُ العامةُ حول الذين يتعثرون في كلماتهم، ويعزفون لحن النشاز، لتلتهبَ الأكفُ بالتصفيقِ الحاد لهذه السيمفونية المعجزة / العاجزة؟
يبدو أن البعضَ تربى على الزعيق، والبعض الآخر على موتِ الصواب
وإذا كان التهافتُ وباءُ عصورِ الانحدار، فإن الأصواتَ الصادقة تنادي على الباحث عن الحق والحقيقة: فقط تلزمكَ قراءة متأنية لتشاهدَ نفسكَ من الداخل
إننا نكتبُ في مواجهةِ سلطةٍ تمارسُ علينا وصاية وتنصحُنا أن نُخرجَ أرواحنا لنزهةٍ في مواقيت مرسومة سلفاً، كمَن يُخرج كلباً، شريطة أن لا نسمح لها بأن تخربشَ الأفقَ بالنباح
ونحن نكتبُ في وجه أجهزة الأمن المسيلة للدموع، والسُلطة التي تريدُ أن تتحكمَ في الأرصادِ الجوية، وتلعبُ دورَ المُوِّجه حتى للطيور والغيوم، وتصادرُ الطائراتِ الورقية تحت ذريعة الأمنِ القومي
إنما نكتبُ لنوقظَ من السُباتِ من يكتفون باغتيابِ الحكام الطغاة في المقاهي ليلاً، والخضوع لرجالهم صباحاً
لقد قررتُ منذ زمن أن أقبضَ على كتفِ الوقتِ، حتى لا يعبثَ الآخرون بأحلامي المعاندة. وسعيتُ إلى تحريضِ الإسفلت حتى يتمردَ على قدره الأعمى لدقيقةٍ واحدةٍ كي يلهو مع الأطفال
لقنتُ أصدقائي كلمات جلال الدين الرومي "ابْدُ كما أنتَ، أو كُنْ كما تبدو"، وقرأتُ عليهم حكمة الحلاج "منْ لمْ يقف على إشاراتنا لمْ تُرشدْهُ عباراتُنا"، وعندما سألوني عن حكمتي الخاصة أجبتُ: نحن نتقنُ الفتكَ بروعتنا، لنتحسرَ عليها
وهكذا كتبتُ عن الأصدقاء الموشومين بغيابهم الأبدي
واحتفيتُ بالمرأة حين تكتبُ ولا تكتمُ، تبوحُ ولا تنوح
وبحثتُ عن الأماكن القصيةِ في الروح، وكشفتُ الأسرارَ الساذجة والأخطاء التي لا يمكن تداركُها، وفتحتُ الأبوابَ الموصدة دون أن يزعجني صريرُها المزعج
وتكلمتُ عن وطني: شوارعُه الطويلة التي تتوقُ إلى الغناء، شرفاتُ مقاهيه المقنطرة، أشجارُ تينِه المثقلة بالعصافير، سكانّه الذين يتآلفون مع الحزن كأنه أحدثُ نكتة
إن شعوبنا اليوم أرملة تجهدُ نفسها في سد ثقبٍ في إحدى النوافذ، وهي تحاولُ عبثاً إقناع نفسها وصغارها بأن العواءَ مصدرُه الريحُ وليس الذئاب
والمواطنُ أصبح لاعب شطرنج، يلعنُ تخاذلَ الوزير في حمايةِ الملك ويسخرُ من هشاشة البيادق، وهو نفسه جنديٌ مثقلٌ بذخيرةٍ فاسدة، تعصفُ به أولُ حركةٍ على رقعة يتناوبُ فيها الأبيض مع الأسود
وبعد
الطرقُ الواسعةُ إلى ما نريد، تَبدو مِن بعيد ممهدة، لكنها مِن قريبٍ مخيفة كأنها نارٌ تنامُ في حضن الريح

سلاحُنا الوحيد، مشروعٌ جليٌ للكتابة..فالكاتبُ بلا مشروع مثل عدَّاءٍ يبحث عن خط النهاية
ووسيلتُنا الأهم، صباحٌ جديد من الشغف، وحريرُ سحابةٍ نسيرُ فوقها بامتنان
ومع التكريم، أقولُ: شكراً.. أنا مدينٌ لكم جميعاً
تتصادمُ الأجراسُ في قلبي المنمق كباحةِ كنيسة، وأنا الذي يُقالُ إنني أبدو أصغر من سنّي، ربما لأنني لم أملك متّسعاً من الوقت كي أشيخ
الآن، بعضُ فُلِ أمي يضحكُ
وعيناي، مَنجمُ روحي، تختاران لي بحريةٍ أكبر ما أريدُ أن أراه
وحين يسألُني أحدُهم عمن أهديه الفوزَ، أقولُ من دون تردد: بلادي.. حقيقتنا الساحرة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

46 التعليقات على "فوق حرير سحابة"

أكتب تعليقا