على أرجوحة الطائفية

| |












من يدفن من: صدام حسين أم قتلته؟

ربما تكون السابقة الأولى في التاريخ: قبر طاغية يقود المعارضة.

طاغية مستبد يتطهر الآن من آثامه؛ لأن شعبه يكتشف تدريجيـًا أن القاتل ليس بأي حال أفضل من القتيل.

في المشهد المرتبك، تختلط التفاصيل وتتداخل الأسماء والوقائع، ويوضع التاريخ في الثلاجة.

جثة صدام تتسلل الآن من قبرها في العوجة وتنزل في مدن وبلدات وأسواق الرمادي وبعقوبة وتكريت والفلوجة والموصل؛ لتحرض أهلها على الثأر والمقاومة.

جثة الرجل الذي حكم العراق بقبضة من حديد منذ عام 1979 وحتى سقوط نظامه في 9 أبريل 2003، وألقى بالعراقيين في أتون حروب ومعارك وغزوات ونزوات طائشة ومميتة، تنادي الآن الناس وتقود الهتاف "يحيا العراق"، في وقت كان قتلته يهتفون باسم رموز ذات طابع مذهبي.

ومن المفارقات المضحكة أن يغتسل صدام من كل جرائمه في غرف حكومة نوري المالكي؛ ليخرج إلى العراقيين "زعيمـًا وطنيًا"، مثلما أظهرته جلسات محاكمته رجلا رابط الجأش يتحدث في ثقة ويتحدى في قوة ليفحم القضاة ويربك الجلادين.

هكذا لم يكن القتلة مجرمين فقط.. وإنما أيضـًا أغبياء.

فالقتلة الذين جاء بعضهم على ظهر دبابات الاحتلال وأضافوا ملايين الدولارات إلى أرصدتهم في البنوك بعد أن قبضوا ثمن التواطؤ مع المحتل والرشى على يد المقاولين الجدد.. رأوا أن تصفية صدام أهم بكثير من تصفية الوجود الأجنبي في العراق وإعادة النظر في قرار حل الجيش وقانون اجتثاث البعث.. وتوهموا أن غياب الرجل سيخمد نار الغضب في صدور أبناء وطن يقف على حافة التقسيم ويغلي تحت مرجل الحرب الطائفية وينزف جسده يوميـًا المزيد من الدماء.. وظنوا أن دفن الدكتاتور يحظى بأولوية تسبق التخلص من الفئوية والولاء المزدوج.

ونسي هؤلاء أن إعدام صدام في هذا التوقيت وعلى هذا النحو، خطأ سياسي وتاريخي لن يساعد العراق على طي صفحة الماضي.

نعم، صدام ارتكب جرائم بشعة وانتهاكات عدة بحق شعبه ووطنه وجيرانه، لكن الإعدام في هذا التوقيت الخاطئ وعلى يد مجموعة من القتلة ليس أقل بشاعة؛ لأن الأمر يتعلق الآن بمصير بلد عربي أجلسوه بالقوة على أرجوحة الطائفية.

هذا التشفي الذي أطل من عيون الملثمين الذين نفذوا حكم الإعدام في الرئيس العراقي السابق، يتحول الآن بفعل فاعل إلى لعنة.. هذه الروح الطائفية المقيتة التي تلذذت بتنفيذ حكم الإعدام في صدام ،بعثت برسائل واضحة إلى الجميع مفادها أن الحرب الأهلية على الأبواب في العراق

هل لاحظتم المفارقة الدامية: صدام مكشوف الوجه.. وقاتلوه يخفون ملامحهم وراء الأقنعة السوداء؟

لم يجد القتلة أسوأ من هذا التوقيت لينفذوا الحكم الذي أرادوه.. وإلا فما معنى أن يأتي تنفيذ الحكم في الشهور الحرم وفي أول أيام عيد الأضحى المبارك الذي تتجسد فيه وحدة المسلمين ويسود التقارب بينهم.. وملايين الحجاج تبحث عما يوحدها لا عما يُذكرها بما يفرقها.

لم يحترم زعماء الميليشيات التي تقود فرق الموت في العراق هذه المناسبة العظيمة وهيبتها ومكانتها في نفوس وضمائر المسلمين.. ولم يراع هؤلاء أن الإعدام يحدث في يوم يرمز إلى التسامح.

ألقت حكومة المالكي بعود ثقاب في منزل من القش وأدارت ظهرها؛ نفخت في نار المذهبية لتذكي روح الثأر والانتقام قبل أن تبتسم لشياطين تصفق ابتهاجـًا بوليمة الدمار المنتظر كأنه رائحة شواء.

نسي المالكي وإبراهيم الجعفري وموفق الربيعي وأحمد الجلبي ومن لف لفهم، أن إعدام صدام كأنه خروف العيد ليس سوى عمل أخرق نفذه عدد من أصحاب الأقنعة، في وقت كان العراقيون يلملمون فيه أوراق مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد في بغداد قبل الإعدام بأيامٍ قلائل.

أهي روحُ العدل أم خَبَثُ الطائفية المنتنة؟

إن العدل ليس انتقامـًا شعبويـًا، والدولة ليست تنظيمات مغلقة تعلن ولاءها للخارج أكثر من الداخل، والنظام ليس أفرادا يرتمون في أحضان الغير ويقبلون أيادي زعماء الطوائف.

في العدل قصاص، لكن الملثمين الذين يقودون العراق الآن أغفلوا حقيقة مهمة وهي أن الدولة تقتص ولا تنتقم.

"لا قُرت أعين الجبناء".

هذه المرة كان صدام على حق.

الجبناء الذين صنعوا محاكمات هزلية ومعيبة تخضع للرقابة والمونتاج.. وعمدوا إلى تغيير القضاة كلما حاول أحدهم أن يظهر قدرًا من العدل والحكمة في بلد كان للاحتلال فيه اليد العليا.. ولأعمال العنف الطائفي والمذهبي والخلاف السياسي الصوت الأعلى.

الجبناء الذين ارتدوا مسوح الديمقراطية.. هم أنفسهم الذين يتنفسون هواء مسمومـًا اسمه تراجع الوطن إلى الدرجة الثانية ليحل محله الهوس والتعصب الكريه.

قد يجادل البعض بأن صدام كان على الأقل "عادلاً" في جرائمه؛ قتل وانتهك وعذب جميع خصومه من دون تفرقة في الملة والمذهب، بينما اختصر الطائفيون الجدد جرائم الرئيس العراقي السابق فيما حدث للشيعة في بلدة الدجيل.. ولم ينتظروا حتى تنتهي محاكمته في قضية الأنفال بحق الأكراد لتكتمل فصول المسرحية.

هكذا يصنع الأغبياء أكذوبة البطل والرمز الزائف من جثة دكتاتور جر بحروبه وممارساته المنطقة العربية إلى ما هي عليه الآن من تشرذم وانقسام.

هكذا تتأرجح جثة صدام في الهواء قليلاً.. وتتأرجح جثة العراق في الهواء طويلاً.

قد نتحمل جثة صدام الذي قتل وعذب وانتهك الحقوق.. لكن ماذا عن جثة العراق؟

اللقطة الأخيرة لصدام الآن ليست سوى جزء من الصورة.. الصورة الكاملة ترقد فيها جثة العراق مسجاة كمقبرة جماعية على خارطة بحجم الوطن العربي.

أما الجثث الأخرى على امتداد العالم العربي التي ابتلعت لسانها ومصمصت شفاهها وقالت لمن حولها "يستاهل"، فهي ترقد في قبور على هيئة قصور رئاسية من زمان.

والجثث التي تنام الآن على وسادةٍ من نار، لا بد أن تنجب بالضرورة حرائق العنف والخراب.

ولهؤلاء نقول: خرابٌ.. عليكم.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

36 التعليقات على "على أرجوحة الطائفية"

أكتب تعليقا