كرة القدم: أشرف الحروب

| |





















"تدور الكرة والعالم يدور. يٌعتقد بأن الشمس هي كرة مشتعلة.. تعمل خلال النهار وتتقافز في الليل هناك في السماء.. بينما القمر يعمل.. مع أن للعالم شكوكه في هذا الشأن. ولكن الأمر المؤكد في المقابل.. وبكل يقين.. هو أن العالم يدور حول الكرة التي تدور" .."كرة القدم في الشمس والظل"- إدواردو غاليانو - ت: صالح علماني- ص 189



أنا ألعب.. إذاً أنا موجود

تلك هي فلسفة الوجود التي ابتكرها فيلسوف كان جالساً يوماً ما لمتابعة مباراة رسمت وجه العالم

وحين تأهلت كل من توغو وأنغولا إلى مونديال ألمانيا 2006، أحس التوغوليون والأنغوليون بالفخر، إذ لم تعد توغو مجرد خطأ جغرافي وبقعة صغيرة منسية على خريطة العالم، وخرجت أنغولا من تحت عباءة صورتها النمطية كواحدة من الدول التي اعتادت أن تأكل أبناءها على مائدة الحرب الأهلية كل صباح

في استدارتها يكمن سر السعادة: كمٌ من الأسباب التي تبرّر حياة الكثير من الناس..على الرغم من عبثيتها
وجزءٌ من عشقها أنها لعبة شعبية.. تنمو عادة في الأحياء الهامشية التي تلد أفضل لاعبي العالم: بيليه الذي ولد في بيت فقير في قرية نائية وكان في صباه ماسح أحذية..مارادونا الذي كان قصارى حلمه أن يصبح فنياً صناعياً.. ويوهان كرويف الذي كانت أمه تخدم في كافيتيريا نادي أياكس. فقراء صنعوا المجد لأنفسهم وجمهورهم، الذي يتماهى عادةً مع مثله الأعلى


كرة القدم هي الوطن.. والسلطة هي كرة القدم. تأملوا الرئيس الفرنسي جاك شيراك وهو يرتدي زي منتخب فرنسا في نهائي مونديال 1998.. والعاهل الأردني الملك عبد الله وهو يفعل شيئاً مماثلاً ويلوح للاعبي منتخب بلاده في نهائيات كأس أمم آسيا عام 2004

وكثيراً ما يتسلل السياسيون والطغاة إلى ملاعب كرة القدم بحثاً عن شعبية ضائعة.. إيطاليا فازت ببطولتي مونديالي 1934 و938 تحت راية موسوليني.. ونالت الأرجنتين الكأس عام 1978 في أوج عصر الدكتاتورية العسكرية

وفي مسرح كرة القدم يحل اللاعبون مكان الممثلين.. أدوارٌ لا ينقصها فن الارتجال..وكلما أتقنت دورك بمهارة وأضفت إليه بعضاً من توابل الارتجال كلما امتلكت ناصية الدهشة وارتفعت هتافات المعجبين باسمك



على العشب الأخضر الممتد على امتداد القلوب التي تشاهد، يمثل اللاعبون برؤوسهم وأرجلهم .. وربما أيديهم مثلما فعل الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا حين خدع الحكم التونسي علي بن ناصر بهدفٍ أحرزه بيده في مرمى منتخب انجلترا في مونديال المكسيك عام 1986.. ثم زعم بعد ذلك أن "يد الله" أحرزت الهدف

يقدر الاتحاد الدولي لكرة القدم – الفيفا- عدد من شاهدوا نهائي مونديال ألمانيا 2006 بنحو ثلاثة مليارات شخص، وهو أكبر جمهور يجتمع لمتابعة حدثٍ ما على امتداد تاريخ هذا الكوكب

إنها الحب الأول لكثيرين- ممن يصرخون ويسخطون ويصفقون على المدرجات أو أمام شاشات التلفاز.. وهم يتابعون صعود أو سقوط أحلامهم.. ويقضمون أظفارهم أو يمسكون برؤوسهم وهم يلهثون وراء اثنين وعشرين لاعباً يرتدون سراويل قصيرة ويلاحقون الساحرة المستديرة..يركلونها حيناً ويداعبونها حيناً آخر، تعبيراً عن حبهم لها وشغفهم بها

استخدامات الكرة متعددةٌ، أحدها هو الحب العالمي

وبالنسبة لكثيرين، يصعب تفسير مدى تأثير وقدرة كرة القدم على إهدائنا سر البهجة الخالصة والحماسة المتقدة، ومنح بعضنا قدراً أفضل لحياته، وتشكيلها لبعضنا الآخر المكان المثالي الذي أمدّ وجوده بمعنى لم يعثر عليه في مكانٍ آخر
وحتى في حال الهزيمة، تفتح لحزنك الباب، فيندفع خارجاً من صدرك، لكنه لا ينسى قبل أن يفارقك مودعاً أن يعدك بنظرة معبرة بأنه ربما يعود يوماً.. ومعه ملامح نصر كروي

ومن يطالع "الأنطولوجيا" التي صدرت حديثاً تحت عنوان "حقل الرياضة" (دار الطاولة المستديرة- باريس- 2006)، سيكتشف عبر نخبة من النصوص الشعرية والأدبية الممتعة التي تقع في نحو 400 صفحة، كيف تؤمّن الرياضة – وخاصة كرة القدم - لصاحبها توازناً وكمالاً نادرَين مع الشعور بالانتصار على الذات وتخطّيها وفرصة بلوغ فضاء الحلم

مع انتهاء مونديال عام 1994، أُطلق اسم القصير المكير روماريو على غالبية الأطفال الذين ولدوا في البرازيل، وبيع عشب استاد لوس أنجليس مجزأً في قطع صغيرة مثل البيتزا.. بعشرين دولاراً للقطعة

ومع انتهاء مونديال كوريا الجنوبية واليابان عام 2002 زقزق في بريدي الإلكتروني عصفور رسالة من زميلة الدراسة البرازيلية آنا تقول فيها في زهو: لقد انتصرنا

وقبل ذلك بأربع سنوات، نامت آنا على وسادة أحزانها بعد أن فقد منتخب "سيليكاو" البرازيلي قدراته السحرية أمام منتخب الديوك الزرق، حين قاد زين الدين زيدان رفاقه إلى فوز مستحق على منتخب السامبا بثلاثية نظيفة

لكنها لم تنس تلك اللحظة، ولم تتمكن من مداواة جراح الهزيمة إلا عندما رفع البرازيليون الكأس بعد تلك الهزيمة بأربع سنواتٍ كاملة

أهو جنونٌ؟ هوس؟ تجارة؟ صناعة؟ هي هذا كله وأكثر..إنها لمعان في العيون التي ترى ولهفة في الجسد الذي يلاحق وآهات من القلب الذي يخفق مع كل لعبة جميلة أو هجمة خطيرة

هناك لاعبون بارعون في التمثيل: يملكون وجه قديس.. وألاعيب شيطان.. يتقنون أسرار الضربات الخفية من وراء ظهر الحكم.. وشد شعر أو قميص أو سروال اللاعب الخصم.. والبصق عليه وإهانته.. في حين يتأمل حامل الراية الغيوم التي تمر في السماء، ويتحول فجأة إلى نسخةٍ مملة من عادل إمام في مسرحية "شاهد ما شفش حاجة"


تأملوا ما جرى بين قائد منتخب فرنسا زين الدين زيدان والمدافع الإيطالي ماركو ماتيراتزي في نهائي مونديال ألمانيا: الكل رأى نطحة الرأس التي قام بها زيدان، غير أن أحداً لم يعرف إلا متأخراً جداً أن ماتيراتزي أهان زيدان وتفوه بكلماتٍ تسيء إلى أمه وشقيقته

لكن، لماذا تستهوي كرة القدم الرجال أكثر من النساء؟ ..ربما لأنها امرأة

فالبرازيليون على سبيل المثال يقولون عنها: السمينة، ويسمونها: الطفلة، ويمنحونها أسماء من نوع ماريكوتا، أوليونور، أو مارغريتا

ويدلل البعض على أنوثتها بالقول إنها تبدو في بعض الأحيان كزوجة وفية.. ففي نهائي مونديال أوروغواي عام 1930طالب كل من المنتخبين المتنافسين اللعب بكرته الخاصة. وكان الحكم حكيماً مثل سليمان فقرر أن يجري اللعب في الشوط الأول بكرة أرجنتينية وفي الشوط الثاني بكرة من أوروغواي.. فكسبت الأرجنتين الشوط الأول.. واكتسحتها أوروغواي في الشوط الثاني

ويشير آخرون إلى جينات أخرى تثبت أنوثتها..فهي قد تبدل رأيها وهي في الهواء.. فتعاند وترفض دخول المرمى.. وتنحرف عن مسارها من دون سابق إنذار.. وفي أوقات كثيرة تكون ساخطة..ربما احتجاجاً على هؤلاء الرجال الذين لا يداعبونها بالرقة اللازمة ولا يسمحون لها بالنوم على صدورهم..وإنما يعمدون إلى لغة القوة والعنف فيركلونها بالأقدام

وأضيف فأقول إنها امرأة: حدثٌ كوني أن يجتمع جمالها..والشعر

وتحفل كرة القدم بالاستيهامات والعلامات الجنسية بدءاً من اسمها الأنثوي، ومرورا بمداعبة الكرة من أجل فك تمنعها ودلالها، ومن أجل "معانقة الشباك" و"اختراق المرمى"، لذلك تشبه بعض الأهداف حالات الاغتصاب الجنسي، فالكرة الطائشة التي تدخل دون فُرجة أو مداعبة " قذف سريع" ليس فيه متعة كما تحلل بعض أدبيات كرة القدم. وأجمل من عشتار براقعها كما يقول فراس السواح، فعندما تنزع كل البراقع عنها يصاب الناظر إليها بالجنون. وهذا ما يفسر الطابع الذكوري للعبة، الكرة فيها وحدها الأنثى في ميدان الملعب

وفي كتابه "مسالك المعنى.. دراسة في بعض أنساق الثقافة العربية" (دار الحوار، اللاذقية- سوريا، 2007)، يفكك الباحث المغربي سعيد بنكراد استيهامات كرة القدم الجنسية والحربية من زاوية ضرورة اللعب وعدم اقتصاره على الأطفال، فاللعب تحرير لطاقة جسمية ونفسية لا يمكن التحكم فيها بحالات الجد وهو ما يطلق عليه أحيانا الترويح عن النفس. كرة القدم محاولة لتصريف مجموعة من الانفعالات بعضها آني وبعضها الآخر اجتماعي وجمعي قديم

ألعاب كرة السلة وكرة اليد وكرة الطائرة لا توفر الكم الانفعالي بسبب محدودية فضاء اللعبة وهو تفسير لشعبية كرة القدم التي تتضمن خزاناً من الدلالات؛ منها ما يحيل إلى الحرب واستراتيجيتها وتكتيكاتها والعدوان والبسالة والشهادة والخيانة والحذر ورد فعل الخصم والاحتياط و"تسديد القذائف" و"التقويسات الخادعة" واستحضار عوالم الذبح والقرصنة والمراقبة اللصيقة وتفريغ الشحنات الانفعالية بتبذير الطاقة الزائدة عبر استثارة حالات العدوانية بما يشبه حلقات الزار أو البوح السريري

ويرى الباحث أن لعبة كرة القدم تعمل على نقل العدوان من حالته الحقيقية إلى ما يشبه البروفة ومن هذه الإحالات ما يتعلق بالذكورة والأنوثة ومفاهيم الارتواء الجنسي رمزياً. المشاهدة هي فعلٌ استعراضي يؤدي فيه المشاهد دور المتلصص الذي يشبع رغباته بمشاهدة الآخرين ينزعون ثيابهم استعداداً لممارسة فعل جنسي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إسقاط حالات إشباع افتراضية، فهي تستعيد بعض الطقوس البدائية التي كان الناس يتقربون فيها من الآلهة من خلال تنظيم حفلات جنسية جماعية، ولذلك تهتز الجماهير طرباً لتمرير الكرة بين رجلي الخصم وهو ما يسمى في المعجم الكروي "بالقنطرة الصغيرة" ولها إيحاءات جنسية إخصائية

وتملك كرة القدم حصانةً مذهلة في قلوب محبيها..حصانة هزمت قوانين ومراسيم ملكية: ففي عام 1349 ضم الملك إدوارد الثالث كرة القدم إلى ألعاب "الحماقة التي ليست لها أي فائدة".. وهناك مراسيم ضد كرة القدم ممهورة بتوقيع هنري الرابع في عام 1410 وهنري السادس في عام 1547.. ولكنهم كلما أمعنوا في حظرها كان الملعب يزداد امتلاءً بالجمهور العاشق

كان ليوناردو دافنشي مشجعاً متحمساً.. ومكيافيللي لاعباً ممارساً.. وفي عام 1930 كان ألبير كامو -المولود عام 1913-هو القديس بطرس الذي يحرس بوابة مرمى فريق كرة القدم في جامعة الجزائر..وقد اعتاد اللعب كحارس مرمى منذ طفولته؛ لأنه المكان الذي يكون فيه استهلاك الحذاء أقل، إذ كان ابن أسرة فقيرة لا يملك ترف الركض في أنحاء الملعب.. وكل ليلةٍ كانت الجدة تتفحص نعل حذائه وتضربه إذا ما وجدته متآكلاً

يقول صاحب رواية "الغريب": "تعلمت أن كرة القدم لا تأتي مطلقاً نحو أحدنا من الجهة التي ينتظرها منها..وقد ساعدني ذلك كثيراً في الحياة خصوصاً في المدن الكبيرة حيث الناس لا يكونون مستقيمين عادة".. نجمٌ آخر في عالم الكتابة يتعلم أسرار الحياة من كرة القدم

وبالمثل، كان الشاعر الروسي يفغيني ألكسندروفيتش يفتوشينكو -المولود عام 1933- يحب فريق كرة القدم لمدينته الصغيرة في سيبيريا "سيما"، حتى كاد أن يصير نجماً رياضياً في كرة القدم كحارس مرمى، قبل أن يهجرها وهو في الخامسة عشرة

كان يفتوشينكو مدمناً في مراهقته على لعب كرة القدم..في الليل يكتب الشعر وفي النهار يلعب كرة القدم في الساحات العمومية والأرض الخلاء، ويعود إلى البيت بسروال ممزق وركبتين داميتين. صوت الكرة كان يبدو له أشد النغمات الموسيقية سحراً. كان دائماً يحس أن هناك شيئاً مشتركاً بين كرة القدم والشعر

تعلم أن الأهم ليس أن يتقن اللاعب الهجوم فحسب.. ولكن أن يراقب، ذلك لأنه يرى أن قواعد كرة القدم أبسط من قواعد الأدب. إذا سجل اللاعب هدفاً فالدليل الحقيقي على ذلك يظهر للعيان فوراً: "الكرة في الشباك.. وعلى عكس ذلك فإن على الشاعر أن ينتظر الكثير ليثبت أن كرته أصابت الهدف" . والأسوأ –برأيه- أن غالب الضربات التي تمر بعيداً من المرمى كثيراً ما اعتبرت قمة الإبداع! وكلما رأى مثل هذه الأحكام الأدبية الجائرة.. تأسّف على تركه كرة القدم
.."كرة القدم تدخل الأدب من شِباك المرمى"- أحمد حجار -جريدة "الحياة" اللندنية -3 يوليو تموز 2006

الشاعر محمود درويش يقول إنه يستمتع بمشاهدة كرة القدم ويعتبرها "أشرف الحروب".. وسبق أن كتب مقالاً عن مارادونا. أما الروائي الأميركي بول أوستر فقد اعتبر في مقالة قصيرة عن أبرز دروس الألفية المنصرمة.. وترجمتها مجلة "الكرمل" أن هذه الرياضة هي "البديل عن سفك الدماء" في الحروب الكونية.. ويدلل الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو على قوة وتأثير كرة القدم فيقول في مقال له: "على الرغم من أن المسألة سخيفة.. فإنك ستشاهد وتقدر للفور قوة كرة القدم كظاهرة اجتماعية وذلك بأن تنظر حولك في الملعب فقط.. بل وفي حياتك اليومية".. إنها قوة تتحول في لحظات البطولات الحاسمة محلياً وقارياً ودولياً إلى قاطرة تسحب وراءها مختلف فئات المجتمع

الروائي البرازيلي باولو كويلو – المولود عام 1947- كتب عن كرة القدم في مونديال ألمانيا.. أما المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي فقد امتدح يوماً "مملكة الوفاء البشري هذه التي تُمارس في الهواء الطلق".. كأن تلك الكرة أسمى أشكال وآمال طبقة البروليتاريا
في أوائل عام 1994 قضى أسامة بن لادن ثلاثة أشهر في لندن لزيارة المؤيدين والمصرفيين، وذهب لمشاهدة مباريات نادي الأرسنال أربع مرات. وقبل أن يعود إلى السودان، اشترى لأولاده هدايا من محل الهدايا بالنادي. وذكر بن لادن لعددٍ من معارفه أنه لم يشهد حماساً وعواطف جياشة مثل مشاعر وعواطف مشجعي الكرة

ويبدو أن مثل هذا التصور منتشر داخل تنظيم "القاعدة". ففي شريط فيديو أفرجت عنه وزارة الدفاع الأميركية، ظهر بن لادن وهو يتبادل أطراف الحديث مع شخص آخر عن هجمات 11 سبتمبر أيلول، وتطرق الحديث إلى كرة القدم مرتين. الأولى يتذكر فيها ما ذكره له واحد من أنصاره قبل عام من أنه: "شاهدت في منامي أننا كنا نلعب مبارة لكرة القدم ضد الأميركيين. وعندما ظهر فريقنا في الملعب، كانوا كلهم من الطيارين..وقد فازت "القاعدة" في المباراة"

وفي شريط الفيديو نفسه، أصاب بن لادن ورجاله عين الحقيقة. فكرة القدم التي تعتبر في الولايات المتحدة تسلية للأطفال، تثير في باقي أنحاء العالم عواطف ومشاعر جياشة لا تماثلها إلا مشاعر الحرب

ربما لم يصبح لابن لادن أي ذكر في مجال كرة القدم فيما عدا أغنية ترددت أحياناً من مدرجات الأرسنال، تقول كلماتها: "هو يختفي بالقرب من كابول هو يحب الأرسنال..أسامة..أوه أوه أوه"

وعلى العكس من باقي الرياضات الأخرى ـ بل على العكس من أية ظاهرة ثقافية أخرى ـ فإن كرة القدم تتميز بمدلولها السياسي. فهي تستخدم من قبل السلطات السياسية، وهي رمز للفوضى ولحكم الأقلية. وهي تؤدي إلى انتخاب الرؤساء أو إسقاطهم، وتحدد الطريقة التي يفكر بها الناس، خيراً أم شراً، بخصوص بلادهم


وتحاول القيادات السياسية في كل مكان الارتباط بكرة القدم. ففي عام 1986 اشترى سيلفيو برلسكوني وهو رجل أعمال متخصص في مجال الإعلام ناديه المفضل ايه سي ميلان، الذي كان يكافح للتغلب على فضيحة رشى في عام 1979. وبحلول عام 1989 أصبح نادي ميلان ثرياً ومنظماً وبطلاً لأوروبا. ثم أسس برلسكوني بعد ذلك حزبه السياسي الخاص "فورزا إيطاليا" وهو شعار كروي يعني "إلى الأمام يا إيطاليا"، وأطلق على مرشحي الحزب اسم الزرق وهو اسم المنتخب القومي.. وفي عام 1994 انتخب رئيساً للوزراء. وفي النمسا، حسن السياسي اليميني يورغ هايدر صورته برئاسة نادي كارنثن

وفي البرازيل يرتدي السياسيون فانلات فريقهم المفضل خلال الحملات. وفي بريطانيا حصلت مدينة هارتبول الإنجليزية على حق انتخاب عمدة. وفي أول انتخابات محلية رفضت المدينة مرشح حزب العمال وانتخبت بدلاً منه تعويذة الفريق وهو رجل يرتدي ملابس على شكل قرد ويتقدم الفريق في مبارياته. ولكن ربما أفضل مكان لمراقبة تداخل كرة القدم والسياسة اليوم هو الأرجنتين، التي فاز منتخبها القومي بكأس العالم مرتين، التي دخل اقتصادها مرحلة ركود اقتصادي أسوأ من تلك التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الثلاثينيات

ففي يوم ساده مناخٌ انجليزي قاتم، زار المليونير الأرجنتيني مورشيو ماكري جامعة أكسفورد البريطانية. ومثل برلسكوني في إيطاليا، اشترى ماكري نادياً لكرة القدم يعاني من المشكلات هو بوكا جونيورز في العاصمة بوينس أيريس، الذي أصبح لفترة من الفترات أفضل نادٍ في أميركا اللاتينية. ثم قرر ماكري دخول عالم السياسة، وكانت البداية باختياره محافظاً للعاصمة بوينس أيريس..وبعد ذلك من يعلم؟

وعندما انهارت العملة الأرجنتينية، وتولى حكم البلاد أربعة رؤساء في أسبوعين، اندلعت المظاهرت ضد السياسيين الأرجنتينيين والنظام المصرفي وصندوق النقد الدولي. وهكذا تبلورت ظاهرة جديدة: بدأ المتظاهرون في ارتداء فانلات المنتخب القومي الزرقاء ذات الخطوط البيضاء وعليها عبارة "باستا" أي يكفي، مكتوبة على الظهر. أعظم ظواهر المجد الأرجنتيني: كرة القدم أصبحت تستخدم لإهانة المؤسسة الحاكمة


وكرة القدم، اقتباساً من التعريف الشيوعي، هي أفيون الشعوب، استخدمتها السلطات للتحكم في الجماهير. فقد كانت تلتقط لبينيتو موسوليني العديد من الصور مع المنتخب القومي الإيطالي لكرة القدم - أبطال العالم في عامي 1934 و1938. وتحول المشهد التقليدي مع المنتخب القومي في شرفة قصره إلى مشهدٍ تقليدي يتكرر في جميع أنحاء العالم

غير أن النازيين في ألمانيا لم يتمكنوا قط من استخدام كرة القدم لصالحهم، فقد كان يحيرهم دائماً النتائج غير المتوقعة لكرة القدم. فبعدما خسرت ألمانيا 1/2 امام سويسرا في عيد ميلاد هتلر عام 1941، أصدر أوامر إلى غوبلز وزير إعلامه "بعدم تنظيم أية مباريات رياضية عندما تكون النتيجة محل شك". وعندما خسرت ألمانيا أمام السويد عام 1942 يتردد أنه علق قائلاً: غادر 100 ألف الاستاد وهم يشعرون بالإحباط، وبما أن النصر في مباراة كهذا أقرب إلى الناس من أن تغزو مدينة في الشرق، فيجب حظر مثل هذه الأحداث لمصلحة المزاج الداخلي". ولم يمض أكثر من شهرين حتى توقفت ألمانيا عن المشاركة في المباريات الدولية

والعديد من أفراد عائلة الرئيس الروماني سابقاً نيكولاي تشاوشيسكو تبنوا أنديتهم الخاصة، في حين أمر عدي نجل الرئيس العراقي سابقاً صدام حسين بتعذيب أعضاء المنتخب القومي العراقي بعد هزائم لحقت بالمنتخب في مباريات مهمة. أما رئيس الشرطة السرية في عهد ستالين لافرنتي بيريا الرئيس الشرفي لنادي دينامو موسكو فكان يرسل لاعبي الفرق المنافسة إلى سيبيريا. بل إن حزب العمال البريطاني في عهد هارولد ويلسون، حمل هزيمة انجلترا المفاجئة في كأس العالم مسؤولية هزيمة حزبه في الانتخابات العامة في عام 1970 بعدها بعدة أيام

الآن الحكام لا ينفردون دائماً باستغلال كرة القدم لصالحهم. فمن السهل جداً أن تستخدمها الجماهير ضد الحكام، خاصةً في أماكن قد تتضاءل فيها وسائل التعبير. فقد ذكر تقرير لوزارة الخارجية الأميركية ظهر في عام 1999 أن "آخر مظاهر الاستياء العام تجاه الحكومة الليبية حدث عندما اندلعت أعمال الشغب بخصوص ركلة جزاء في مباراة لكرة القدم في طرابلس في 9 يوليو تموز عام 1996"


في إيران تبدو كرة القدم أكثر أهمية، وقد سيطرت على البلاد في السنوات الأخيرة ما يطلق عليه "ثورة كروية". وقد بدأت في عام 1997، عندما هزم المنتخب الإيراني نظيره الأسترالي للتأهل لكأس العالم 1998. فقد اندفعت آلاف النساء إلى الاستاد الرياضي للمشاركة في الاحتفالات، وفي احتفالات بالشوارع عبر البلاد، رقص الرجال والنساء في الشوارع، وتحدت النساء تحذيرات الحكومة ومحظورات الملالي

وكلما ازداد فقر البلاد والقهر السياسي ازدادت أهمية كرة القدم.. إنها الثروة الوحيدة في نظر الذين لا يملكون شيئاً

إن المنتخب القومي هو الأمة مجسدة. وعندما يتجادل الناس حول أسلوب اللعب ـ وهو أمر لا ينتهي في عددٍ من الدول ـ فإنهم يتجادلون في العادة عن نوعية الدولة التي يجب أن تكون عليها بلادهم. هل يجب على البرازيل أن تمارس أسلوبها التقليدي باللعب المفتوح وتتخلى عن القواعد، أم هل يجب عليها أن تتبنى أكثر أسلوب اللعب الأوروبي الآلي؟

وبالنسبة لدول العالم، فإن مونديال كرة القدم هو المناسبة الوحيدة التي يعاملون فيها الولايات المتحدة كدولة خفيفة الوزن. فرصةٌ نادرة في نظر البعض للنيل من هذه القوة، كما حدث حين فاز المنتخب الإيراني على نظيره الأميركي نتيجة 2/1 في مونديال 1998
ربما تكون كرة القدم أفيون الشعوب، لكن دعونا نتذكر الكاتب البرازيلي خورخي أمادو حين يقول: "أغبياء أولئك الذين لا يحبون كرة القدم

انحيازٌ واضح من أديبٍ متمكن

ولم لا؟ ففي نظر عشاقها فإن تلك الكرة منفوخة بالهواء الوحيد المتبقي في هذا الكون

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "كرة القدم: أشرف الحروب"

أكتب تعليقا