خنجر في المرآة

| |





الكتابة وعي. ورصد الرصانة الثقافية ونقد التهافت والتسطيح في الفكر، هما وجهان لعملة واحدة، عنوانها الأبرز إدراك مدى أهمية الفكر والإبداع في تقدم المجتمع وتحديثه، والتعبير عن تنوعه وثرائه.
انطلاقـًا من هذه الرؤية، يأتي الكتاب الذي بين أيدينا ليقدم شهادة نقدية ورؤية ناقدة لتجارب إبداعية مختلفة وقضايا مُلّحة تتصل بالمناخ الثقافي، والتحديات التي تواجهنا، في الطريق إلى تحرير العقل وإثراء الفكر وإطلاق سراح الإبداع الذي يرسف في القيود والأغلال.
وإذا كانت المجتمعات لا تستطيع أن تستمر بدون تلك اللُحمة من القيم التي تجعل أفراد المجتمع يثقون في بعضهم البعض، فإن تلك المجتمعات ليس بوسعها أن تتقدم بدون تطوير إنتاجها الثقافي، والإقبال عليه في آنٍ معـًا. يلعب النقد هنا دور المشعل الذي يضيء لنا طريق الوعي والمعرفة، رغم أن قطاعات من المجتمع بينها وبين الوعي طلاقٌ قديم؛ حيث ترفض كل ما يعكر رغدها، ويُعرِّض عينيها لأشعة الضوء.
في هذا الكتاب، الذي انشغلتُ بجمع مادته وتنقيحها طوال نحو عشر سنوات، ستمتد أمام القارئ مائدة تضم قراءات نقدية لأعمال روائيين من أجيال مختلفة، مثل وحيد الطويلة وأشرف الصباغ وأحمد والي ومحمد علاء الدين وأحمد الصاوي، ورثاء من القلب للشاعر الراحل محمود درويش الذي لن يغادرنا، بعد أن استحقت تجربته أن تُخلّد، وذلك كما يقولون "حظ المهارة إذ تجتهد". إن درويش نموذجٌ فذ للشاعر الذي ينأى بنفسه عن الحشود المستلبة، لينظم قصائد مزهوة بحياتها الخاصة، قادرة على مساعدة القارئ أو المستمع على الإفلات من الاختناق، وإسقاط الأقنعة، وإيقاظ الضمائر وإدراك أعمق معاني الوجود.
تلك القراءات النقدية في الكتاب لأعمالٍ تسيل منها مياه الملامح وتذوب عليها أعمدة التيه، وضعت نصب عينيها معايير الأدب والإبداع، فلم تمارس المجاملة ولا وقعت في شبهة التحيز، فالناقد المجامل خائنٌ للأدب وخائنٌ لنفسه. بعض الروايات تنشد إيقاع الكلمات وبعضها الآخر يبحث عن إيقاع الحياة، وهذا النوع تحديدًا هو ما آثرنا الالتفات إليه والتنويه عنه، بعيدًا عن الإغراق في التصنيف؛ لأن الولع بالتصنيف أسوأ طريقة للحُكم بالموت على حيوية النص الأدبي.
ولأن الرواية مجمع الفنون الجميلة كلها، وهي أيضـًا من أشد فنون الأدب الحديث مكرًا ودهاء، فقد حرصنا على السباحة في محيط الروايات التي تناولناها، وتأمل أبطالها، والتقاط تفاصيل صراعاتها النفسية واستقراء شخصياتها كلما وجدنا إلى ذلك سبيلًا.
أضفنا إلى الكتاب محاولة متواضعة لترجمة إحدى قصائد محمود درويش إلى اللغة الإنجليزية، وهي قصيدة "نسيت غيمة في السرير".
في خطٍ مواز، كان لا بدَّ أن نتذكر صلاح جاهين، صانع البهجة الذي مات مكتئبـًا. مبدعٌ فذ احتفظ بقدرته على إدهاشنا في مختلف المجالات التي تألق فيها كاتبـًا وشاعرًا ورسامـًا.. وممثلًا.
ولأن جذورنا هي أساس شجرة الثقافة التي تظللنا في هذه اللحظة، فإن الكتاب يضم زيارة جديدة إلى إبداعات نجيب محفوظ وأفكار طه حسين المتجددة، وحديثـًا مستفيضـًا عن قدرة عالمٍ فذ مثل جمال حمدان على استقراء الحاضر واستشراف المستقبل.
ونجوب أيضـًا في عوالم باحثين وروائيين تركوا أثرًا مهمـًا في حياتنا الثقافية والإبداعية، مثل رضوى عاشور وجمال الغيطاني.
ينتظم هؤلاء المبدعون والمفكرون في عقدٍ فريد، عنوانه الأبرز: مصر المستنيرة. تلك الاستنارة التي نفتقدها ونفتقر إليها الآن، بعد غياب الأفكار وتغييب الرؤى الثقافية والمعرفية التي تجر قاطرة المستقبل في المحروسة.
انطلاقـًا من الانشغال بالهم الثقافي العام، يتناول الكتاب أزمة الثقافة والإبداع بعد ثورة 25 يناير، ويبحث عن أسباب تراجعنا ثقافيـًا، في وقتٍ كنا نتتظر فيه ثورة حقيقية في هذا المجال. يناقش الكتاب العلاقة المعقدة بين المثقف والسلطة، وأسرار سقوط النخبة في "حظيرة المثقفين"، التي أنشأتها الدولة، في إطار علاقة الخضوع والاستتباع التي تريدها لخدمة مصالحها وتعزيز نفوذها.
إن هذه العلاقة بكل ما يشوبها من اختلال بيّن وارتباك واضح، هي أساس أزمة الثقافة والمثقفين في مصر طوال العقود الأخيرة؛ إذ أدت علاقة الخضوع والاستتباع إلى تدجين قطاع كبير من المثقفين، وضعف دور النخبة المثقفة في التوعية بقضايا المجتمع وتجسيدها على النحو المأمول.
إن محاولة صوغ سياسات ثقافية جديدة يقتضي التأسيس لواقع جديد، لا يُعاد فيه إنتاج الحظيرة الثقافية بعقلها المدجن، ولا يختلط فيه الحابل بالنابل، فيُعاد إنتاج العقل المحافظ، وهذا ما يجب أن تلتفت إليه الدولة المصرية ذاتها؛ لأن رهانها على المستقبل لا يجوز أن يكون رهانـًا عمليـًا على الماضي.
إننا نؤمن بأن رد الاعتبار للثقافة هو المدخل لارتقاء البشر، والتنمية، ونشر الوعي العام الذي ينتشل المجتمع من الغيبوبة التجهيلية التي تنخر في جسد الوطن.
يرتبط بذلك الإيمان بأن حرية الفكر والإبداع الأدبي والفني لا توجد ولا تتحقق إلا إذا أتيحت حرية التعبير بوسائل ووسائط التعبير كافة، دون رقابة أو وصاية أو تضييق، وهذه الحرية لا يتعلق بها حق صاحبها فقط، وإنما يتعلق بها حق الجمهور أو المتلقي الذي يتفاعل مع الأعمال الفكرية والأدبية والفنية بالتأييد أو الموافقة أو بالاختلاف أو المعارضة أو الرفض على وجه يثري الثقافة العامة.
نطوف في سطور هذا الكتاب في دنيا المعرفة والإبداع عربيـًا وعالميـًا، ونستذكر أشهر روائيي القرن العشرين، الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، أستاذ الواقعية السحرية، الذي أهدانا الدهشة في عالم يتسم بالغرائبية، ونجح في أن يصبح صوت أميركا اللاتينية، وربما الإنسانية، عبر أعماله الفذة.
ننطلق في هذا الاهتمام من حقيقة مفادها أن المبدعين يؤطرون التوحش ويحجمون جشع الهيمنة، ويرسمون صورة كاريكاتيرية للطغيان، وقد يحذرون برؤيتهم النبوئية مما هو آت. هكذا جاء فاتسلاف هافيل من المسرح والسجن ليعيد تشكيل أوروبا المتصالحة المتسامحة، ويفكك الستار الحديدي الأحمر، ومن ثم بلده تشيكوسلوفاكيا. أوروبا التي ساد مزاجها الروائي الكئيب العالم، "كافكا السوداوي، كامو العدمي، كولن ويلسون الساخط"؛ حتى جاءت الواقعية اللاتينية السحرية متسلسلة من بورخيس وجورجي أمادو، متألقة مع ماركيز ليقطف ثمارها بابلو كويلو، وماريو فارغاس يوسا، وإيزابيل الليندي.
في كتابنا هذا، نتناول بشكل مفصل تلك العلاقة الغريبة بين الإبداع والاضطراب، مع سرد نماذج مختلفة لمبدعين عاشوا كأن الجمر تحتهم. وإذا كان المبدع ملاحـًا يرود البحار منفردًا، فإن سلطان الاختلاف قد يستحوذ عليه، وسطوة التجريب قد تدفعه باتجاه تخوم جديدة.
ونختم بالحديث عن ثلاثة نماذج لافتة في تجربة التدوين الإلكتروني، تمثل الشباب العربي الباحث عن هويته الفكرية والثقافية، والشاهد على أزمات ثقافية ومجتمعية تستحق القراءة والتأمل.
في تلك التجارب الثرية، التي ظهرت في لحظةٍ فائرة، موارة، سنكتشف أهمية التفكير خارج الصندوق، وضرورة التطرق إلى موضوعات إنسانية وإبداعية جديدة، والكتابة عنها بلغةٍ سلسة ومتفردة.
أتمنى لكم قراءة ممتعة.

من مقدمة كتابي
خنجر في المرآة: نصوص ووجوه منسيّة، دار اكتب، القاهرة، 2016.


لكل من يستفسر عن الكتاب، أماكن التوزيع في المكتبات التالية:
القاهرة :
1-     مكتبة ديوان 
159 ش 26 يوليو، الزمالك
هاتف: 26908184
مصر الجديدة : 105 ش أبو بكر الصديق
هاتف:  27362582 - 26908184
2-مكتبة دار الشروق – ميدان طلعت حرب
هاتف: 0223930643
سيتي ستارز - مدينة نصر
هاتف:  23912480 - 25735035- 24802544
3-روعة بوك ستور - 30 ش حسن عاصم، من ش البرازيل - الزمالك
هاتف:
01140178144
4- عمر بوك ستور - ش طلعت حرب، فوق فلفلة
هاتف: 23960047 / 01003361217
5- مكتبة ليلى - وسط البلد، بجوار الخطوط الجوية الليبية
6- مكتبة ألف -  ش الميرغني، مصر الجديدة, القاهرة
هاتف: 0224192396
7- مكتبة تنمية بوسط البلد، 18 ش هدى شعراوي متفرع من ش طلعت حرب، خلف مول البستان 
هاتف: 01005029128/01111139636
8- مكتبة مدبولي - ميدان طلعت حرب
هاتف: 0225756421
9- مكتبة فكرة - سيتي ستارز - مدينة نصر
10- مكتبة كتب خان- المعادي
11- مكتبة الشرق الأوسط والجمل بالمطار
المنصورة:
1-      مكتبة بوكس آند بينز: 7 ش جزيرة الورد - المشاية السفلية
هاتف: 0502242285
2-     المكتبة العصرية: المشاية السفلية، بجوار فندق مارشال الجزيرة
3-     مكتبة كلمات: أمام كلية طب الأسنان - عمارة غانم، الدور الأول علوي
4-     مكتبة الشوبري: أمام بوابة الجامعة، ش جيهان
5-     مكتبة الصحافة
الإسكندرية :
1-     مكتبة منشأة المعارف:
44 ش سعد زغلول - محطة الرمل
هاتف: 01221214657
2-     مكتبة روايات الشباب
3-     مترو سان ستيفانو مول
هاتف: 01003528603
4-     مكتبة ديوان بالإسكندرية
5-     مكتبة أكمل مصر
6-     مكتبة ليليت
7- الخياط بوك ستور
طنطا:
‏المكتبة القومية الحديثة: 6 شارع القاضي
هاتف: 0403349069
الشرقية /الزقازيق:
1-     الميدان
2-     مكتبة حروف
بورسعيد:
1-     كتابيكو
2-     أولاد نسيم
أسيوط:
مكتبة ألف
مكتبة ومضة
الأقصر:
مكتبة حرف - حي الفيروز ، ش عبدالله بن مسعود، أمام مديرية الأمن

       الإمارات:
1-     مكتبة زين المعاني
2-     كينكونيا - دبي مول
3-     بوردرز
       الكويت:
مكتبة ذات السلاسل
بوردرز


الكويت :
ذات السلاسل
** يمكن طلب الكتاب من دار اكتب للنشر ليتم توصيله لكم في أي مكان
هاتف:
01147633268
01144552557
كما يمكن طلب مؤلفاتي أونلاين من:
مكتبة اكتب أونلاين
https://www.facebook.com/oktobbookstore?ref=hl&ref_type=bookmark
  

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "خنجر في المرآة"

أكتب تعليقا