الفقي.. الذي صعد إلى الهاوية!

| |




إنه الخائن الذي سقط في بئر الخيانة بعد أن سقط في بئر الغرام.
باع ضميره وخان وطنه، فقط من أجل عيني جاسوسة جندته لمصلحة الموساد الإسرائيلي.
اسمه فاروق عبدالحميد الفقي، وهو أحد أطراف واحدة من أشهر قصص الجاسوسية في مصر، التي تم تحويلها إلى فيلم بعنوان "الصعود إلى الهاوية"، وقد قال توفيق عكاشة صاحب قناة "الفراعين" في حديث تليفزيوني إن الفقي هو قريبه وفي منزلة خاله.
ضابط الصاعقة، الذي كان والده مدرسـًا، وتعود أصوله إلى محافظة القليوبية، هو نموذج للخيانة والغفلة معـًا.
ولهذا الوصف حكاية تستحق أن تُروى.
قبيل حرب أكتوبر 1973، كان الجيش ومن ورائه الدولة كلها يعمل فى صمت وبسرعة على تجهيز الجبهة للقتال، وكانت الضغوط الشعبية والسياسية، خاصة من الطلبة على الرئيس أنور السادات قوية جداً فى بداية السبعينيات لتنفيذ وعده بالهجوم على إسرائيل وتحرير سيناء. وكانت كل أجهزة الدولة، خاصة المخابرات العامة والمخابرات الحربية، تقوم بدورها فى تأمين الجبهة والحفاظ على سرية المنشآت الجديدة التى كانت إسرائيل تتطلع إلى الحصول على معلومات عنها مثلما حدث قبيل يونيو ١٩٦٧.
غير أن بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية بدت معقدة ومحيرة، خاصة تلك التى كانت تستهدف حائط الصواريخ الوليد.
فقد لوحظ لدى القيادة العامة للقوات المسلحة ولأجهزة المخابرات العامة والحربية، أن جميع مواقع الصواريخ الجديدة تتعرض للتدمير أولاً بأول وبدقة شديدة بواسطة الطيران الإسرائيلي، وحتى قبل أن يجف الأسمنت المسلح بها، وتنتج عنها خسائر جسيمة في الأرواح، وتعطيل في تقدم العمل وإنجاز الخطة التي وضعت لإقامة حائط الصواريخ المضادة للطائرات.
تزامنت الأحداث مع وصول معلومات لرجال المخابرات المصرية بوجود عميل "عسكري" قام بتسريب معلومات سرية جداً إلى إسرائيل. وبدأ الشك في كل شخص ذي أهمية في القوات المسلحة، وفي مثل هذه الحالات لا يُستثنى أحد بالمرة.
 توصل رجال المخابرات، ومنهم الفريق رفعت جبريل، إلى الخيط الأول: المقدم فاروق عبدالحميد الفقي قد يكون هو المتورط فى تسريب المعلومات فى هذا التوقيت الدقيق.
كانت البداية حين اكتشف أحد مراقبى الخطابات من رجال المخابرات المصرية خطاباً عادياً مرسلاً إلى فتاة مصرية فى باريس سطوره تفيض بالعشق ولوعة الحب من حبيبها، لكن الذى لفت انتباه المراقب الذكى عبارة كتبها مرسل الخطاب تقول إنه قام بتركيب إريال للراديو الذى يملكه، ولأن عصر إريال الراديو كان قد انتهى.. فالإريال إذن يخص جهاز لاسلكى للإرسال والاستقبال.
لم يكن الخطاب يحمل عنوانا من المرسل أو توقيعا واضحا، مجرد خطوط دون معنى، حينها انقلبت الدنيا ولم تقعد، وقام جهاز المخابرات المصرى بعمل تحريات واسعة حول الفتاة الغامضة فى باريس دون أن تشعر أو يشعر أحد رجال الموساد من حولها بشىء. فى ذلك الوقت وردت معلومات جديدة من قلب إسرائيل تضمنت الاسم الأول للضابط الخائن، فتم حصر كل الضباط بالقوات المسلحة الذين يبدأ اسمهم بفاروق حتى تم حصرهم والتركيز على من له صلة ببناء حائط الصواريخ. وعلى الفور تشكلت لجان عديدة من رجال المخابرات ونيابة أمن الدولة وهى تحمل تصريحات بالقبض والتفتيش على كل من تحوم حوله الشبهات طافت تلك اللجان القاهرة ولم تترك منزلا واحدا حتى عثروا على الإريال فوق أسطح إحدى العمارات.
لجأ رجال المخابرات إلى فتح خطابات فاروق المرسلة للخارج، وهذه الوسيلة مباحة بالطبع وقت الحرب، ليتبين أنها مكتوب عليها بالحبر السرى، بل إن المخابرات عرفت نوعية الحبر المستخدم. بعد التأكد من هذه المعلومات تقرر القبض عليه وبشكل سريع جداً لخطورة موقعه، خاصة أنه كان يتولى رئاسة أركان الصاعقة، رغم أنه كان مازال «مقدم مهندس»، وكان الوحيد من الرتب الصغيرة الذى يحضر اجتماعات العمليات العسكرية للجيش كله برئاسة رئيس العمليات اللواء محمد عبدالغنى الجمسى «المشير فيما بعد».
وعندما تأكدت المعلومات وبعد مراقبة رسائله، تقرر القبض عليه، ذهب ضابط المخابرات رفعت جبريل إلى اللواء فؤاد نصار، مدير المخابرات الحربية، وجلس معه، وشرح له العملية، وحاول التأكد، على اعتبار أنه أحد أعضاء القوات المسلحة، فقام بالاتصال باللواء نبيل شكرى، قائد الصاعقة، الذى سأل جبريل: هل لديك أدلة أم لا؟ وأجاب الأخير: «بالطبع»، وقال شكري رداً على ذلك «يمكنك الشك فىَّ أنا شخصياً ولا تشك فى الفقى، فهو شديد الوطنية ويعمل باجتهاد». رفض القائد شكري أن يتصور حدوث خيانة بين أحد ضباط مكتبه. خاصة وأن المقدم فاروق يعمل معه منذ تسع سنوات، بل وقرر أن يستقيل من منصبه إذا ما ظهر أن رئيس مكتبه جاسوس للموساد.
بعدما انتهى النقاش، رفض نصار خروج شكرى من مكتبه إلا بعد القبض على الفقى، وتحدث مع اللواء حسن عبدالغنى نائب مدير المخابرات الحربية، وذهب جبريل معه وأرسل إلى «سويتش» القيادة يطلب حضور فاروق، على أساس أن هناك لجنة عمليات وسيرسل إليه سيارة لإحضاره حتى تسير الأمور بشكل طبيعى. وعندما دخل فاروق إلى مكتبه كان اللواء حسن عبد الغني ينتظره جالساً خلف مكتبه بوجه صارم وعينين قاسيتين، فارتجف رعباً وقد جحظت عيناه وقال في الحال: "هو أنتوا عرفتوا؟!".
اقتيد الفقي إلى المخابرات الحربية للبعد عن حساسية المخابرات العامة، وبدأ التحقيق معه، ولم يستغرق التحقيق سوى دقائق، لأن المعلومات كانت لدى رجال المخابرات مستوفاة.
وعند تفتيش شقته أمكن العثور على جهاز اللاسلكي المتطور الذي يبث من خلاله رسائله، وكذا جهاز الراديو ونوتة الشفرة، والحبر السري الذي كان بزجاجة دواء للسعال. ضبطت أيضاً عدة صفحات تشكل مسودة بمعلومات مهمة جداً معدة للبث، ووجدت خرائط عسكرية بالغة السرية لأحشاء الجيش المصري وشرايينه، تضم مواقع القواعد الجوية والممرات والرادارات والصواريخ ومرابص الدفاعات المهمة.
خلال استجواب الفقى، عرفت المخابرات أن هبة سليم، التي تقيم في فرنسا بداعي الدراسة في السوربون، هى التى قامت بتجنيده.
وقالها هكذا: «جندتني هبة سليم بتوجيهات من المخابرات الإسرائيلية»، وكانت العلاقة بينهما خاصة، فقد كان فاروق من مرتادي نادي الجزيرة، وهناك سقط في غرام هبة سليم منذ أن شاهدها لأول مرة بصحبة عدد من صديقاتها في النادي، لكنها كانت غير راغبة في الارتباط به حيث كان بالنسبة لها شاباً عادياً لا يملك من مقومات فتى أحلامها شيئا. ظل فاروق يطاردها في أروقة النادي ولا يكف عن تحين الفرصة للانفراد بها، وإظهار إعجابه الشديد ورغبته الملحة في الارتباط بها، لكنها كانت تصده بشدة.
قررت هبة السفر إلى باريس لإستكمال دراستها العليا عام 1968 فانقطعت أخبارها عنه وتم تجنيدها من قبل جهاز الموساد هناك الذي طلب منها اللعب في أدمغة الطلاب العرب الموجودين بفرنسا.
روت هبة ذات يوم لضابط الموساد الذي كان مسؤولًا عنها عن المقدم مهندس فاروق عبدالحميد الفقي الضابط في الجيش المصري، ومطارداته الساذجة لها في أروقة النادي وخارجه، وكادت يوماً ما أن تنفجر فيه غيظاً في التليفون عندما تلاحقت أنفاسه اضطراباً وهو يرجوها أن تحس به، ولكنها كانت قاسية عنيفة في صده.
تذكرت هبة هذا الضابط الولهان، وتذكرت وظيفته المهمة في مكان حساس في القوات المسلحة المصرية. طار من الفرح الضابط الإسرائيلي عند سماعه تلك الجمل وطلب منها تجنيده مهما كان الثمن.
حضرت هبة إليه بالفعل ورحب سريعاً بسبب حبه لها، واستأجرا شقة فى المعادى، حيث علمته داخلها كيفية الكتابة بالحبر السرى.
قدم فاروق الفقي سريعاً للمحاكمة العسكرية التي أدانته بالإعدام رمياً بالرصاص، لكن جهاز المخابرات كان له رأي آخر يتمثل في استثمار ما يضعه جهاز الموساد من ثقة في فاروق وشريكته، فطلب من فاروق أن يستمر في نشاطه خاصة أن هبة لم تعلم بعد بأمر القبض عليه والحكم بإعدامه.
اقتيد فاروق إلى مكان خاص بالمخابرات المصرية، وخضع لسيطرة نخبة من الضباط تولت توجيهه، ليتم إرسال رسائل بواسطة جهاز اللاسلكي من صنع المخابرات الحربية، تم توظيفها بدقة ضمن مخطط للخداع فيما تواصل الاتصال مع هبة بعد القبض على فاروق لمدة شهرين.
بعد ذلك تم وضع خطة للقبض عليها عن طريق استدراجها بعيداً عن باريس، وسافر ضابط المخابرات رفعت جبريل ومعه فريق من المخابرات إلى ليبيا، حيث كان والدها يعمل مدرساً هناك.. وتم التنسيق مع السلطات الليبية من أجل هذه العملية، وقال جبريل لأبيها المدرس إن ابنتك تورطت فى إحدى العمليات الفدائية التى تقوم بها المنظمات الفلسطينية، وإنها شاركت فى خطف طائرة.. وهى مطلوبة من إسرائيل، والأفضل أن نستدعيها إلى طرابلس بدعوى أنك مريض.. فوافق، ثم جرى إدخاله المستشفى فعلياً، وقام بالاتصال بابنته أكثر من مرة إلى أن اقتنعت فى النهاية وركبت الطائرة إلى ليبيا.
اللافت للانتباه أن القصة الحقيقية للإيقاع بالجاسوسة هبة سليم تمت كلها فى ليبيا، وليس تونس، كما جاء فى فيلم «الصعود إلى الهاوية». لكن عندما تم تصوير الحكاية سينمائياً كانت العلاقات متوترة، بل شبه مقطوعة بين السادات والقذافى، فتم تغيير مكان عمل والدها من طرابلس إلى تونس، ضباط المخابرات ألقوا القبض على هبة، وخطيبها ضابط الجيش فاروق الفقى فى طرابلس والقاهرة فقط، ولم يسافر فريق ضباط المخابرات إلى مقر إقامتها فى باريس، كما جاء فى أحداث الفيلم.
نزلت وحدها من الطائرة، لكننا كنا نشك فى أن رجال الموساد يراقبونها.. ولذلك فإننا كنا قد جهزنا خططنا لكل احتمال.. كنت قد عرفت أن أحد معارفها يعمل فى السفارة المصرية فى ليبيا.. فأقنعت السفير وهذا الدبلوماسى بأن يأتيا إلى المطار للمشاركة فى استقبالها، لكى تبدو الأمور طبيعية، وأن هناك أشخاصاً يعرفونها فى استقبالها، وإذا كان أحد يراقبها من الموساد سيدرك أنها بين أهلها ومعارفها. وبالفعل هبطت طائرتها واحتضنها الدبلوماسى الصديق.. وما هى إلا دقائق حتى تم تغيير خط مسارها إلى القاهرة.
يقول ضابط المخابرات جبريل في حوار صحفي: كانت الطائرة المصرية المتجهة من طرابلس إلى القاهرة قد أكملت تجهيزاتها للإقلاع.. وبالفعل صدرت الأوامر من المطار بذلك.. وتحركت الطائرة بالفعل، ثم أطفئت أنوارها، وظلت قابعة فى الظلام حتى جئت أنا وهبة ومعى اثنان من المخابرات إلى مقاعد المقدمة التى كنت قد حجزتها بالكامل.
وبعد أن جلسنا وتأكدت هبة أنها عائدة للقاهرة، أخذت فى الصياح والهياج والغطرسة وكأنها فى نادى الجزيرة الذى تنتمى إليه، فغاظنى هذا الوضع وتصرفت على الفور.
يقول رفعت جبريل: أغاظتنى ألفاظ هبة سليم لرجال الأمن، فقمت بصفعها قلمين، فاصفر وجهها، ولم تنطق كلمة واحدة حتى وصلت إلى القاهرة، وللعلم كنت قد جهزت خطة بديلة لنقلها إلى القاهرة عبر الطريق البرى لو فشلت عملية إعادتها بالطائرة.
في المحاكمة، نالت هبة حكم بالإعدام شنقاً.. أما المقدم الفقى فتم إعدامه رمياً بالرصاص باعتباره عسكرياً.
وللعلم فإن الضابط «الفقى» كان ضمن الضباط القلائل الذين كانوا سيعرفون بموعد الحرب «ساعة الصفر» باعتباره عضواً فى «غرفة العمليات»، كما أنه كان مرشحاً للإشراف فنياً على الفريق الذى سيقوم بقطع أنابيب النابالم التى زرعتها إسرائيل بطول خط بارليف..

وهنا يضيف رفعت جبريل: أتذكر أن المشير أحمد إسماعيل عندما أبلغ الرئيس السادات بهذه المعلومات التفصيلية، وذلك عقب نجاح العملية، رد عليه بالقول: «لولا هذه العملية لاستطاعت إسرائيل القضاء على القوات المصرية فى أول ساعة من الحرب».. ولا أنسى أبداً أن هذا «الفقى» كان لديه القناعة التامة بأن «الموساد» سينقذه، حتى وهو فى طريقه إلى السارى لإطلاق النار عليه، تنفيذاً لحكم الإعدام ضده رمياً بالرصاص، لكن بعد وضع القناع الأسود على رأسه اهتز وخارت قواه تماماً، كما أن إسرائيل ضغطت على السادات عن طريق هنرى كيسنجر لوقف تنفيذ إعدام «هبة»، لكن لم يستجب.. وفى يوم حديث كيسنجر حولها تم إعدامها.. وذلك بعد نصر أكتوبر بعدة شهور.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "الفقي.. الذي صعد إلى الهاوية!"

أكتب تعليقا