السفير الذي وقع في غرام الفول

| |



يعتقد الناس في الغالب أن السفير يجب أن يكون متحدثًا جيدًا، غير أن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه مسؤول دبلوماسي أن يجلس داخل جدران السفارة وداخل مكتبه الوزاري، ويقضي الوقت في الحديث فحسب، فهذا من شأنه أن يباعد بين الدبلوماسي وبين التغيرات والتحديات التي تشهدها دولة حيوية وسريعة التحرك كمصر والمنطقة.
وفي مصر الآن سفير لبريطانيا، يتمتع بميزات كثيرة، فهو أولًا يجيد اللغة العربية، ويتكلم باللهجة المصرية بطلاقة، وهي ميزة لا تجدها إلا عند قلائل من الدبلوماسيين الأجانب في مصر، وهو ثانيـًا لا يكتفي بالوجود داخل جدران السفارة بل يتفاعل مع قضايا يومية في مصر، ويدلي برأيه فيها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كانت بعض آرائه أثارت موجة من الجدل، ثم ثالثـًا أنه يتمتع بخفة ظل وخفة دم أولاد البلد رغم أن بعض تعليقاته أيضـًا وقعت في فخ سوء الفهم.
إنه السفير البريطاني لدى مصر جون كاسن.
منذ توليه مهام منصبه في مصر في 21 سبتمبر 2014، لم يترك كاسن مجالًا اجتماعيـًا أو شعبيـًا إلا واهتم به، من توزيع حلاوة المولد على العاملين في السفارة، إلى الحديث عن لذة الطعام الشهي من عربات الفول، إلى التغني بمترو الأنفاق في مصر.
فقد قال السفير البريطاني في مصر إن هناك "48 سببـًا لكي تحب القاهرة"، مقارنـًا بين مترو أنفاق القاهرة، وبين مترو لندن، وذلك في تغريدة عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".
وقال: إن مترو القاهرة، أحدث من مترو لندن، وأقل تكلفة، وأسرع طريق من السادات إلى الأهرامات، وذلك في إشارة إلى الخط الثالث للمترو، الذي يربط بين ميدان التحرير ومنطقة الهرم.
ونشر السفير البريطاني 3 صور فوتوغرافية شخصية، بينما يرتدي الملابس "الكاجوال" الأولى من أمام محطة السادات بالتحرير، الثانية وهو ينتظر المترو، والأخيرة وهو يستقل العربة.
ولوحظ أيضـًا أن كاسن يحضر مباريات كرة القدم، ومنها مباراة مصر والسنغال في نوفمبر 2014، التي حضرها من كابينة التعليق. في محاولة لمغازلة الشارع المصري المهتم بلعبة كرة القدم.
كاسن، الذي تعلم اللهجة المصرية في الإسكندرية، يحاول التقارب مع نبض الشارع المصري، وإن كانت محاولات كثيرة له لم تحقق الهدف المرجو منها، ربما لأسباب خارجة عن إرادته، منها التوتر المكتوم في العلاقات بين القاهرة ولندن وخاصة في ظل وجود ثلاثة ملفات ساخنة منها العلاقة بين لندن والإخوان المسلمين، وقرار بريطانيا وقف رحلات الطيران إلى شرم الشيخ عقب حادث تحطم الطائرة الروسية فوق سيناء، وثالثـًا مواقف بريطانيا من النظام في مصر منذ 3 يوليو 2013.
وقبيل زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي لبريطانيا، قال كاسن "إننا نسعى من خلال جهودنا المشتركة لأن تكون العلاقات بين البلدين أكثر من مجرد الأقوال بل أفعال ملموسة وحقيقية لجعل بلدينا أكثر أمنـًا ورفاهية، وأيضـًا من الناحية الاقتصادية والعمل على دعم التقدم الديمقراطي في مصر".
غير أن ما جرى خلال الزيارة من قرارات بشأن وقف الرحلات الجوية من بريطانيا إلى شرم الشيخ، ألقى بظلاله على جهود كاسن، حتى أنه تعرض لانتقادات لأنه كان يبشر بمفاجأة كبرى خلال زيارة السيسي للندن فإذا بالأمور تتطور إلى الأسوأ.
وحين قدم كاسن كشف حساب لأدائه الدبلوماسي ونشاطه في مصر تحدث نصـًا عن "الانخراط مع المصريين. أتحنا هذا العام أنشطة السفارة أمام المصريين العاديين، وأصبح هناك أكثر من مائة ألف شخص يتواصلون معنا على فيس بوك وتويتر وإنستجرام. وهذه المشاركة ثنائية الاتجاه ضرورية إذا أردنا ألا نكتفي بالحديث، وإنما نستمع للمصريين ونبني شراكات معهم لإحداث تغيير ملموس لأجل مصر. كانت هذه هي الأشياء التي شغلتني وشغلت السفارة البريطانية خلال العام الماضي، وأنا فخور جدًا بالرائعين الذين يعملون معي سواء من المصريين أو من البريطانيين، وأنا فخور بالإنجازات التي حققناها لدعم مصر في أن تكون أكثر نجاحـًا. وأطمح لتحقيق المزيد في العام المقبل، وأرحب بتعليقاتكم على فيس بوك «UKinEgypt» أو على تويتر «@FCOJohnCasson». ما الذي أعجبكم في أدائنا؟ كيف يمكننا أن نطوِّر من أنفسنا؟ وأنا في انتظار كشف حساب ممن يعرفون مصر أفضل، من المصريين أنفسهم".
نشاط كاسن امتد إلى مجالات تتعلق بحقوق المرأة.
ومن ذلك زيارة السفير البريطاني في يناير 2016 لمركز دعم بمحكمة شمال القاهرة يختص بالمرأة التي تعاني من العنف، وأقيم هذا المركز بمساعدة من السفارة البريطانية بالقاهرة.
قابل كاسن المستشارة غادة الشهاوي ورئيس محكمة شمال القاهرة القاضي محمد الرشيدي والعاملين بمركز دعم المرأة، الذي يُعد واحدًا من أربعة مراكز تم إنشاؤها لدعم المرأة التي تعاني من العنف أو التحرش الجنسي.
وتدخل المراكز ضمن مشروع "حقي" - وهو عبارة عن مبادرة مشتركة بين مصر والمملكة المتحدة تحت مظلة السفارة البريطانية بالقاهرة والمجلس الثقافي البريطاني ووزارة العدل ومنظمات المجتمع المدني المصرية.
وتهدف المبادرة إلى المساعدة في خفض العنف ضد المرأة ومساعدتها على فهم حقها ومعرفته.
وتوفر هذه المراكز دعمًا للمرأة التي تعاني من العنف وتوفر لها الاستشارات القانونية والدعم النفسي، وقد تساعد المرأة أيضًا في الحصول على دعم إضافي مثل المساعدة الطبية.
مؤيدو تحركات كاسن يرون أننا أمام رجل غير تقليدي. سفير يكسر القواعد. مؤمن بما يفعل. يحب عمله في مصر. يواجه المشكلات، لا يختفي وراء مكتبه الوثير رغم أن هذا أسهل كثيرًا.
نموذج مختلف من الدبلوماسيين لسنا معتادين على أمثاله. نخشى التعامل معهم.على المستوى الرسمي. نتصور أنه على المستوى الشعبي مرحب به. لأن فيه شيئـًا من خفة ظل المصريين. السفير في حد ذاته أصبح أقوى من السفارة. له الكثير من النشاطات التي تجعله يتفوق على دبلوماسيين لهم وزنهم في القاهرة. نعتقد أنه أصبح الدبلوماسي الأهم؛ لأنه الأكثر اهتمامـًا بالبيئة التي يعمل فيها.
كاسن مؤمن أن الدبلوماسي الناجح يجب أن يكون مستمعـًا ناجحـًا. وليس متحدثـًا فحسب.
غير أن تدخلات كاسن في الشأن الداخلي لمصر، جلب عليه متاعب.
فقد استدعت وزارة الخارجية في 30 أغسطس 2015 السفير البريطاني بالقاهرة جون كاسن لإبداء اعتراضها الشديد على ما صدر منه من تصريحات اعتبرتها الخارجية المصرية، تدخلًا غير مقبول في أحكام القضاء المصري، وتتنافى مع الأعراف والممارسات الدبلوماسية لسفير معتمد في دولة أجنبية، مهمته الرئيسية توثيق العلاقات مع الدولة المعتمد لديه".
وردًا على ما قاله السفير البريطاني، بأن "الأحكام الصادرة سوف تقلل من الثقة في الخطوات التي تقوم بها مصر نحو تحقيق الاستقرار بناء على تنفيذ الحقوق المنصوص عليها في الدستور المصري"، علق المتحدث باسم الخارجية في بيان له، بأن المهم هو ثقة الشعب المصري في نزاهة قضائه واستقلاليته، مؤكدًا أن مصر لا تنتظر دروسـًا من أحد.
في مايو 2015 ، نشر جون كاسن، السفير البريطاني في مصر، إعلانـًا عن وظيفة بالسفارة في القاهرة، عبر صفحته الرسمية على «تويتر»، معلنًا ترحيبه بتقدم أبناء عمال النظافة لشغلها. وقال كاسن للراغبين في العمل: «عايز تشتغل في السفارة البريطانية؟ نرحب بالجميع، ونرحب بابن عامل النظافة».
تصريحات كاسن جاءت تزامنـًا مع الجدل الذي أثاره المستشار محفوظ صابر، وزير العدل السابق، بعدما رفض تولى أبناء عمال النظافة مناصب في السلك القضائي.

السفير كاسن اعتاد التفاعل مع متابعيه المصريين على «تويتر»، فقد دار حوار ساخر بينه وبين أحد المصريين، بعدما قال له المواطن «لو سمحت عاوز اشتغل السفير المصري في إنجلترا".
ورد السفير البريطاني على المواطن المصري بإعادة نشر التغريدة، ووجهها إلى الحساب الرسمي لوزارة الخارجية المصرية، قائلًا: «فيه واحد عايز يشتغل معاكم".

وبعدما أطلقت شركة مايكروسوفت موقعـًا إلكترونيـًا باسم «how old» ، لتحديد عمر المستخدم من صورته، نشر «كاسن» صورته وفي الخلفية تمثال أبوالهول، فحدد الموقع عمر السفير البريطاني بـ٤١ عامـًا، وتمثال أبو الهول بـ٥٦ عامـًا، فعلق عليها قائلًا: «الموقع ده بيشتغلنا يا جماعة".

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "السفير الذي وقع في غرام الفول"

أكتب تعليقا