جن ريهام وأرواح رانيا

| |



    

في ظل الفوضى المنتشرة في المجال العام، لاحظ متابعو أداء القنوات الفضائية المصرية بدءًا من نهاية العام 2014 أنها عمدت إلى تغيير الموضوع وتخفيف جرعة السياسة مقارنة بالوضع قبل عدة أشهر سبقت ذلك، فأصبحت برامج الفضائح والخرافات والاستشارات الجنسية تفوق في عددها وساعات بثها برامج "التوك شو". حتى برامج "التوك شو" نفسها بدأ تغيير يطرأ على نوعية موضوعاتها وضيوفها ليصبح من المعتاد أن ترى مذيعـًا لم يتحدث في شيء بخلاف السياسة في السنوات الأربع السابقة، يناقش مع ضيوفه أزمة الملل الزوجي أو يستضيف فرقة غنائية أو يُحيي ذكرى وفاة شاعر راحل.
نعرف من الواقع أن بعض برامج وقنوات "التوك شو" واجهت مأزقـًا حقيقيـًا في تراجع أهميتها والإقبال عليها، وبدلًا من أن تعيد النظر في طريقة عملها وأدائها فضلًا عن توجهاتها، إذا بها تريد أن تأخذنا إلى عالم الشعوذة والدجل، وموضوعات الفضح والإثارة، مع تصويرها على أنها أم المشكلات، في تزييف واضح للأولويات والاهتمامات لدى الرأي العام.
في كل أنحاء العالم فإن المنوعات والتسلية من ضمن أية وجبة إعلامية متكاملة، غير أن ما حدث على الفضائيات الخاصة في الفترة التالية لثورة 25 يناير، وزادت جرعته في الفترة الأخيرة، أقرب إلى الوجبات المسممة.
كان لافتـًا أن المجتمع الذي تحاصره ضغوط اقتصادية، ويواجه تحديات التنمية، وقضايا الحقوق والحريات العامة، وتطوير التعليم، والصحة، وتدعيم التنوع والتعددية، ومبادئ الحُكم الرشيد، وتهدده مخاطر إرهابية، وتموج حدوده من كل جانب بتهديدات وتحديات، تطفو على سطح الإعلام فيه مساجلات صاخبة، تنتقل بدورها إلى الفضاء الإلكتروني المضطرب، وتصبح معارك مصر الأساسية ليست التنمية والديمقراطية، ولكن الجدل حول تحضير الأرواح والجن والعفاريت وتأثير السحر، ودور الجن والمس في حالات البشر وأحوالهم أو في حرائق بيوتهم كما حدث أخيرًا في إحدى قرى الشرقية.
بجانب برامج الجن والعفاريت، هناك البرامج التي تتحدث عن المنشطات الجنسية والعلاقات الخاصة والمثلية، ليخسر الإعلام المصري كل يوم الكثير من قواعده وقدراته أمام زعامات كاذبة وخبرات هزيلة وغياب تام لأهم مبادئ النشاط الإعلامي وهي القيمة والمسؤولية .
في تلك الحلقات والبرامج عن الجن والعفاريت والخرافات، وجدنا أن الإعلام لا يعطي فقط معلومات مغلوطة، حيث المعلومة المغلوطة يمكن تصحيحها بمعلومات أخرى صحيحة، لكنه كذلك يحدد نمط التفكير المسموح به، والذي يجب استخدامه في هذا الأمر أو ذاك. عمل هؤلاء -سواء عن عمد أو عدم دراية- إلى إغراق الجمهور في الجهل والغباء والخرافة، لنشر عشوائية التفكير والحُكم على الأمور.
فسر البعض ما جرى بأنه تزامن مع انتهاء دفعة التسجيلات الشخصية التي سلَّمتها أجهزة ما لعدد من مقدمي البرامج التليفزيونية لاستهداف شخصيات معينة، وتراجع حدة الإثارة والمشاجرات من البرامج في ظل استضافة ممثلين لتيار واحد طوال الوقت، في حين بدأت حالة التململ من أداء المذيعين والتنقيب في رواتبهم السنوية والزهد في مشاهدتهم وتفضيل مباريات دوري أبطال أوروبا وحلقات مسلسلات مثل "هبة رجل الغراب".
وضعٌ مقلق؛ لذا كان من الضروري عن دور آخر يقوم به الإعلام. هكذا جرى التحول عن النص الدعائي إلى نظرية "إذا لم تستطع أن تقنع الآخر بوجهة نظرك غيّر الموضوع".
كانت ريهام سعيد من أبرز نماذج هذا الأداء الذي يختلط فيه الإعلام بالأداء غير المهني.
لم تظهر ريهام سعيد فجأة، أو تهبط من الفضاء بالمظلة على حين غرة. هي حاضرة، على الشاشة الصغيرة، منذ سنوات، تمارس عملها بذات الطريقة التي أودت بها إلى ذلك المأزق الوعر، الذي لا فكاك منه، جزئيـًا، إلا بالاستقالة أو الإقالة. واقعة "فتاة المول" الأخيرة، الصارخة، جاءت في سياق ممارسات مثقلة بالاستخفاف وخفوت الحس الإنساني، ومنها، على سبيل المثال، تلك الحلقات التي استأجرت فيها بنات غلابة، بصرخن ويتمرغن على الأرض، متظاهرات بأنهن عليهن عفاريت وتعرضن للمسات الجن. ففي عام 2012 استضافت ريهام الفتاة دينا التي قالت إنها "ملبوسة" بعشيرة من الجن، كما عادت في 2015 لتقدم حلقتين تحن عنوان "للكبار فقط"، عن فتيات قالت إنهن مسهن الجن ويزعمن أنهن ينزلن تحت الأرض ليلًا، وهو ما رآه البعض ترويجـًا للجدل والخرافة.
3 ملايين و460 ألف مشاهدة حققتها حلقة ريهام سعيد عن الجن على موقع "يوتيوب" في 4 أيام، هي وصفة مثالية لإعلام يفشل في إحراز الأهداف فيتفنن في إضاعة الوقت؛ سينشغل الناس لأيام بالقضية، سيتحدث البعض عن رأي الدين فيها، ويدافع البعض عن حق الإعلام في عرض أي قضية، ويستنكر البعض محاولة شغل الناس بقضايا هامشية، ويسخر البعض من المذيعة وموضوع الحلقة، وعندما ينتهي الجدل حول الحلقة ستكون هناك حلقة من برنامج آخر جاهزة لإثارة دوامات جديدة من الجدل.
ريهام سعيد ليست الاستثناء السيئ في منظومة الإعلام المتردي، ذلك أنها جزء لا يتجزأ من الصورة التعيسة. لا يمكن إغفال حال زملائها وزميلاتها ممن ارتكبوا خطايا لا تُنسى على الشاشة وأفلتوا في معظم الأحوال من المساءلة والعقاب.
وعلى قناة "العاصمة"، قدمت الممثلة رانيا محمود ياسين، في برنامج "صباح العاصمة" في يناير 2016، حلقة تحضير أرواح، استضافت فيها الفلكي أحمد شاهين، الذى استدعى خلال الحلقة روح الرئيس الراحل أنور السادات بطريقة مسيئة، ليحذر الرئيس عبدالفتاح السيسي من التعرض للاغتيال.
ومن أبرز البرامج التي اهتمت بمناقشة تلك القضية برنامج "أسرار من تحت الكوبري" الذي قدمه اللبناني طوني خليفة، على قناة "القاهرة والناس"، حيث إنه قدم في عام 2014 العديد من الحلقات الخاصة بقضايا  الجن والعفاريت حيث استضاف خليفة في إحدى الحلقات أحد المشايخ المعالجين بمحافظة الفيوم، للاطلاع على الطريقة التي يعالج بها من يمسهم الجن، وفي حلقة أخرى استضاف أحد الأشخاص، الذي زعم بأنه تزوج من جنية ولديه طفل منها.
"مطلوب منك فقط أن تجري اتصالًا هاتفيـًا مع الشيخ، وتحكي له مشكلتك مع الجن والعالم السفلي، بعدها يتحدث الشيخ مباشرة مع الجن ويخرجه من جسدك".. هذا بالضبط ما يحدث عبر قناة "الفتح"، مع  الشيخ أحمد عوض، الذي يعالج المرضى عن طريق تلاوة بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن الجن، يعقبها تكبير من الشيخ للإعلان عن الانتهاء من العلاج والشفاء التام.
وقد هاجم الكاتب والسيناريست مدحت العدل، مقدم البرامج عمرو الليثى، لاستضافته معالجـًا روحانيـًا على الهواء، وقال مازحـًأ: إحنا فى القرن الكام عشان نستضيف مشعوذ يضحك على الناس.. هو ده الإعلام يا دكتور..
كان عمرو الليثي قد استضاف في برنامجه المذاع على القناة الفضائية الحياة في برنامج واحد من الناس" من يدعى الشيخ عزت، الذي وصف بأنه معالج روحاني، كما اشتضاف في حلقة تالية الدكتور محمد المهدى أستاذ الطب النفسى في جامعة الأزهر، و المعالج الروحاني والذي أظهر قدرته على العلاج الروحاني بالقرآن .  وفي الحلقة الأولى قام الشيخ عزت بما قيل إنه معالجة روحانية لكل من معدة البرنامج و مراسلة وكالة رويترز في حين قال عزت إنه يعتبرها عملية كشف وليست تجربة علاجية.
في تلك الحلقة، بدأ الشيخ عزت إبراهيم الكشف بتلاوة آيات من القرآن الكريم، بعدها أخذ يتحدث مع أحد ما، ثم قال: هذه هي البنت التي تحتاجنا. في لحظةٍ ما، قامت المعدة برفع يدها إلى أعلى. وعندما سأل عمرو الليثي مُعدة البرنامج عما حدث لها قالت إنها كانت تحاول تقاوم ولكن كل ما حدث بدا كأن شيئـًا ما يدفعها رغماً عنها.
.
وحين سأل عمرو الليثي الشيخ عزت عمن يساعده ويعينه على هذه الأمور هل هم الجن أم أن ما فعله له علاقة بالسحر أكثر فكان رد الشيخ عزت أنها رحمة قد أنزلها الله علي!
قبل ذلك، استضاف عمرو الليثي، أحد الدجالين التائبين، حيث روى قصته مع الدجل والنصب، حتى دخوله السجن، وعرض الدجال التائب، خلال البرنامج، إحدى وسائل الإيقاع بضحاياه، حيث طلب من الإعلامي عمرو الليثي كتابة اسم في ورقة، وتمكن من معرفة الاسم دون أن يراه، بعدها كشف كيف تمكن من ذلك، كما كشف عن أبرز من تعامل معهم، ومنهم ابن شقيق رئيس جمهورية سابق، وصاحب سلسلة صيدليات شهيرة، وصاحب توكيل سيارات، ورئيس حزب سياسي، وفنانون وفنانات.
يبقى أن برامج وحلقات الجن والخرافة والعفاريت وتحضير الأرواح تثبت مجددًا أن مصر تعمل بلا نظام إعلامي. المشكلة ليست غياب ميثاق الشرف، ولكن المشكلة أنه لا توجد أركان نظام إعلامي متكامل، يمكن من خلاله للجمهور أن يضمن حدًا أدنى من سلامة المنتج الإعلامي الذي يستهلكه.



ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "جن ريهام وأرواح رانيا"

أكتب تعليقا