رؤساء البرلمان.. باشوات وأكاديميون

| |










بعد أخذ ورد في كواليس المطبخ السياسي والبرلماني حول هوية رئيس برلمان 2015، حسم د.علي عبدالعال الموقف بفوزه برئاسة مجلس النواب، ليكون الرئيس الـ42، وقائد السلطة التشريعية في تاريخ الحياة النيابية في مصر.
44 عامـًا قضاها د.علي عبدالعال سيد أحمد في خدمة القانون، حاز الثقة لإعداد قانون تقسيم الدوائر بعد سقوط نظام الإخوان، وكان عضوًا فى اللجنة، التي أعدت قانونى مباشرة الحقوق السياسية ومجلس النواب، ليحسم الوضع القانوني والدستوري للبرلمان بما لا يُعرِّضه للحل، وذلك عن طريق خلو العملية الانتخابية ذاتها من أي عوار دستوري. كان هذا الفقيه الدستوري أحد العشرة الذين أعدوا المسودة الأولى للدستور في عهد الرئيس السابق عدلي منصور، وترشح على قوائم "في حب مصر"، لتدعمه رئيسـًا للبرلمان، بعد تحولها إلى ائتلاف "دعم الدولة"، بقيادة النائب سامح سيف اليزل، الذي طرح الثقة فيه. يضع ابن أسوان حماية نهر النيل والممرات المائية نُصب عينيه، وشارك في المؤتمر الدولي لوضع المسودة الأولى للدستور الإثيوبي، في أديس أبابا، في أكتوبر عام ١٩٩٣، كما يرى أن هناك ضرورة مُلحة لإصدار قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس وقوانين العدالة الانتقالية والإجراءات الجنائية والقوانين المتعلقة بالاقتصاد.
عبدالعال، القادم من كلية الحقوق جامعة عين شمس كأستاذ متفرغ بقسم القانون العام، هو من مواليد 29 نوفمبر 1948، وقد حصل على ليسانس الحقوق عام ١٩٧٢، ثم دبلوم القانون في عام ١٩٧٣، ودبلوم آخر عام ١٩٧٤، ثم نال الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس عام ١٩٨٤، وكانت تحت عنوان "مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية، دراسة مقارنة". لم يؤلف سوى عدد قليل من الكتب، خاصة بالقانون الدستوري والإداري، ويرجع ذلك إلى عمل عبدالعال خارج مصر لعدة سنوات.
كانت له تصريحات كثيرة مثيرة للجدل أثناء عمل لجنة تعديل قوانين الانتخابات. لم يكتف عبدالعال بتصريحاته القانونية والدستورية، إنما اشتبك مع الحياة السياسية عقب ترشحه على قائمة "في حب مصر"، وقال أثناء فترة الدعاية الانتخابية، إن "الوضع في مصر مختلف عما سبق، ويتطلب ظهيرًا سياسيـًا لتطبيق برنامج الرئيس، ولن أقول إن القائمة هي ظهير الرئيس، لكن القائمة ستكون الظهير السياسي فيما يحقق استقرار مصر، وبرنامج الرئيس هو الذي يحقق الاستقرار، لكن لا يعني هذا الموافقة الأوتوماتيكية لكل ما تتخذه الحكومة".
خروجه المفاجىء من عباءة الأستاذ الأكاديمي ودخوله عالم السياسة، وتصريحاته حول تفسير عدد من مواد الدستور، ودوره في إعداد قوانين الانتخابات وتقسيم الدوائر، التي أثارت جدلًا وخلافا لفترة طويلة، جعلت عددًا من المراقبين يتوقع دورًا جديدًا ومختلفـًا لهذا الرجل القادم من مدرجات الجامعة.
الشاهد أنه تعاقب على رئاسة البرلمان في مصر، على اختلاف العصور ومع اختلاف مسميات البرلمان، عددٌ من الشخصيات التي تستحق القراءة والتأمل.
وربما لا يعلم كثيرون أن أول رئيس للبرلمان في مصر هو أحمد بن الحسين بن يني، والشهير بإسماعيل راغب باشا، الذي ولد في اليونان وانتقل إلى الأناضول، حيث تم اختطافه وبيعه كعبد ليصبح مملوكـًا لإبراهيم باشا في مصر عام 1830، ورقاه محمد علي إلى رتبة ملازم وتدرج في المناصب السياسية وصولًا إلى رئاسة مجلس أول نيابي مصري من 25 نوفمبر 1866 إلى 24 يناير 1867 لإعجاب الخديو إسماعيل به لنبوغه في الحياة السياسية وعمله بها على مدار 28 عامـًا رغم إصابته بشلل نصفي.
يُذكر أن إسماعيل راغب باشا يرجع إليه الفضل في إقرار فكرة الميزانية وحصر الإيرادات والمصروفات وقانون الرواتب وغيره من القوانين التي ساعدت في تحسين معيشة الفلاح المصري.
وبلغ عدد الباشوات الذين تولوا رئاسة مجلس النواب في عهد الخديو إسماعيل 8 باشوات تولى أحدهم وهو عبدالله عزت باشا رئاسة المجلس مرتين على فترات مختلفة، في حين بلغ عدد رؤساء المجلس في عهد الخديو توفيق 3 باشوات، وتولى محمد سلطان باشا رئاسة المجلس مرتين ولم تزد الفترة الزمنية لرئاسته عن سنتين رغم توليه رئاسة المجلس مرتين.
وبلغ عدد رؤساء المجلس في عهد الخديو إسماعيل حلمي الثاني 4 باشوات وأمير هو حسين كامل باشا.
وحينما تحول مجلس النواب إلى الجمعية التشريعية في عهد الملك فؤاد، تولى رئاسة البرلمان أحمد مظلوم باشا وتولى بعده سعد باشا زغلول رئاسة المجلس لمدة 9 ساعات فقط وهي أقصر فترة رئاسة في تاريخ البرلمان في مصر . وفي عهد مجلس الوصاية تولى 3 شخصيات رئاسة المجلس هم الدكتور أحمد ماهر باشا ومحمد توفيق نسيم باشا ومحمود بسيوني، والأخير هو أول رئيس للبرلمان من خارج فئة الباشوات.
وفي عهد الملك فاروق تولى 6 باشوات رئاسة المجلس بالإضافة إلى علي زكي العرابي، الذي تولى رئاسة المجلس مرتين، وكان آخر رئيس للبرلمان قبل قيام ثورة يوليو عبدالسلام فهمي باشا.
وإذا كان البرلمان في العهد الملكي قد شهد اختيار قيادات حزبية وسياسية تقف في صفوف المعارضة لرئاسته، فإن لذلك أسبابه وفق أسس التجربة السياسية في تلك الفترة. الحاصل أنه بعد ثورة 1919 وصدور دستور 1923 أول دستور مصري تم تفعيله في تاريخ مصر الحديثة نص على إقامة حياة نيابية في مصر، ولأول مرة يختار الشعب حُكم بلاده من خلال اختيار أعضاء مجلس النواب والمسمى آنذاك بـ"مجلس الشيوخ". وبعد حصول الوفد أغلبية المقاعد بواقع 195 مقعدًا، رأس المجلس الزعيم سعد زغلول في الفترة بين "24 ديسمبر1924 ـ 23 مارس 1925".
ثم رأسه في الفترة الممتدة بين "10 يونيو 1926 ـ 22 أغسطس 1927" في عهد الملك فؤاد الأول، ليخرج عدد من القوانين المنظمة للحياة السياسية والاجتماعية في مصر.
بالمثل، جاء مصطفى النحاس باشا إلى منصب رئيس البرلمان في عهد الملك فؤاد الأول (7 نوفمبر 1927-15 مارس 1928)، بل إنه تم أيضـًا اختيار كتاب ومفكرين مرموقين للمنصب مثل محمد حسين هيكل باشا (16 يناير 1945-17 يونيو 1950). ما من شك أن محمد حسين هيكل هو أحد أعلام مصر، فقد اشتهر بالسياسة والقانون والأدب ولم يترك مجالًا من مجالات الحضارة البشرية المعرفية إلا وأسهم فيه بنصيب وافر. وفي أواخر عهد الملك فاروق في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقت أن كانت البلاد تترنح بين تغيير الوزارات وتعدد الانتخابات والبرلمانات، اعتلى هيكل باشا منصة البرلمان في الفترة من 16 يناير 1945 – 17 يونيو 1950. وبتلك الفترة التي استمرت قرابة خمسة أعوام ونصف العام يعد هيكل باشا أحد أكثر رؤساء مجلس الشعب بقاءً في المنصب في فترة ما قبل ثورة 23 يوليو 1952.
تولى الدكتور أحمد ماهر باشا رئاسة البرلمان المصري فترة واحدة فقط في عهد الوصاية بين يومي 23 مايو 1936 و1 فبراير 1938 وهي واحدة من أهم الفترات في تاريخ مصر الحديث؛ إذ شهدت وضع دستور 1936 الذي ترتب عليه تغير جذري في الحياة السياسية والاقتصادية للمصريين، في وقت كانت فيه البلاد تموج بعدد لا حصر له من التحديات الداخلية والخارجية، خاصة أن تلك الفترة كانت هي الإرهاص الحقيقي للحرب العالمية الثانية.
أما ثورة 23 يوليو 1952 فقد فرضت اختيارات جديدة، ركزت في الأساس على قيادات من الضباط الأحرار مثل عبداللطيف البغدادي، الذي تولى المنصب من 22 يوليو 1957 وحتى 4 مارس 1958.
كما شغل محمد أنور السادات، رئاسة البرلمان المسمى آنذاك "مجلس الأمة" لفترتين في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الفترة الأولى كانت من 21 يوليو 1960 إلى 27 سبتمبر 1961 والثانية من 26 مارس 1964 وحتى 12 نوفمبر 1968 ومن بعدها شغل منصب نائب رئيس الجمهورية. وفي تلك الفترة كانت البلاد تموج بالتحديات الخطيرة خاصة في العلاقات المصرية-الإسرائيلية، وكان البرلمان طرفـًا في إصدار قرارات إعادة تسليح الجيش وتوفير الاحتياطات التموينية وتنظيم صفوف القوات على جبهة القتال.
لاحقـًا، ظهر ممثل للوزراء التكنوقراط، وهو دكتور محمد لبيب شقير (الأستاذ بكلية الحقوق، وكذلك المستشار في صندوق النقد الدولي) الذي شغل منصب رئيس البرلمان من 20 يناير 1969 وحتى 14 مايو 1971.



وإذا كان البغدادي والسادات وشقير هم رؤساء البرلمان في عهد عبدالناصر، فإنه مع رحيل الأخير وبدء عهد الرئيس السادات صدر دستور جديد للبلاد في 11 من سبتمبر 1971 ظل ساريـًا إلى أن صدر إعلان دستوري عقب ثورة 25 يناير 2011، يتضمن قرارًا بتعطيل العمل بأحكامه؛ وفي عام 1976 أجريت الانتخابات التشريعية على أساس تعدد المنابر داخل الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو التنظيم السياسي الوحيد الذي كان قائمـًا في ذلك الوقت.
 تشكل أول مجلس في عهد السادات وعقد أولى جلساته في 11 نوفمبر 1971 وهو أول مجلس يستكمل مدته الدستورية وهي خمس سنوات، برئاسة حافظ بدوي (14 مايو 1971-7 سبتمبر 1971) ثم (11 نوفمبر 1971-22 أكتوبر 1974)، وبدوي بدأ حياته مدرسـًا ثم عمل بالمحاماة وتولى وزارة الشؤون الاجتماعية.
 وأعقبه في المنصب المهندس الزراعي سيد مرعي (23 أكتوبر 1974-3 نوفمبر 1978)، وكان مرعي الرجل الموثوق به في العقلية الإستراتيجية للرئيس السادات. على مدى أربعة أعوام جلس سيد مرعي على منصة رئاسة مجلس الشعب في فترة شديدة الأهمية بعد حرب أكتوبر من يوم 23 أكتوبر 1974 وحتى 3 نوفمبر 1978. وخلال تلك الدورة التشريعية أقر المجلس عددًا من النصوص التشريعية التي غيّرت توجه الدولة من الاشتراكية الموجهة إلى الرأسمالية الانفتاحية.
في مرحلة تالية، جاء الدكتور صوفي أبو طالب (أستاذ القانون بجامعة القاهرة ثم رئيس جامعة القاهرة)، الذي تولى المنصب من نوفمبر 1978 وحتى 4 نوفمبر 1983، حيث استمر في تولي منصب البرلمان عقب اغتيال الرئيس السادات.
في عهد الرئيس حسني مبارك، استمر الدكتور صوفي أبو طالب في رئاسة المجلس وذلك حتى 4 نوفمبر من عام 1983، ليأتي بعده دكتور محمد كامل ليلة (الذي بدأ حياته معاون نيابة ثم أصبح أستاذًا في الجامعة) وتولى منصبه من 5 نوفمبر 1983 وحتى 22 يونيو 1984.
أربعة رؤساء جلسوا على منصة رئاسة مجلس الشعب في فترة الرئيس الأسبق مبارك، كان من بينهم رجل الدولة البارز الدكتور رفعت المحجوب (عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) الذي تولى المسؤولية فترتين متتاليتين امتدتا بين يومي 23 يونيو 1984 حتى 24 فبراير 1987 ثم من يوم 23 إبريل 1987 حتى 12 أكتوبر 1990؛ إذ طالته يد الغدر والإرهاب من خلال عملية نفذها مسلحون متطرفون على مقربة من كوبري قصر النيل وسط القاهرة في أثناء مرور موكبه باتجاه المجلس، حيث أطلق الإرهابيون على موكبه وابلًا من الرصاص نتج عنه اغتياله وطويت صفحة أحد أبرز الرجال في تاريخ الحياة البرلمانية المصرية بالقرن العشرين.
ويعد الدكتور أحمد فتحي سرور صاحب الرقم القياسي في رئاسة البرلمان؛ حيث تولى رئاسة مجلس الشعب لفترة تجاوزت 20 عامـًا من 13 ديسمبر 1990 وحتى نهاية الدورة في العام 1995، ثم الدورة الثانية من ديسمبر 1995 حتى نهاية الدورة في العام 2000، ثم الدورة الثالثة في الفترة من ديسمبر 2000 حتى نهاية الدورة في 2005 ثم الدورة الرابعة من ديسمبر 2005 وحتى 2010، وأخيرًا في برلمان 2010 المنحل بالقرار رقم 3 الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي، في أعقاب ثورة 25 من يناير 2011. وبذلك يعد فتحي سرور (الذي تدرج قبل ذلك في مناصب معاون نيابة ثم مدرس بالجامعة حتى عميد كلية حقوق) صاحب أطول فترة زمنية في رئاسة البرلمان على الإطلاق عبر كل العصور.
  عقب ثورة 25 يناير تولى القيادي الإخواني الدكتور محمد سعد الكتاتني (أستاذ علم النباتات بكلية علوم جامعة المنيا) رئاسة مجلس الشعب من 23 يناير 2012 وحتى 12 يونيو 2012 بصدور حكم قضائي بحل البرلمان، الذي حاول محمد مرسي إعادته إلى الحياة بعد انتخابه رئيسـًا للبلاد، لكن المحكمة الدستورية تصدت له.
الشاهد أنه منذ ثورة يوليو 1952، مر على البرلمان المصري 11 رئيسـًا، جميعهم كانوا منتخبين في دوائرهم الانتخابية ثم انتخبوا من أعضاء المجلس لمنصب رئاسة البرلمان، باستثناء الدكتور رفعت المحجوب الذي تم تعيينه في عهد مبارك ليترأس البرلمان.

صفحة جديدة لبرلمان آخر، يقوده هذه المرة أيضـًا أستاذ جامعي، هو علي عبدالعال، وسط تركيبة متنافرة ومتناقضة لاعضاء البرلمان، وتحديات كبيرة أمام مجلس النواب حتى يمارس دوره الرقابي والتشريعي المأمول.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "رؤساء البرلمان.. باشوات وأكاديميون"

أكتب تعليقا