وطن محلك سر

| |






نحن على عتبات غضبٍ شعبي جديد.
لا نعرف إن كان بيننا من يدرك ذلك حق قدره، ولكن لا شيء على الأرض حتى اللحظة يدعو إلى التفاؤل.
المؤقت هزم الدائم، والبائد أزاح الخالد، ولم يعد أمامنا سوى التخبط والارتباك، وقبح سائد يحاول بفجاجةٍ تجميل الصورة القاتمة، وهو يطالبنا بأن نحيا بالخوف من الفشل، لا الأمل في النجاح.
اتسعت دائرة غياب العدل وتجاهل روح وقواعد العدالة، لتصنع خارطة "مظالم المواطن"، التي تتمدد يوميـًا بطول البلاد وعرضها وتهدد الدولة والمجتمع بأخطار حقيقية وليست متوهمة أو أسطورية كتلك التي تروج لها صناعة الخوف ونظريات المؤامرة.
في الأفق غيومٌ من يأس، بعضُه مُقيم.
إن جغرافيا الحزن والعقاب والإقصاء تهدد تماسك الدولة، وسط تجاهل فاضح لمطالب العدالة الاجتماعية بمفهومها الواسع والشامل. حين تتراكم المظالم اعتقالاً وسجنـًا وانتهاكـًا وقمعـًا، يُزج بالمجتمع إلى دائرة لعينة من غياب العدل وتجاهل روح وقواعد العدالة.
وفي ظل التقصير الفادح والفاضح في الاستجابة للمطالب الأساسية لثورتَي 25 يناير و30 يونيو، فإنه سيكون واهمـًا كل من يظن أن الثورة قد طوت أعلامها وانفضت جماهيرها يائسة من القدرة على التغيير.
من سحقناهم فقرًا، قد يسحقوننا في الغد غضبــًا.
الأكيد أن التغيير ممكن؛ لأن الشعب الذي اختار أن يصنع مصيره مرتين في ثلاث سنوات قادرٌ على فرض إرادته مرة أخرى إذا ما اضطرته الظروف لذلك.
يثور المصريون ثقة في أن الإصلاح يجدد عافية الدولة ويستأصل أسباب مرضها وأورام ضعفها، التي تنهش في الجسد. الثورة هي ثمرة الوعي وإرادة التحرر، في مواجهة أجيال عاجزة تحارب من أجل عودة الماضي بكل صلفه وفساده وسوء إدارته.
الأخطر من ذلك أن أهل النظام الدكتاتوري الذي أسقطه الميدان، ما زالوا من القوة بحيث يمكنهم التخريب، في ظل حالةٍ من الانقسام والاستقطاب المجتمعي الحاد وسطوة خطابات الإقصاء على المجال العام وعودة الكثير من الممارسات (قبل الوجوه) القمعية من قبل أصوات محسوبة على السلطة والنخب الاقتصادية والمالية والإعلامية المتحالفة معها، وشن حروب تسفيه ضد كل حديث عن ضرورة وقف انتهاكات الحقوق والحريات، أو أي مبادرة لتحقيق مصالحةٍ وطنية شاملة وفق المبادئ الراسخة والمتعارف عليها دوليـًا للعدالة الانتقالية.
ليس ثمة ما يمنع ورثة الاستبداد وأتباعه، في ظل فوضى الشعارات وغياب معايير ترجيح الصواب على الخطأ، من أن يلبسوا لبوس الثوار ويشقشقوا ألسنتهم بالشعارات لتزخيم الفوضى الفكرية، بحيث يفقد المواطن القدرة على التمييز بين حماة غده ومخربي حاضره الذين يريدون للبلاد أن تظل أسيرة ماضي سيطرتهم بالفوضى الآخذة إلى التيه.
لقد تمكن الشعب من إسقاط حسني مبارك ثم محمد مرسي وبينهما سلطة المجلس العسكري. تغير رجال واختفت وجوه وتبدلت أسماء، لكن السياسات لم تتغير.
سقطت الجمهورية الثانية، لكن الجمهورية الثالثة لم تقم بعد.
وليس من مُنقذٍ إلا بعودة الروح إلى "الميدان"، وتلاقي أهل الثورة على مشروع نهوض وطني يجمع ولا يفرق، ويقوم على قاعدة برنامج يجمع الإمكانات والأهداف، ويعزز الوحدة الوطنية ويكشف المزايدين، في الداخل، ويعطل بيع الثورة وميدانها بالمزاد العلني والمناقصة السياسية.
لا يجوز إضاعة الوقت في الحديث عن ينبغيات لا تتحقق، ولا يصح الركون إلى السيناريو المعتاد ذي الأضلاع الثلاثة: جلد الذات، وتوثيق الإخفاقات، وتوجيه الاتهامات، والذي يُفضي في كل الأحوال إلى إشاعة مزيد من الإحباط والانهزامية.
العدالة بوابة الخروج من التيه.
إن إزالة المظالم تمثّل المدخل العملي والواقعي للاقتراب من تحقيق العدالة، وجواب التاريخ والمنطق يؤكد أن الوسيلة الأنجع لتحقيق ذلك هي المشاركة الشعبية المجتمعية المنظّمة الفاعلة. ذلك أن أمرًا خطيرًا ومصيريـًا كأمر إزالة الظلم وتحقيق العدالة لا يمكن تركه فقط للمشرّع أو لسلطة الحُكم أو للحزب القائد أو للقائد الملهم أو للجيش الوطني، وإنما يحتاج أولاً وفي الأساس لإرادة شعبية مجتمعية تتجسد في مؤسسات وتنظيمات وحراكات، وعند الضرورة في ثورات، إرادة تفرض نفسها ومطالبها على كلّ أولئك من مشرعين وسلطات وقيادات.
ومع الأسف، فإن وجود مثل تلك الإرادة والمشاركة الشعبية المجتمعية مازال متعثّرًا في مجتمعنا لسببين: الأول بسبب ابتلاع سلطات الدولة لمجتمعاتها لإبقائها كسيحة عاجزة تابعة، والثاني بسبب عدم الوعي الشعبي بأهمية وجود مثل تلك الإرادة وتنظيمها نتيجة لانتشار الجهل والتخلف الفقهي والحضاري، ونتيجة لقلّة الخبرة بسبب غياب الممارسة الديمقراطية.
في فسيفساء المشهد المعقد كل صور وآثار المعارك الداخلية والدامية لما بعد ٢٥ يناير، التي يريدون الآن تصوير تداعياتها على أن جبل الدولة المصرية العتيدة بمؤسساتها التقليدية لا تهزه ريح، وقد كانت ثورة يناير في مواجهته ريحـًا مرت وخبت.
من نافلة القول إن إعصار الإفساد والتشويه ملأ الأجواء في مصر بالسموم التي تحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير لإزالة آثارها. أما الديمقراطية فهي ليست قهوة سريعة التحضير. إنها ثقافة، وممارسة، ومؤسسات.
مصر هي "أم الدنيا" في الكلام الذي لا يكلفنا مالاً ولا يحتاج رؤية أو شجاعة أو جهدًا. بقي أن نعمل على إنقاذها من عوامل القبح والفساد والظواهر السلبية التي تملأ محافظاتها ومدنها وأحياءها وشوارعها، وتتفشى في مؤسساتها وهيئاتها.
إن اللحظة التي تمر بها مصر لا تسمح مطلقـًا بخداع أحد، ولا يمكن أن يكون لنا عهدٌ جديد هو سليل عهد سابق لفظه الشعب وثار  على أركان نظامه.
في الظروف السياسية الراهنة، تحتاج مصر إلى خلق دولة قوية تقوم على سيادة القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة وتوفر وسائل المحاسبة ومساءلة السلطة الحاكمة بها، مصر بكل تأكيد لا تحتاج إلى دولة قامعة باطشة تتجاهل الحقوق والحريات الأساسية وتسعى لترقب المواطنين وموراقبتهم مع كل شهيق وزفير. الدولةُ هي سياجُ الحرية، وجدارُ الهوية، وحصنُ الانتماء، ولكن لا يجوز لها أن تكون قيدًا على الحرية، ولا أن تصبح راعيـًا رسميـًا للتخلف والبؤس والفقر وسوء الخدمة وتدهور المرافق.
إن الثورة لا تنشب لمجرد التعرض للاستبداد والقهر والاستعباد وتوحش رأس المال والنفاق الاجتماعي والجمود العقائدي، بل بسبب وصول هذه العوامل أو بعضها إلى حالة تولد شعورًا باستحالة الاستمرار في الاستكانة لها. فالشعور بالظلم هو الذي يدفع الرغبة ويولد في النفس الاعتقاد بضرورة التغيير والسعي لامتلاك القدرة على إحداثه.
الظلم وقع، وشعرنا به جميعـًا؛ لذا كانت الثورة.
بقي أن نحافظ على مكاسب ثورتنا، وأن نشتبك مع ما يجب الاشتباك معه، كي نمنع من يحاولون القفز عليها وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لقد شهد الماضي الكثير من الاستدراج، والدخول في معارك كان يمكن تجنبها، وحروب لم تكن من الضرورات، وهذا يجعل مسألة التركيز على المستقبل دون إهدار للجهود والطاقات والإمكانات ضرورة لا غنى لنا عنها. وما نحتاجه أحيانـًا هو قدرٌ من الخيال، وإبداع في البحث عن البدائل، حتى نحقق ما نصبو إليه.
إن المستقبل السياسي لمصر يُكتب بوعي أهلها، وقدرتهم على الفرز الصحيح بين من يطمع في السلطة والنفوذ ومن يعمل من أجل إنقاذ المحروسة من مخاطر تحدق بها من كل جانب، وخاصة في الداخل المرتبك إلى أقصى حد.
وإذا كانت مصر دولة عتيقة تحتاج تجديدًا وتحديثـًا وتتطلب إصلاحات ضرورية، فإنه يظل الأمل في أن تنهض مصر، برغم الصعاب وأسباب الضعف، وأن تباشر دورها الذي لا بديل عنه، فهي -بداية وانتهاء- "الدولة" ذات الشرعية التاريخية وذات الركائز الثابتة على اختلاف العصور.
ليس أمامنا سوى العمل بجدية في إطار الرغبة في الإصلاح، وشرح الحقائق، دون ضياع لبوصلة الفعل أو فقدان للأمل في حاضر وغدٍ أفضل أو غرق جماعي في دوائر "المظلومية".  
نعلم أن البناء لا يبدأ قبل إزالة الركام ورفع الأنقاض، وندرك أن من يجربون المسارات نفسها التي قادت للفشل لن يحققوا أي نجاح وسيكررون الإخفاق بصور أكثر كارثية وأشد فداحة.
هذا هو واقعنا الذي يجب أن نتأمله ونفكر فيه. لا نتعالى عليه ولا ننكر، ولا نتصور أن الخروج منه سيحدث بإلقاء اللعنات عليه.
وأول التأمل القراءة.. والتدبر.
من مقدمة كتابي "وطن محلك سر"، دار اكتب، القاهرة، 2015.


أماكن التوزيع

 القاهرة :
1-     مكتبة ديوان 
159 ش 26 يوليو، الزمالك
هاتف: 26908184
مصر الجديدة : 105 ش أبو بكر الصديق
هاتف:  27362582 - 26908184
2-مكتبة دار الشروق – ميدان طلعت حرب
هاتف: 0223930643
سيتي ستارز - مدينة نصر
هاتف:  23912480 - 25735035- 24802544
3-روعة بوك ستور - 30 ش حسن عاصم، من ش البرازيل - الزمالك
هاتف:
01140178144
4- عمر بوك ستور - ش طلعت حرب، فوق فلفلة
هاتف: 23960047 / 01003361217
5- مكتبة ليلى - وسط البلد، بجوار الخطوط الجوية الليبية
6- مكتبة ألف -  ش الميرغني، مصر الجديدة, القاهرة
هاتف: 0224192396
7- مكتبة تنمية بوسط البلد، 18 ش هدى شعراوي متفرع من ش طلعت حرب، خلف مول البستان 
هاتف: 01005029128/01111139636
8- مكتبة مدبولي - ميدان طلعت حرب
هاتف: 0225756421
9- مكتبة فكرة - سيتي ستارز - مدينة نصر
10- مكتبة كتب خان- المعادي
11- مكتبة الشرق الأوسط والجمل بالمطار
المنصورة:
1-      مكتبة بوكس آند بينز: 7 ش جزيرة الورد - المشاية السفلية
هاتف: 0502242285
2-    المكتبة العصرية: المشاية السفلية، بجوار فندق مارشال الجزيرة
3-    مكتبة كلمات: أمام كلية طب الأسنان - عمارة غانم، الدور الأول علوي
4-   مكتبة الشوبري: أمام بوابة الجامعة، ش جيهان
5-   مكتبة الصحافة
الإسكندرية :
1-     مكتبة منشأة المعارف:
44 ش سعد زغلول - محطة الرمل
هاتف: 01221214657
2-     مكتبة روايات الشباب
3-     مترو سان ستيفانو مول
هاتف: 01003528603
4-     مكتبة ديوان بالإسكندرية
5-     مكتبة أكمل مصر
6-     مكتبة ليليت
7- الخياط بوك ستور
طنطا:
‏المكتبة القومية الحديثة: 6 شارع القاضي
هاتف: 0403349069
الشرقية /الزقازيق:
1-     الميدان
2-     مكتبة حروف
بورسعيد:
1-     كتابيكو
2-     أولاد نسيم
أسيوط:
مكتبة ألف
مكتبة ومضة
الأقصر:
مكتبة حرف - حي الفيروز ، ش عبدالله بن مسعود، أمام مديرية الأمن

*       الإمارات:
1-     مكتبة زين المعاني
2-     كينكونيا - دبي مول
3-     بوردرز
*      الكويت:
مكتبة ذات السلاسل
** يمكن طلب الكتاب من دار اكتب للنشر ليتم توصيله لكم في أي مكان
هاتف:
01147633268
01144552557
كما يمكن طلب مؤلفاتي أونلاين من:
مكتبة اكتب أونلاين
https://www.facebook.com/oktobbookstore?ref=hl&ref_type=bookmark
موقع النيل والفرات الإلكتروني


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

7 التعليقات على "وطن محلك سر"

أكتب تعليقا