الحد الأقصى للأجور.. قصة السقوط الكبير

| |

تتسارع وتيرة انهيار الحد الأقصى للأجور بموجب قرارات حيناً وأحكام في أحيان أخرى.
وفي الوقت الذي يتوقع فيه كثيرون صدور حكم لصالح موظفى البنك المركزي المصري، بشأن إلغاء تطبيق قانون الحد الأقصى للأجور عليهم، يبدو هذا الاحتمال مرجحاً، بعد أن صدرت أحكام سابقة من محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، بإلغاء تطبيق القرار على عدد من البنوك، والتي جاء على رأسها بنوك القاهرة والمصرف المتحد والأهلي المصري.
العاملون في البنك المركزي يرون أن تطبيق القرار لم يكن مدروسا بشكل جيد منذ البداية، استنادا إلى بعض المواد القانونية التي تشير إلى أن أموال البنك المركزي هي أموال خاصة.
لم يحظ الحد الأقصى للأجور بنفس زخم مناقشات الحد الأدنى، وبدأ الحديث المكثف حوله بعد ثورة يناير، حيث طالب حقوقيون وسياسيون بتطبيق حد أعلى للأجور، لتوفير موارد الدولة وتوسيع قاعدة هيكلة الأجور لتصبح أكثر عدالة.
تُشكل الدخول المتفاوتة وغير المنضبطة بابـًا واسعـًا للفساد وعدم الاستقرار الاجتماعي. في أكتوبر ٢٠٠٩ نشر جمال طايع في "روز اليوسف" قائمة برواتب مديري البنوك المصرية والتي وصلت إلى أن بعضهم كان يتقاضى ٣٣ مليون جنيه سنويـًا بخلاف نسبة من الأرباح وبدل حضور لجان وغيرها. قبل يناير ٢٠١١ تبين أن رئيس مجلس إدارة مؤسسة "الأهرام" يتقاضى ١٢ مليون جنيه سنويـًا، وقِس على ذلك الكثير.
كان المجلس العسكري قد أصدر في ديسمبر 2011 المرسوم بقانون رقم 242 لسنة 2011، الذي يقضي بألا يزيد الحد الأقصى للأجر على 35 مثل الحد الأدنى لمجموع أقل دخل، وتم تحديد الحد الأدنى للدخل بـ683 جنيهـًا. غير أن هذا المرسوم بقانون سرى على الحكومة فقط، أي أنه شمل أقل من 200 ألف من المعينين وقتها (فقط 2% من الأيدي العاملة في مصر). ولا عزاء لباقي العمال والموظفين الفقراء في القطاع الخاص، بل وفي هيئة مثل النقل العام، حيث يحصل السائق بعد عشرة أعوام على أقل من 500 جنيه.
وبعد تولي د. كمال الجنزوري رئاسة الوزراء في ديسمبر 2011 أصدر قرارًا بتطبيق مرسوم القانون، على أن يبدأ التنفيذ من يناير 2012. وينص المرسوم على ألا يزيد مجموع الدخل الذي يتقاضاه أي شخص من الخاضعين لأحكام قانون العاملين المدنيين بالدولة، على خمسة وثلاثين مثل الحد الأدنى لمجموع أقل دخل في الجهة التي يعمل بها، وينطبق على كل ما يتقاضاه سواء كان في شكل راتب أو مكافأة أو حافز أو أجر إضافي أو بدل أو مقابل حضور جلسات مجلس إدارة أو لجان، وسواء في جهة عمله أو أي جهة أخرى، على أن تؤول إلى الخزانة العامة المبالغ التي تزيد على الحد الأقصى، وإلزام من تقاضاها بردها إلى جهة عمله قبل مضي ثلاثين يومـًا من انتهاء السنة المالية، مع فرض غرامة على الممتنع.
وفي أثناء حُكم الإخوان المسلمين، أصدر وزير المالية الأسبق المرسي حجازي منشورًا عامـًا برقم 1 لسنة 2013 يطالب من يتعدى دخله 35 ضعف الحد الأدنى للدخل بنفس الجهة بتقديم إقرار عن كامل دخله، مع سداد أي مبالغ تزيد على الحد الأقصى، وذلك في موعد أقصاه 30 مايو من كل عام.
وفي سبتمبر 2013، خاطبت وزارة المالية جميع الجهات الحكومية لاتخاذ إجراءات تطبيق الحد الأقصى لدخول العاملين بكل جهة على حدة، وربطه بالحد الأدني، بأثر رجعي من أول يوليو 2013. و في نوفمبر من نفس العام، أصدر د. حازم الببلاوي -رئيس الوزراء السابق- قرارًا بتحديد الحد الأقصى للدخل في الجهاز الإداري للدولة بـ35 مثل الحد الأدنى, وبحيث لا يتجاوز 42 ألف جنيه، واتخاذ الإجراءات القانونية لتطبيق ذلك ابتداء من أول يناير 2014، وتكليف وزيرَي المالية والتنمية الإدارية بتحديد الآليات اللازمة لتنفيذ ذلك. وأخيرًا في حكومة المهندس إبراهيم محلب، تم إصدار قرار بتطبيق الحد الأقصى للأجور ليشمل جميع ما يتقاضاه الموظف العام من بدلات حضور وانتقال وخلافه، وإلزام مراقبي حسابات المالية والجهاز المركزي للمحاسبات بتنفيذ هذا القرار، وعليهم وعلى كل الأجهزة الرقابية الأخرى الإبلاغ عن أية مخالفة، وإلزام من صرفت إليه المبالغ الزائدة بردها فورًا، وكان من المفترض أن يبدأ العمل بالقرار في 26 مارس 2014.
في 3 يوليو 2014 أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي، قرارًا بقانون بتحديد الحد الأقصى للعاملين بأجر لدى أجهزة الدولة سواء في الحكومة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة والقومية الخدمية والاقتصادية وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة والعاملين بقوانين وكادرات خاصة بمبلغ ٤٢ ألف جنيه شهريـًا، وهو ما يمثل 35 ضعفـًا من الحد الأدنى (1200 جنيه).
وقال القرار إن الحد الأقصى للأجر ينطبق على "العاملين الذين تنظم شؤون توظفهم قوانين أو كادرات خاصة وذلك سواء كان العامل شاغلاً لوظيفة دائمة أو مؤقتة أو مستشارًا أو خبيرًا وطنيـًا أو بأي صفة أخرى وسواء كان ما يتقاضاه من جهة عمله الأصلي أو من أي جهة أخرى بصفة مرتب أو أجر أو مكافأة لأي سبب كان أو حافز أو أجر إضافي أو جهود غير عادية أو بدل أو مقابل حضور جلسات مجالس إدارة أو لجان‭‭‭‭‬‬‬."

غير أن الحد الأقصى للأجر "لا يسري على العاملين بهيئات التمثيل الدبلوماسي والقنصلي والتجاري وغيرهم ممن يمثلون جمهورية مصر العربية أثناء مدة عملهم في الخارج".
صدر هذا القرار بقانون -حسب بيان رئاسة الجمهورية- إعمالاً لنص المادة السابعة والعشرين من الدستور، التي جاء في فقرتها الأخيرة أنه "يلتزم النظام الاقتصادي اجتماعيـًا بتكافؤ الفرص والتوزيع العادل لعوائد التنمية وتقليل الفوارق بين الدخول والالتزام بحد أدنى للأجور والمعاشات يضمن الحياة الكريمة، وبحد أقصى في أجهزة الدولة لكل من يعمل بأجر وفقاً للقانون".
وبينما تم تحديد راتب رئيس الجمهورية بموجب قرار بقانون صدر في مايو 2014، بحيث لا يتجاوز إجمالي ما يحصل عليه الرئيس شهريـًا مبلغ 42 ألف جنيه، مقسمة مناصفة بين الراتب الشهري وبدل التمثيل، فإن السيسي قال إنه سيكتفي بنصف هذا الراتب.
وإذا كان وزير المالية هاني قدري، أكد أنه لن تحدث استثناءات للقضاء، ورجال الشرطة، والقوات المسلحة، وقطاع البترول، وقطاع البنوك من تطبيق الحد الأقصى للأجور، وأن القانون لايستثني أحدًا، وسيطبق على الجميع، فإن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، كشف أن عددًا من المؤسسات في مقدمتها الهيئات القضائية -عدا النيابة الإدارية- رفضت مد الجهاز بالمعلومات حول إجمالي ما يتقاضاه كافة العاملين بهذه الهيئات. ولفت إلى أن وزارة الداخلية رفضت أيضـًا التعاون مع الجهاز، كاشفـًا أن إجمالي مخصصات وزارة الداخلية في الموازنة العامة للدولة 23.5 مليار جنيه، منها 19.5 مليار جنيه للأجور و4 مليارات فقط تُصرف على التجهيزات ورفع الكفاءات.
وأشار رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات إلى أن البنوك تصدرت قائمة الجهات التي تتجاوز الحد الأقصى للأجور، قائلاً إن "هناك رئيس بنك يحصل على 2 مليون جنيه شهريـًا". وأضاف أن بعض شركات البترول والطيران والاتصالات تتجاوز أجور عدد من العاملين فيها الحد الأقصى.
نشير هنا إلى حُكم مهم أصدرته محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، يقضي بإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء السلبي بالامتناع عن إدراج رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، والوزراء، والمحافظين، ضمن الفئات الواردة بقراره رقم 322 لسنة 2012، وما يترتب على ذلك من آثار بإخضاعهم للحدين الأقصى والأدنى للدخل كسائر العاملين في الدولة، وألزمت الجهة الإدارية بالمصروفات.
قالت المحكمة في حُكمها، الذي صدر برئاسة المستشار د. محمد عبدالوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة، رئيس المحكمة، إن المرسوم بقانون الصادر من المجلس العسكري السابق قد تضمن قاعدة عامة بموجبها يخضع أي شخص يعمل في الدولة، أيـًا كانت صفته ووظيفته ولو كانت مؤقتة، للحد الأقصى للدخول، ولا يجوز أن يزيد مجموع الدخل، الذي يتقاضاه من المال العام على 35 مثل الحد الأدنى، لمجموع أقل دخل في ذات الجهة التي يعمل بها، وإلزام رئيس مجلس الوزراء بإصدار قرار تنفيذي للمرسوم بقانون.
ويبدو أن معركة الحد الأقصى للأجور ستظل مشتعلة على عدة جبهات، في محاولة لتفريغ الفكرة من مضمونها وأبعادها المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الحد الأقصى للأجور.. قصة السقوط الكبير"

أكتب تعليقا