مافيا الفساد في إمبراطورية «الفيفا»

| |




تأتى حملة الاعتقالات التى شنَّتها السلطات السويسرية وشملت 6 مسؤولين فى الاتحاد الدولى لكرة القدم «الفيفا»، من بين 10 على لائحة اتهام لديها، لتعيد فتح ملفات فساد «الفيفا»، وتشمل قائمة المشتبهين كلا من: جيفرى ويب من جزر كايمان، نائب رئيس اللجنة التنفيذية لـ«الفيفا»، والبارجوايانى يوجينيو فيجيريدو، الذى يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذى، وكان رئيس اتحاد كرة القدم فى أمريكا الجنوبية حتى وقت قريب، بالإضافة إلى جاك وارنر من ترينيداد وتوباجو، وهو عضو سابق فى اللجنة التنفيذية، واتهم بعديد من الانتهاكات الأخلاقية.

من ضمن الاتهامات الموجَّهة لهؤلاء المسؤولين على مدى العقدين الماضيين، تلقّى رشاوى بخصوص استضافة بعض الدول لبطولة كأس العالم، وكذلك تمرير صفقات تتعلق بالتسويق وحقوق البث التليفزيونى للمباريات، وتشمل الاتهامات أيضا الاحتيال والابتزاز وغسيل الأموال، وقال مسؤولون سويسريون إنهم استهدفوا أعضاء اللجنة التنفيذية لـ«الفيفا» الذى يتمتَّع بقوة هائلة، وعادةً ما تحاط أعماله بالسرية إلى حدّ كبير.

تعدّ حملة الاعتقالات ضربة مفاجئة وقوية لـ«الفيفا»، الذى يعدّ من المنظمات الأكثر ثراءً فى العالم، ويتحكَّم فى الرياضة الأكثر شعبية عالميا، وقد راجت اتهامات فساد كثيرة ضده خلال الآونة الأخيرة.

الشاهد أنه منذ أن تولى جوزيف سيب بلاتر رئاسة «الفيفا» عام 1998، وهو يواجه اتهامات بالفساد وتلقى رشاوى، واستخدام لعبة كرة القدم كتجارة رابحة هو أوَّل المستفيدين منها، وآخرها التشكيك فى قرار منح تنظيم كأس العالم 2022 لقطر، مقابل أموال طائلة.

قبل نحو 10 سنوات، أصدر الصحفى البريطانى، أندرو جيننج، الذى يعمل فى قسم التحقيقات الرياضية بصحيفة «ديلى ميل» البريطانية واسعة الانتشار كتابا تحت عنوان «فاول» أو «مخالفة» على قرار مصطلحات كرة القدم، حوى الكتاب بين دفتَيْه اتهامات بالفساد المالى والإدارى والمحسوبية واستغلال النفوذ، إضافة إلى الرشاوى والتلاعب بتذاكر دخول المباريات وشراء الأصوات، دمغ بها الاتحاد الدولى لكرة القدم ورئيسه جوزيف بلاتر.

غاص الكتاب فى أعماق العالم السرى لدولة «الفيفا» والرشاوى والتلاعب بالأصوات فى الانتخابات وفضائح تذاكر المباريات.. إنها قصة السلطة والمال والعائلة وكرة القدم.

«العائلة» تعدّ أكثر الألفاظ استعمالا بواسطة رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم بلاتر، وعندما يتحدَّث هذا السويسرى عن «الفيفا» فإن لفظ «العائلة» يناسب العلاقة العنكبوتية التى تجمع العاملين بـ«الفيفا»، وعائلة «الفيفا» أقدم من بلاتر.

مع دخول المال والاحتراف والإعلانات والتسويق التجارى على الخط، انتشرت حكايات الفساد والمخالفات المالية والصفقات خلف الأبواب الموصدة، والاتهامات بتوزيع رشاوى، سواء داخل «الفيفا» أو الأندية أو المنتخبات الكروية.

ولعل أوضح مثال على ذلك ما كشفته وثائق نشرتها المحكمة العليا فى سويسرا من أن الرئيس السابق لـ«الفيفا»، البرازيلى جواو هافيلانج، حصل على رشوة من الشريك التسويقى السابق لـ«الفيفا» «آى إس إل»، الشركة التى أعلنت إفلاسها عام 2001، وأظهرت الوثائق أن هافيلانج الذى تربَّع على رئاسة الاتحاد الدولى لمدة 24 عاما قبل أن يخلفه السويسرى جوزيف بلاتر عام 1998، حصل على مبلغ قدره 1.5 مليون فرنك سويسرى من «آى إس إل»، بينما نال رئيس الاتحاد البرازيلى وعضو اللجنة التنفيذية فى «الفيفا» سابقا، ريكاردو تيكسييرا، 12.74 مليون فرنك سويسرى على أقل تقدير.

الوثائق التى نشرتها المحكمة تشير إلى أن بلاتر كان على علم بحصول هافيلانج وتيكسييرا على الأموال، وأن الاتحاد الدولى اضطر إلى دفع مبلغ 5.2 مليون فرنك سويسرى تعويضا، شرط أن يتم إسقاط أى إجراء قضائى ضد هافيلانج وتيكسييرا، وكان هافيلانج استقال فى أواخر عام 2011 من اللجنة الأوليمبية الدولية قبل أيام من جلسة التحقيق المقررة معه فى هذه القضية بالذات. وجاءت استقالة هافيلانج لتفادى إيقافه من قبل اللجنة الأوليمبية الدولية، فى حين بررت الصحف البرازيلية استقالته بتقدمه فى العمر وسوء حالته الصحية.

أما بالنسبة إلى تيكسييرا فقد استقال بدوره من رئاسة الاتحاد البرازيلى وعضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولى ومن منصبه كرئيس للجنة المحلية المنظمة لمونديال 2014. بالمثل، كشفت تحقيقات مسجَّلة وموثقة أجرتها صحيفة «صنداى تايمز» البريطانية عام 2010 عن رائحة فساد ورشاوى داخل إمبراطورية «الفيفا» بشأن اختيار الدول المنظمة للمونديال، الأمر الذى اضطر بلاتر إلى إجراء تحقيق فى ما نشرته الصحيفة البريطانية.

التحقيق الذى قاده السويسرى كلاوديو سولسر، رئيس لجنة الانضباط فى «الفيفا»، انتهى بقرارات رادعة تمثَّلت فى إيقاف 6 من أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولى لكرة القدم، ومنعهم من ممارسة أى أدوار تتعلق أو تخصّ كرة القدم محليا ودوليا لمدد تتراوح بين سنة و4 سنوات: رينالد تيمارى من تاهيتى، وآموس آدامو، رئيس الاتحاد النيجيرى، والتونسى سليم علولو، رئيس مكتب تسوية الخلافات فى «الفيفا»، والمالى آمادو دياكيتيه، عضو لجنة الحكام فى «الفيفا» رئيس لجنة الحكام بالاتحاد الإفريقى، وفوسيما لوهى من تونجا، سكرتير عام اتحاد الكرة فى بلاده، والبوتسوانى إسماعيل بامجى.

وقبل يومين من إعلان «الفيفا» عن الدولتين اللتين ستمنحان حق استضافة نهائيات كأس العالم فى 2018 و2022، أعلنت محطة «BBC» البريطانية العريقة، عن تقديم أكبر عدد من الملفات الصحيحة والمؤكدة عن الفساد فى «الفيفا» فى برنامجها التليفزيونى الأسبوعى «بانوراما»، شمل الأمر عددًا كبيرًا من أعضاء اللجنة التنفيذية فى «الفيفا»، وهم: الكاميرونى عيسى حياتو، والباراجوانى نيكولاس ليوز، والبرازيلى ريكاردو تيكسييرا والتريندادى جاك وارنر، وأكد البرنامج ذائع الصيت وجود وثائق عن حصول حياتو وليوز وتيكسييرا على رشاوى من شركة تسويق سويسرية اسمها «آى إس إل» -«إنترناشيونال سبورتس آند ليزر» وهى الشريك التجارى لـ«الفيفا»- من نهاية ثمانينيات القرن العشرين حتى مطلع الألفية، قائلة إن وارنر متورط فى بيع تذاكره الخاصة لكأس العالم فى السوق السوداء.

فى مونديال البرازيل 2014، أخرج الاتحاد الدولى لكرة القدم لسانه للجميع، وهو يضع على أسوار ملاعب البطولة شعاره الساخر: «كرة القدم للجميع».

رئيس الاتحاد منذ 1998، جوزيف بلاتر، يعرف أن «سيدة البهجة» لم تعد للجميع، بفضل سياسات «الفيفا» وفساده، ورغبته فى تحويل كل ما يتعلق بالكرة إلى أموال. يشوب صناعة كرة القدم عديدا من ملفات الفساد، والتى تقدَّر بمليارات الدولارات، وآخر الأرقام التى أعلن عنها بلغت 350 مليار دولار سنويا، إلا أن هناك شخصيتين رئيسيتين يظهر توقيعهما على معظم هذه الملفات، وهما رئيس «الفيفا» جوزيف بلاتر وعيسى حياتو رئيس الاتحاد الإفريقى (الكاف). ومن أشهر اتهامات الفساد ضد بلاتر كانت عام 2011 حينما خصَّص 20 مليون يورو من أموال «فيفا» لفريق العمل لمكافحة الفساد بالتعاون مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول»، وهو ما يسمَّى بـ«الملف الأسود». ودفع بلاتر تلك الأموال للتحقيق بقضية التلاعب بنتائج نحو 300 مباراة، بثلاث قارات مختلفة، وذلك فى محاولة لغسل يديه من القضية.

وبذلك تجاوز الرئيس حدوده التنفيذية وهو ليس بالأسلوب المتسق مع الإجراءات المناسبة لـ«الفيفا»، فلا يعقل أن يموّل «فيفا» نشاطات «الإنتربول»، واتحاداتها التابعة لها تعانى الفقر والقحط المادى.

وهناك كثيرٌ من الأمور التى تثير حفيظة الملاحظين والمتتبعين لكرة القدم التى أصبحت تدار كما يدار العالم من قوة عظمى مدعومة من شركات كبرى (مثل نايكى وأديداس وبوما وكوكاكولا وبيبسى وغيرها).

وأثير كثيرٌ من الجدل فى كأس العالم 2006 بسبب قرعة كأس العالم التى شهدت كثيرا من الظلم للبعض وكثيرا من التساهل للبعض الآخر.

وقام حينها نجم كرة القدم الأرجنتينى دييجو مارادونا بفضح «فيفا» بقصة التلاعب فى القرعة من أجل عيون بعض الفرق العالمية لضمان مشاركاتها وتأهلها، مما أحدث ثورة ضده فى ذلك الوقت، وشنَّت عليه حربا لا هوادة فيها، وأوقف وقتها مارادونا مرتين بسبب تعاطى المخدرات.

وعن مساعى بلاتر للبقاء على رأس «الفيفا»، قال مارادونا فى تصريح لصحيفة «ديلى تليجراف» الإنجليزية: «لدينا ديكتاتور مدى الحياة»، وقال مارادونا: «أصبح الأمر مخجلا فى (الفيفا) تحت إشراف بلاتر، وصرنا نشعر بالمرارة نحن الذين نحب كرة القدم». وأضاف مارادونا: «أطلقت على بلاتر لقب «رجل الثلج»، لأنه لا يتمتع بأى شىء من الشعور والشغف اللذين يُشكِّلان معا قلب كرة القدم.. إذا كان بلاتر يجسّد فعلا وجه كرة القدم، فإننا فى وضع سيئ للغاية».

أما رئيس الاتحاد الأوروبى لكرة القدم، الفرنسى ميشال بلاتينى، فعن مساندته للأمير على بن الحسين فى انتخابات رئاسة الاتحاد الدولى «الفيفا»، قال إن بلاتر يريد البقاء رئيسا للاتحاد الدولى «لأنه يخاف من اليوم التالى، فقد كرس نفسه لـ(الفيفا)، لدرجة أنه يعدّ نفسه يجسِّد هذه المؤسسة»، وأضاف: «ما دام سيبقى فى منصبه، وبغض النظر إذا أراد أو لم يرد، فإن (الفيفا) سيفتقد المصداقية، وستظل صورته ملطخة، وبالتالى فكرة القدم هى الخاسرة».

لقد أصبح بلاتر من الشخصيات المثيرة للجدل، فهو يصرح ويتدخل فى أمور كان من باب المكانة الإدارية أن تتولاها جهات تنظيمية أو فنية، مثل تصريحاته بخصوص إقامة كأس العالم كل سنتين، وغير ذلك مثل مشاركاته فى القرعة شخصيا، وهذا ما أثار الشكوك فى مدى دقة هذه القرعة واستخدام الكرات الحارة والباردة للتأثير على القرعة.

ويتمتع السويسرى بدهاء كبير، إذ إن الإنجليز فعلوا كثيرا من أجل إبعاده عن السلطة فى «الفيفا»، لكنه ظل صاحب السلطة الأكبر فى عالم كرة القدم، وشنّ الشارع الإنجليزى ضده هجوما لاذعا بعد خسارة إنجلترا شرف تنظيم كأس العالم 2018، حيث تم اتهامه بالرشوة وبدؤوا فى البحث والكشف عن حالات الفساد المحتملة فى إدارته.

اتهمت إنجلترا بلاتر ومعاونيه بتلقى رشوة لإنجاح الملف الروسى، إذ نشرت صحيفة «الجارديان» تقريرا بشأن الأحداث، مؤكدة أن رئيس الاتحاد الدولى اجتمع مع شخصيات روسية مطلوبة من الشرطة الدولية «إنتربول» قبل عملية التصويت لاختيار البلد المنظم.

ورغم نفى بلاتر الشديد تلك الأحداث فإن الإنجليز الذين يتمتعون بإعلام يعدّ من الأقوى تأثيرا على الساحة، ردوا عليه بطريقة لم يكن يتوقعها، حين بثّ صورا له مع واحد من أشهر شخصيات المافيا الروسية، ويدعى أليمزان توختاخينوف، ويعدّ من المطلوبين لدى الشرطة الدولية لتورطه فى جرائم عدة، ويصنَّف من ضمن أخطر الرجال فى روسيا، وبذلك تكون الصحف الإنجليزية قد نجحت فى إثبات بعض الفساد الإدارى لدى «فيفا» من خلال صحيفة «صنداى تايمز» التى كشفت عن عملية بيع أصوات بين أعضاء «فيفا» للملفات المرشحة لاستضافة كأسَى العالم فى عامَى 2018 و2022.

وكشفت تقارير إعلامية عام 2010 عن وثائق مهمة تثبت تورط 3 أعضاء من «الفيفا»، من بينهم عيسى حياتو فى قضية فساد وتسلم الرشاوى سابقا، بالإضافة إلى ريكاردو تيكسيرا، رئيس الاتحاد البرازيلى لكرة القدم وعضو فى لجنة التنظيم لكأس العام، وكذلك الباراجوانى «نيكولا ليوز»، رئيس اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم.

وتلقى الأعضاء الثلاثة الرشاوى من طرف وكالة الاتصالات المتخصصة فى التسويق الرياضى، لتقوم ببيع الحقوق الحصرية لكأس العالم، وتتعلَّق هذه الوثائق الخاصة بالمؤسسة بـ157 دفعة غير قانونية فى الفترة الممتدة بين 1989 إلى 1999 بقيمة 100 مليون دولار، وتورطت «فيفا» فى القضية حين برأت المتهمين وطوت الملفات، وعبرت عن استغرابها للضجة الإعلامية التى أثيرت عن قضية عادت وقتها إلى 10 سنوات خلت.

غير أنه يبدو أن العاصفة هذه المرة قوية، لدرجة أنها ستطير معها رؤوس كبيرة فى إمبراطورية فساد «فيفا».

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "مافيا الفساد في إمبراطورية «الفيفا»"

أكتب تعليقا