ريم.. وإعلام من جهة أمنية

| |





ربما مر وقف برنامج ريم ماجد التليفزيوني مرور الكرام، فقد كانت مقدمة البرامج غائبة عن الشاشة نحو عامين، قبل أن تعود إلى شاشة "أون تي في" في مصر عبر برنامج مشترك مع مؤسسة "دويتشه فيله" الألمانية.
غير أن ما يستوقفنا هو ما ذكرته ريم [1] -وأكدته مصادر داخل القناة المعنية[2]- لتوضيح أسباب إيقاف البرنامج في منتصف مايو 2015، وهو  أن "جهات سيادية" أو بتعبير آخر "جهات عليا" طلبت إيقاف البرنامج "جمع مؤنث سالم" بعد عرض حلقتين فقط منه. ليس خافيـًا على أحد أن ريم هي المقصودة شخصيـًا بقرار الإيقاف، وليس مضمون البرنامج، خاصةً وأن الحلقتين اللتين تم عرضهما لم يتناولا أي "أمر مزعج".
غير أن نجيب ساويرس، مالك محطة "أون تي في"، قال في تصريحات صحفية  إنه لم يتلق أي تعليمات من أي جهة سيادية أو غير سيادية لوقف برنامج ريم ماجد، وأكد أن سبب إيقاف البرنامج أنه لم يحقق أي عائد إعلاني منذ التنويه عنه.
ساويرس أشار إلى برامج أخرى تم إيقافها لنفس السبب دون أن تثير مثل هذه الضجة، منها برنامج للصحفي نصر القفاص وآخر للسياسي باسل عادل، وأكد أن أي برنامج لا يحقق عائدًا إعلانيـًا سيتم إيقافه على الفور بسبب الأزمة المالية التي تعانيها المحطة[3].
ما علاقة تلك الجهات السيادية أو العليا بالإعلام؟
هذا سؤال اللحظة.
الإجابة معلومة لكثير من العاملين في المجال الإعلامي، وخاصة القنوات التليفزيونية.
إنها الوصاية المرفوضة التي تُفرض على المشاهدين قبل العاملين في الإعلام، خاصة أن منع أي برنامج أو تغطية إخبارية يمثل اعتداء على حق المواطنين في المعرفة والاختيار.
إن فهم ما يجري على الساحة الإعلامية في مصر يجب أن ينطلق من حقيقة مهمة، مفادها أن الإعلام، ليس مستقلاً، فهو يعكس طبيعة وحدود النظام السياسي. الحديث عن إعلام مستقل في بلد مثل مصر يعتبر شكلاً من أشكال المبالغة.
وإذا كانت مواد الدستور الخاصة بالإعلام تؤسس لإعلام حُر ومستقل، فإن النظام السياسي يبدو راغبـًا في توظيفه لخدمة مصالحه، خاصة أن مرحلة التحوّل في مصر تتطلب أدوارًا محددة بدعوى مواجهة أشكال الدعاية المضادة للنظام. لهذا شهدت الشهور الأولى من عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي تدخلات من جانب الرئيس في المشهد الإعلامي، حيث تمّ تنظيم أكثر من لقاء جمع بينه وبين الإعلاميين. رأينا حرصـًا على استقطابهم باعتبارهم حلقة تصل الرئيس بالرأي العام ومن أجل الحفاظ على هالة الزعامة. بل إن السيسي تحدث عن قناة محددة معتبرًا إياها ضد النظام في مصر، وحذر من موقع إلكتروني بعينه.. وهذا توجيه واضح.
هل هناك محاولة لصياغة تصور جديد للإعلام؟
الإجابة المنطقية بالإيجاب. بالتأكيد هناك محاولة، لكن في ظل الارتباك العام وعدم وجود برلمان أو وزارة إعلام، لم يتم إنجاز خطوات تُذكر في هذا الإطار. من ناحية أخرى كشف استطلاع للرأي أجراه مركز "ابن خلدون" للدراسات الإنمائية أن 76% من المصريين غير راضين عن أداء وسائل الإعلام، لافتقاره للحيادية والتنوع، وذلك خلال الفترة من أغسطس 2013 حتى أغسطس 2014.
هذا الاتجاه العام يدفعنا إلى المطالبة بمراجعة الأداء الإعلامي، فهو من ناحية ليس بقرة مقدسة لا يجوز المساس بها، ومن ناحية أخرى فإن دور الإعلام وحدوده ورسالته من الأمور المهمة، حتى لا يسقط في فخ التبعية لأي طرف من الأطراف على الساحة، وحتى لا يتحول إلى جزء من آلة الدعاية، بما يفقده مصداقيته.
وربما تكون أولى الخطوات في المراجعة أن نقر بأن دور الإعلام في عهود سابقة لم يكن مساعدًا ولا مشجعـًا على التوعية والتنوير وتوصيل الحقائق بشكل موضوعي، بل إنه في النهاية يتحمل نصيبه من الإخفاق السياسي. هذا درسٌ مهم؛ لأننا لا يمكن أن نتصور نتيجة مختلفة للأداء الإعلامي طالما أننا نتصرف بنفس الطريقة التي أدت إلى الإخفاقات السابقة[4].
لعل ما يحدث على الساحة الإعلامية يعد في أحد أوجهه صراعـًا على قيادة الرأي العام بين تكتلات سياسية وأجهزة أمنية وقوى تتمثل أساسـًا في رجال المال والأعمال.
 المشهد الإعلامي يبدو حتى اللحظة فوضويـًا ويتسم بالعشوائية، وعملية التخلص من الوجوه السيئة أو صاحبة الأداء الفضائحي هو نتيجة لهذا الصراع المكتوم، الذي يصعب تبينه. هكذا عاشت مصر عملية عشوائية لتطهير الإعلام، لكنها تتخذ طابع الرسالة بأن لا أحد يتمتع بحماية الرئيس.
في ظل هذه المعطيات، لا يبدو مستقبل الإعلام واضحـًا؛ قد تتجه الأمور لتأسيس مجلس أعلى للإعلام، وهو السيناريو الأفضل، ومن الوارد أن تكون هناك سيطرة مباشرة من جانب السلطة، وهو أسوأ سيناريو محتمل.
حسب توصيف كاتب صحفي معروف، فإن "الحالة الإعلامية فاسدة، و"خربانة"، لكن الرئيس فيما يبدو مضطرًا إلى المراهنة على هذا النوع من الإعلاميين، فلا الوقت يسمح بآخرين، ولا ظروف البلد تسمح. وإذا كان الرئيس يريد إعلامـًا في مستوى طموحه. فعليه أن يبدأ معركة تطهير الإعلام برجال الأعمال الذين يملكونه، ويوجهونه لأغراضهم الشخصية، ويوهمون الناس من خلاله أنهم مع الرئيس ومع الدولة.. وهم أبعد ما يكونون عن ذلك"[5].
إن مهمة الإعلام في هذه المرحلة أن يعمل على التخلص من حالة السخونة الجارية في المجتمع المصري والتي تولدت بعد عهد الثورات والتي أفقدت الكثيرين رشدًا يعجز عن التفكير أو أن يكون التفكير فيه عاجزًا مضطربـًا وحائرًا ومندفعـًا. وببساطة، فإن الإعلام يحتاج بشدة إلى الخروج من حالة "التحريض" و"التعبئة" إلى الحالة "المهنية" التي تقوم على المعلومات والمعرفة. كما يحتاج التخلص من حالة عبادة الفرد إلى الولوج إلى ساحة المحاسبة والتقييم، ووزن الأمور وإيرادها في المكان الصحيح. وسواء كان الموضوع هذا أو ذاك، فإن الجوهر خلق المسافة ما بين السياسة والإعلام، فرغم الروابط بينهما، فإنهما مجالان منفصلان، لكل منهما ساحته وميزانه.
وفي تقديرنا أن للإعلام دورًا مهمـًا في الحفاظ على الدولة في مواجهة المعركة الكبرى مع من يحاولون تقويض أسسها بالإرهاب والعنف والخروج على القانون. المعركة هنا لا تقتصر على مصر، بل إنها معركة ممتدة بامتداد الإقليم الذي نعيش فيه. ومن المدهش أن الإعلام المصري صار إعلامـًا محليـًا في الوقت الذي امتد فيه التهديد لكي يشمل ساحة ممتدة من المغرب غربـًا وحتى باكستان شرقـًا، عابرًا دولاً وأقاليم، وشاملاً لتنظيمات ذات أسماء متعددة وكلها تعلن عن نفسها من خلال الذبح للأفراد والبربرية من الجماعات والمجتمعات والدول. العبء هنا ثقيل، ولكن الأيام الصعبة تكون مهامها ثقيلة، وما لم تكن مصر قاعدة للوعي والمعرفة بالدين الصحيح فإنه لا مجال للحديث عن بوصلة المستقبل.
إن مصر كلها تمر بمرحلة إعادة بناء المؤسسات، فقد خرج إلى النور دستور 2014، كما أجريت انتخابات رئاسية جاءت بعبدالفتاح السيسي رئيسـًا، وتلي ذلك الانتخابات التشريعية. هنا فإن الإعلام على عاتقه مهمتان: الأولى أن يفعل ما تفعله كل مؤسسات الدولة الأخرى، وهيتحويل مواد الدستور إلى قوانين، فلا قيمة في الحقيقة لمواد تعطي الحرية دون تحويلها إلى قوانين تطبق من خلال السلطة القضائية؛ كما أن المؤسسات التي وردت في الدستور مثل مجلس الإعلام القومي، ومنظمة الصحافة القومية، ومنظمة الإعلام القومي؛ كل منها يحتاج إلى إطار وتقنين تقوده الصحافة والإعلام ونقابة الصحفيين. والثانية أنه ربما آن الأوان لوضع "الصحافة القومية" على الطريق الصحيح للازدهار والنمو بدلاً من الإفلاس والنزيف المستديم لميزانية الدولة بتحولها إلى مؤسسات عامة لا تملكها وتتحمل مسؤوليتها الحكومة، وإنما تطرح للشعب المصري لكي يتملكها ويراقبها ويحدد اتجاهاتها عندما يشتري أسهمها دونما احتكار لفرد أو جماعة.
ليس خافيـًا على أحد أن الإعلام جزء من التطور الديمقراطي في البلاد، وبقدر ما تنجح الصحافة والمحطات التليفزيونية وأشكال التعبير الإلكتروني في تجنب العنف اللفظي والإرهاب الفكري، فإن مسيرة الديمقراطية في مصر سوف تصل إلى نتيجتها المنطقية. هنا فإن متابعة المجتمع الأهلي، والحكم المحلي، والمؤسسات السياسية من البرلمان إلى رئاسة الجمهورية إلى السلطة القضائية؛ كلها تبني الوعي وتنمي المشاركة، وتخلق القيم التي لا غنى عنها في مجتمع ديمقراطي فعال بالعمل والإنتاج[6].
هذا هو خيط البداية، للخروج من "متاهة" الأداء الإعلامي المرتبك.

الهوامش



[1] أحمد عنتر، ريم ماجد عن منع برنامجها من "جهات سيادية": "وصاية وتعالي على الشعب"، موقع "بوابة الوطن" الإلكتروني، 15 مايو 2015.
[2] أحمد الريدي، مصدر ببرنامج ريم ماجد يكشف لـ"التحرير" تفاصيل إيقافه، موقع "بوابة التحرير" الإلكتروني، 15 مايو 2015.
[3] محمود رمزي، ساويرس: برنامج ريم "ماجبش إعلان واحد".. والجهات السيادية بريئة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 18 مايو 2015.
[4] د عبدالمنعم سعيد، عن الأحلام والإعلام!، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 5 أكتوبر 2014.
[5] محمود الكردوسي، الرئيس والإعلام: لا تراهن ولو سجدوا لك، جريدة "الوطن"، القاهرة، 27 ديسمبر 2014.
[6] د. عبدالمنعم سعيد، الإعلام والأحلام مرة أخرى!، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 12 أكتوبر 2014.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "ريم.. وإعلام من جهة أمنية"

أكتب تعليقا