أزمة الطيارين.. دروس في الهواء!

| |



ربما تكون أزمة رابطة الطيارين المصرية قد وضعت أوزارها، ولو مؤقتـًا، بعد أن كانت قد اشتعلت خلال عام 2015 بينها وبين إدارة شركة مصر للطيران للخطوط الجوية، غير أن القراءة المتأنية لما جرى قد تكون درسـًا بليغـًا لفهم وقائع ما جرى وتفادي تكرار تلك الأزمات التي قد تنعكس بالسلب على خدمة مهمة تمس حياة المصريين في حلهم وترحالهم.
قد يكون قائل إن ما حدث لم يكن أزمة بالمعنى الحقيقي، لكنه خلاف أساء الجميع في إدارته، وتم إنهاؤه ببعض كلمات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، غير أن هذا يزيد من الصورة قتامة لوجود فجوات وثغرات في الصورة، خاصة أن شركات عربية وإفريقية منافسة لمصر للطيران تريد أن تقصيها وتستحوذ على سوقها وأن هذه الشركات تابعة لدول غير صديقة قدمت عروضاً مغرية لبعض الطيارين مما تسبب في حدوث بعض اللغط.
إن مصر للطيران، التي احتفلت في مايو 2015 بمرور 83 عاماً على إنشائها، تعاني وتتراجع وتتخبط، وشركات أخرى أفريقية حديثة بدأت تسحب منها البساط والسوق، وهذا إن دل فإنه يدل على عدم وجود رؤية إدارية وعدم وجود خطة تسويقية وخطة مستقبلية شاملة.
رابطة الطيارين أنهت الأزمة ببيان لها، قالت فيه إنه "استجابة لتوجيهات رئيس الجمهورية قررنا نحن مجلس إدارة رابطة طياري الخطوط الجوية المصرية وجموع الطيارين سحب جميع الاستقالات التي تقدمنا بها". وتابع البيان: "أثناء الأزمة لم تكن لنا مطالب مادية، كما لم يحدث منا أي تعطيل للعمل، فطيارو مصر للطيران على أعلى درجة من الوطنية وحب الوطن، وأننا مستمرون في العمل على أعلى مستوى من التشغيل والسلامة".
الأزمة كانت منفجرة في وجوه الجميع داخل مصر لللطيران إلى أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ حيث كلّف كلًا من رئيس الوزراء إبراهيم محلب، ووزير الطيران حسام كمال، بحل أزمة الطيارين، حتى أنه تردد أنه رفض وجود وزير الطيران المدني أثناء استقبال الدفعة الأولى من المواطنين الإثيوبيين الذين تم تحريرهم من ليبيا، قائلًا له: "ياريت تنهي مشكلة الطيارين وأسمع منك تمام يا فندم".
هل من المعقول أن يكون تدخل الرئيس ضروريـًا في كل أزمة حتى تنتهي؟ هل هكذا نبني دولة المؤسسات؟ لماذا تفشل المفاوضات الهادئة والمناقشات الجادة في تسوية الأزمات ونزع فتيل المفاوضات وتجسير الفجوة بين طرفي أي خلاف؟
ما نعرفه هو أن الأزمة قد بدأت عندما رفض عدد من الطيارين اللائحة المالية الجديدة التي أقرتها شركة مصر للطيران للخطوط الجوية، والتي وصفوها بأنها لائحة جزاءات وليس لائحة مالية وبها العديد من العوارات القانونية، وأن إدارة الشركة لم تأخذ بتوصيات الرابطة ونقابة العاملين بالنقل الجوي أثناء مناقشة هذه اللائحة، فتم تصعيد الأزمة وتقدم نحو ٢٢٤ منهم باستقالة جماعية، وطالبوا في مقابل العدول عن هذه الاستقالة وعدم تعريض الشركة لمخاطر في التشغيل، برفع رواتبهم إلى نحو ٥٠٪ وهو ما رفضته الشركة بشكل قاطع، متذرعة بسوء الأوضاع المالية للشركة والخسائر التي مُنيت بها منذ قيام ثورة ٢٥ يناير، والتي وصلت إلى نحو ١١ مليار جنيه.
تجاهلت الشركة حقيقة أن هناك فجوة في الدخل بين أجور طياري مصر للطيران وطياري الشركات الخاصة، علماً أن رواتب الطيارين الذي يبلغ عددهم نحو 850 طيارًا يحصلون على نسبة من إجمالي الرواتب وصلت إلى 900 ألف جنيه سنوياً.
ونصت الاستقالة المقدمة إلى رئيس شركة مصر للطيران للخطوط الجوية، التي ضمت أسماء 224 طيارًا، أن "سوء بيئة العمل والأحوال المحيطة بالطيارين وتدني دخل طياري الشركة، الذين باتوا أصحاب أقل دخل بين طياري العالم، أوجبت تقديم استقالة جماعية".
واضح أن هناك غضباً شديداً تصاعد في صفوف بين الطيارين نتيجة عدم رغبة إدارة مصر للطيران فى حل المشكلة وعدم إدارتها الجيدة للأزمة وتهديدها بقبول الاستقالات المقدمة، قبل أن يأتي تدخل الرئيس لينهي الأزمة ببضع كلمات وتوجبهات.
الشاهد إن قبول استقالة الطيارين الرافضين للائحة المالية الجديدة كان سيعني إهدارًا للمال العام، نظرا لأن كل طيار منهم له تكلفة تصل لمليون جنيه، وهو ما يعني أنه إذا كان قد تم قبول استقالة 224 طيارًا متظلمين، فهناك إهدار 224 مليون جنيه على الدولة.
إن شركة مصر للطيران مطالبة بالتروي والبحث في أسلوب إدراتها كي تتجنب تكرار الأزمة، بدلاً من أن تتجه إلى التقصير في حق الطيارين المصريين، الذين أنفقتْ عليهم ملايين الجنيهات في التدريب ورفع مستواهم للوصول بهم للكفاءة العالمية المشهود بها، والتفريط فيهم بمنزلة قضية أمن قومي.
ولعله من المؤسف أن نشهد التفريط في الطيارين المصريين ذوي الكفاءات من خلال عدم دراسة أسباب هجرتهم خارج البلاد للعمل في شركات خليجية وغيرها. علينا إدراك واقع الحال والعمل على رفع مستوى المعيشة لهؤلاء الطيارين بشكل يليق بهم مادياً واجتماعياً خصوصاً وأن الطيار يتحمل مسؤولية الطائرة وركابها بمختلف الجنسيات.
حسب رئيس رابطة الطيارين، فإن السبب في تراجع مستوى "مصر للطيران" بين منافسيها من الشركات الأخرى، يرجع إلى سوء الإدارة ورفع الأسعار. ويشير المناوي إلى أن أسعار الرحلات في الشركة أكثر من نظيرتها بشركة "طيران دبي" بما يعادل 35%، ولا تقدم نفس الجودة في الخدمة التي تقدمها الشركة الإماراتية.
هناك خلل ما، على مصر  للطيران أن تدرسه بهدوء وروية، لتعرف أسباب خسائرها، وفشلها، وترهلها وسوء إدارتها.
هذا هو السبيل، إن كنا نريد أن نتعلم من تجربة أزمة الطيارين.




ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "أزمة الطيارين.. دروس في الهواء!"

أكتب تعليقا