كصلاةٍ لا تنقطع

| |





أتكئ على الوقت وأمشي.
كل الدروب ملآنة بآثار أقدامي وأحزاني.
أتعثر حينـًا، وأسرع الخطى حينـًا، ثم أطل على الحياة، مثل صقرٍ يقرأ الفاتحة في عُرس الجبل.
أكتبُ، وأسهر من أجل الحرف المقدس، حتى يمشي الفجر مشي الحٓمٓام.
أواجه من انكفأ، ومن تَسَلَّق النور متملقـًا أو بقليل من الزيت على مفاصل الحياة.
أحكي..
فيَنْتَبِهُ الموتى ويُصْغون للقصة التي مضغتها التجارب.
أكنس اليأس من الزوايا والأزقة والحانات المعتمة،
وأمسح على قلوب نساء لسن خليلات إلا لرنين هواتفهن الملونة،
وأغمس روحي في نار امرأة تهذي من الحُبِّ، فتستغيث.
أهدئ من روعها قائلاً: حضني وحده يقيكِ من سطْوةِ الليلِ، وحيرةِ النهارِ.
نقرأ الشعر الذي يخفف تباريح القلب وقد يزيده.
النهر ليس ضريرًا،
فهو يرانا نحن وما يشف من أرواحنا المبللة.
في الذكرى التاسعة لإنشاء مدونتي "قبل الطوفان"، وأبدو مثل طفلٍ يحلم بجنته الصغيرة.
في العام الذي حلَلْتُ وِثاقه، كتبتُ في ذكرى الأم الراحلة "أُمِّي.. من غاب منا؟"، قائلاً:
"في غيابكِ، يا أمي، كبرتُ كثيرًا.
"أدرتُ ظهري للكون كَأُمْنِيَةٍ خَائِفَة، ونمتُ في حضنكِ، وأنا أقرأ لكِ بعض ما قرأتُه أو كتبتُه، تمامـًا كما كنتُ أفعل في سنواتِ الصبا.
"يَخِيطُ اليقينُ كَفَنَ الأيام، وأنا أغلقُ على نفسي بابَ المعاركِ القديمة. أكسِرُ مرآةَ الوقتِ، وأقول لنفسي: لو أن الوميضَ تباطأَ قليلاً، لكنتُ أدركتُ أحلامي الضائعة.
"في غيابكِ، نسيتُ أن أصنعَ أجنحتي وأفردها".
في ساحة الأدب، كتبتُ "رصيف مراوغ" و"فنان" و"أرض جديدة" و"سائل مراوغ" و"لون يسيل خارج اللوحة" و"تفاحة الظهر العاري" و"ضفيرة من دخان" و"الشهوة المريرة" و"جبل الكبرياء" و"مجازفة"  و"نصف دورة"و"كل عام وأنتم بخير".
وتكريمـًا لنجوم الأدب والفن سطَّرت صفحات عن "صلاح جاهين.. الجميل نائمـًا" و"أبقى من رضوى" و"فيروز.. كوكب الغناء".
بقيتُ وفيـًا للوطن وقضاياه الشائكة، لتظهر إلى النور موضوعاتٌ عن "حكاية الصخر التي سوف تسقط" و"محاكمة الأطهار" و"محاكمات في الوقت الضائع" و"فتح حصالة المصريين" و"الإعلام واللجنة المحلبية" و"أزمة التجلي الأخير" و"أراكم في نيويورك" و"حذاء الزعيم" و"محمد فودة.. قصة ليست للتسلية" و"محافظ الإصباعيلية" و"غزوة العناتيل" و"فتنة رفع المصاحف" و"في إصلاح الصحافة القومية" و"قانون التظاهر.. وطريق النسيان" و"هذا هو طريق المستقبل".
لم يكن التاريخ بعيدًا عن اهتماماتي، وهو الأب الشرعي للسياسة، فكتبتُ "نواة الأفندية" و"إنعامات الباشا" و"ارحل". كما تناولتُ خفايا التنصت والتجسس محليـًا ودوليـًا في "حرب التجسس على حكام مصر" و"سوبر جواسيس".
لم يخلُ عام المدونة من حوارات صحفية سجلتُ فيها آرائي وأفكاري بصراحةٍ وبلا مواربة.
في حوار صحفي مع جريدة "العرب" اللندنية، قلت:
"الكتابة خلوة مع الروح، وهي ذلك السلم الهش، الذي نرتقيه بكل حذرنا وطيشنا في آن معـًا، وأن التأمل شاسع كصلاةٍ لا تنقطع. كلما تأملت ابتعدت أكثر، وفهمت بدرجة أعمق، يوميـًا أتعلم الفرق بين الضجيج والعمل، مثلما أتعلم كم تأخذ من أحلامنا وطاقتنا تلك الصراعات والمنازعات الوحشية والحوارات التي لا طائل من ورائها".
وفي حوار مع موقع "بوابة روز اليوسف" الإلكتروني قلت:
"في كتاباتي التاريخية، أبحث عن التاريخ الضائع، الذي أهملناه أو أغفلنا وأدقق في تفاصيله، وأقارن بين المصادر الموثقة على اختلافها بحثـًا عن الحقيقة ولا شيء سواها، وأجتهد فـي تأمل الظواهر المختلفة من قاع المجتمع إلى قمته، حتى أنقل صورة ما يجري إلى القارئ، تاركـًا ملامح الصورة والأحكام له وحده.
"وفـي بلدٍ مثل مصر تبدو إرهاصات التغيير فيه موجودة، لكن اللحظة غير معلومة، فإن التحليل المتأني والاستقراء المتعمق لعدد من القضايا والظواهر المختلفة، مع العودة إلى التاريخ القريب، يمكن أن يُلقي مزيدًا من الضوء على ما استغلق علينا وحار كثيرون فـي فهمه بشأن حاضر مصر ومستقبلها".
عامٌ وارف الظلال مثل شجرة الكتابة المتوضئة بالنزاهة والنابعة من القلب. صدرت لي كتبٌ تعمدت بحبر المطابع:
نصوص "مراودة"، ورواية "ذنب" في مجال الإبداع، إضافة إلى مؤلفات عن السياسة والتاريخ، هي: "الصراع على مصر: ذئاب مبارك والعهد الجديد"، و"دين مصر: أمراء الدم والفيديو"، و"غرفة خلع الملابس: وجوه وقياسات"، و"مصر قبل المونتاج"، و"حكام مصر من الملكية إلى السيسي"، و"صديق الرئيس: حكام مصر السريون".
أما "أجمل القتلة" فهو تجربة جديدة لي وربما هي جديدة على المكتبة العربية، لما فيها من تناول أدبي بأسلوبٍ شعري لبطولة نهائيات كأس العالم لكرة القدم في البرازيل عام 2014.

أخطو بثباتٍ نحو عام جديد في مدونتي، مطمئنـًا إلى أن اليقينَ رَاحَةُ الضمائر، وواثقـًا من أن غُرباء الحق  والحقيقة لا يعودون مِن الغياب.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "كصلاةٍ لا تنقطع"

أكتب تعليقا