دين مصر: أمراء الدم والفيديو

| |




دين مصر أحق بأن نفرد له مساحة من القراءة الهادئة والتأمل الجاد والمراجعة المستنيرة.
ذلك أن دين هذا البلد هو مرآته العاكسة وربما بوصلته الضائعة التي نحن أحوج ما نكون إليها هذه الأيام.
ولعلنا ونحن نخط هذه السطور، ننظر إلى المشهد برؤية شاملة ونرسم صورة أعم وأعمق للظواهر والتصورات الدينية الحاكمة أو المؤثرة في المجتمع المصري على وجه التحديد.
إن هوية مصر هي أنها مصر، التي شهدت أقدم دولة في تاريخ البشرية، وسعت إلى معرفة الله قبل الأديان الإبراهيمية، ووجد فيها سبعة أنبياء قبل الإسلام، ولم يُعجزها احتواء مختلف الديانات والمذاهب والطوائف والفرق، فظلت على حالها وهويتها الراسخة: مصر.
في خلفية الملف الديني في بلدٍ بحجم مصر، تكمن إشكالات كبرى. هناك أولاً الجانب الديني المتمثل في القراءات التخمينية المتزمتة لدى البعض لنصوص قرآنية منتقاة مفصولة عن سياقها التاريخي وأسباب نزولها، وفي أشكال من الفكر الفقهي المتخلف والذي لأسباب دنيوية ألبسه أصحابه أثواب القداسة، وفي التاريخ الطويل للتوظيف الانتهازي للدين ورموزه في صراعات الحاكم والسياسة والاستحواذ على الغنائم.
هناك ثانيـًا ثقافة التسلط والقمع في البيت والمدرسة والمسجد والحزب ومؤسسات المجتمع والحُكم المؤدية إلى سلوكيات الطاعة العمياء والاتكالية والخوف، وتبرير كل ذلك من خلال ترديد الأمثال الشعبية الشائعة المتجذرة المتلاعبة بحقول الإيمان والغيب والأخلاق والأوهام والتطلعات والأشواق الروحية في الإنسان.
هناك ثالثـًا الحزازات والولاءات القبلية والطائفية المذهبية والعائلية والمناطقية التي لم يستطع لا الإسلام الجامع ولا قيم الحداثة الديمقراطية محوها من حياة العرب السياسية والاجتماعية. جميع تلك الإشكالات، وغيرها الكثير من الموضوعات والسلوكيات المشوهة لإنسانية الإنسان ومجتمعاته، والتي جميعها تقف وراء ظاهرة جنون الجهاد التكفيري، لن تكفي لمواجهتها عبارات الشطب والغضب المؤقت والقلق الكاذب المنافق عند هذه الحكومة أو تلك أو عند هذه الجهة الاستخبارية أو تلك.
على مر نحو نصف قرن، تعرضت مصر الرسمية لعملية غسيل مخ، لتخرج بعدها دولة مقتنعة ومؤمنة ومعبأة بفكرة أنها جزء سياسي وأساسي من سُنة الشرق الأوسط. في تلك الفترة، شهدنا محاولات، بمختلف أدوات الدعوة والإرشاد والتوجيه والتمويل، لفرض طبيعة جديدة محل طبيعة مصر وشعبها.
اختار هؤلاء لمصر اعتناق نهج متشدد من أفكار السُنة وممارساتها، في محاولة جريئة ونموذجية لتغيير معتقدات شعب وطريقة حياته والعلاقات بين أفراده وعلاقات دولته بالدول الأخرى. لم يتحقق كل ما أرادوا، بل فشلوا. الآن يدفع المصريون ثمن استسلام العديد من أفراد نخبهم الدينية والسياسية لغزو أفكار ومشروعات وهبات وهدايا موقعة بخاتم "السُنة المتطرفة".
بل إننا نضع في شهادة الميلاد وفي بطاقة الرقم القومي خانة الديانة. ثم نشكو بعد ذلك من التعصب الديني، ونحن الذين نبدؤه من الأوراق الرسمية، ونعززه في دروس الدين في المدارس، المسيحية للمسيحيين، والإسلام للمسلمين دون درسٍ واحدٍ في القيم الدينية المشتركة مثل المحبة والسلام والتسامح والعدالة الاجتماعية. لتنشأ الفرقة الدينية منذ الميلاد.
إن قرارات الدولة وسياساتها وممارساتها إزاء كل واقعةٍ أو أزمة ذات بُعدٍ ديني أو طائفي، تشي بفشلها في استيعاب دروس الماضي وعجزها عن تطبيق مبدأ المواطنة ومواد الدستور والقانون بشكل فعال وطريقةٍ عادلة.
في المقابل، خرج خبراء الدين وتجار التراث من مخابئهم، ونفضوا الغبار والتراب المتراكم منذ سنين، وأسرفوا في التحليل والتنظير، بعيدًا عن أرض الواقع ومعطيات اللحظة.
ازدهرت فتاوى التكفير والتحريم والتحليل وخلط الجهل بالدين والخوف بالتخلف. توسعت دائرة التحريم لتشمل الموسيقى والغناء، وصوت المرأة أو حتى خروجها من المنزل إلا بصحبة محرم، وتحية المسيحيين وتهنئتهم في أعيادهم، ومشاركة الشيعة أحزانهم وتهنئة غير المتدينين بوصفهم "كفرة" أو "علمانيين" أو "ملحدين".
دائمـًا هناك حلولٌ مؤقتة لا تزيل أسباب الأزمة ولا تقتلع جذور الفتنة، ودائمـًا هناك بطء في التحرك وقصور في العلاج. وفي كل هذه الحالات وغيرها، فإن الولع بالسياسات العامة القريبة للقلب والبعيدة عن العقل هو الطريق المضمون للفشل المؤكد.
أصبحنا بين نارين؛ بين طبعات وحشية من الدولة، وطبعات أكثر وحشيةً من الدين.
فالدين يضرِبُهُ نفرٌ ممن يؤمنون به، ويشتغلونَ بالفقهِ والدعوةِ، ويدَّعُون أنَّهم أصحابه ومالكوه، وكم من العلماء الذين أقروا أنَّ أكثر من يُسيءُ إلى الدين هم من يحملُون راية الدين شعارًا برَّاقــًا لهم، يمنحهم سلطةً ما، وللأسف أنَّ هؤلاء لا يتبعون الأولوياتِ، وتركوا أنفسهم نهبـًا للتفاسيرِ الشاذةِ والمهجُورةِ والمغلُوطة. فالحسن البصري يقولُ لنا: العاملُ على غير علمٍ كالسَّالكِ على غير طريقٍ، ومن قبله قال عليّ بن أبي طالب: حدِّثوا الناسَ بما يعرفُون، ودعُوا ما يُنكرُون، تريدون أن يكذب الله ورسوله.
حيرة مزمنة أم فشل محكم؟!
هذا هو سؤال اللحظة.
إذا كان إعادة إنتاج الأخطاء خطيئة لا تغتفر، فإن التمتع بإعادة إنتاج هذه الأخطاء هو أم الخطايا.
وإذا كانت مصر تضار حين تمتنع المجموعات النافذة فكريـًا ودينيـًا وسياسيـًا وإعلاميـًا عن قبول الرأي الآخر، وتتورط في التخوين والتعريض والتشويه أو حتى التكفير عند الاختلاف، فإن مصر تضار أيضـًا حين تُعطل ذات المجموعات النافذة عقلها الجماعي وترفض رؤية الحقائق وإدراك معانيها ومدلولاتها أو تصمت عن ضرورة التعاطي معها بإيجابياتها المحدودة وسلبياتها الكثيرة.
في يقيننا أن الانتصار على الطائفية يبدأ حين يتبنى المسلمون والمسيحيون معـًا أجندة إصلاح وطنية لا طائفية قوامها العدالة والحرية والمساواة وليس توزيع الحصص والمناصب على أساس ديني، مع إدراك أن تراجع هذه الشراكة وتراجع العمل السياسي والحزبي عمومـًا والاعتماد على الحلول الطائفية وحدها لن يؤدي إلى بناء دولة المواطنة بل إلى مزيد من الترسيخ والتدعيم للطائفية في المجتمع وفي المجال العام.
إذا كنا في مصر نريد المواجهة الجادة لفكر التطرف ونبحث عن دحض مقولاته التي تستدعي الدين زيفـًا لتبرير الإرهاب والعنف، فإن واجب مؤسسات وأجهزة الدولة والمجتمع والمصالح الخاصة هو الاعتراف بأن المواجهة الأمنية بمفردها لن تنجح، والإقرار بأن أزمة السلم الأهلي ووضعية الاستقطاب المجتمعي والسياسي المتصاعدة تحدان كثيرًا من إمكانيات مواجهة التطرف بنجاح، والاقتناع بأن كل هذا يتعارض مع فرض الرأي الواحد وإماتة السياسة كنشاط تعددي سلمي ديمقراطي يبتغي الصالح العام.
ربما حان وقت التسليم بأن جهد المؤسسات الدينية "الرسمية" في تفنيد فكر التطرف يشكل مكونـًا واحدًا ضمن منظومة مجتمعية أشمل يتعين أن تبث قيم الحرية والتسامح والإنسانية وتروج لها بين الناس.
إن كل مكان ثقافي في مصر، سواء كان دار أوبرا أو مسرحـًا أو قصر ثقافة أو مكتبة، عندما يضاء تنطفئ بجواره عشرات البقع والأوكار الإرهابية.
نحن نعاني أزمة عميقة في الفقه السياسي الإسلامي، وسيظل خط الإنتاج السلفي الجهادي التكفيري، يفرِّخ وينشط، طالما هناك فكرٌ معلول سائد، وتخبط سياسي رسمي وبطالة فقهية مؤسسية، تعجز عن تصحيح معنى الجهاد، ومقولة أهل الذمة، وتفرِّط في إعادة الإسلام إلى دائرة الروح والرحمة والعدل والمحبة، وتتجاهل أن الإسلام هو إسلام المقاصد، لا إسلام أشخاص أو علماء، أدخلوا في تأويل الإسلام رغباتهم وظروفهم التاريخية.
قد ينشأ الخطأ في العلاقة بين الدين والسياسة أساسـًا من الثنائية المتعارضة بمنطق "إما... أو"؛ إما التوحيد أو الفصل بينهما. وقد مرت كثير من المجتمعات بالتجربتين معـًا فما استراحت للحلين، لا التوحيد، ولا الفصل.
ولعل الخطورة في التوحيد بين الدين والسياسة هي تبرير أحدهما للآخر لتحقيق نفس الهدف وهو السلطة أو بمعنى أدق التسلط. الهدف واحدٌ وإن اختلفت الوسيلة، مرة الدين، ومرة السياسة. وخطورة الفصل هو عيش الإنسان في عالمين لا صلة بينهما.
ونحن في مصر بحاجةٍ إلى جهاتٍ عدة، وعقول حكيمة وعمل مؤسسي مستدام للانشغال في مسألة صيانة الدين في أزمنة التغيير، ومن معالجة المأزق الذي أدخله فيه جمود البعض عند عتبة الماضي وعنف بعض جماعات الإسلام الحركي.
إن تجديد الخطاب الديني يبدأ بحياة الناس والواقع الاجتماعي، ما يقبله وما يرفضه. وهو منهج الاستقراء القديم الذي يحصي العلل المتحكمة في السلوك لمعرفة الأسباب.
لن تنهض مصر قبل أن يعود الدين إلى لعب دوره الروحي بعيدًا عن استغلاله بواسطة من يحتكرون الحديث باسمه، أو مؤسسات دينية أو رجال سياسة يستخدمونه كأداة للحشد أو التعبئة أو التأثير.
خيط البداية قد يكون بتفكيك الخطاب التكفيري ونزع الشرعية الدينية والأخلاقية عنه لتجريده من عوامل الجذب والاحتضان الشعبي الذي يطيل وجوده ويوسع دائرته، ولن يحدث هذا بعلماء دين موالين للسلطة وفاقدين للمصداقية بسبب صمتهم عن قول الحق وتزلفهم للحكام.
نحتاج إرادة سياسية، تزيل الفساد والظلم، وتجدد الفقه والفكر، وتنوّر العقول، وتعتبر أن كل نفع يعود على الناس هو جهاد. نريد أن يفتح المجال العام على التنوع الديني والسياسي؛ لأن تضييقه كارثي في الحرب مع الإرهاب.
الحُكم الرشيد من مقتضيات مواجهة الإرهاب في الداخل والخارج على حدٍ سواء.
مع غياب مصر، بثقلها المعنوي، تختل الموازين وتتداخل المفاهيم، وينتعش مناخ الفتنة المذهبية، فتسقط السياسة. ومن دون سياسة، تسود مفاهيم دينية مضللة، وتختلط الأمور على الناس، كما حالنا هذه الأيام.
الذئب في البيت.. منذ زمن.
ربما حان وقت إعادة ترتيب البيت، بعقولٍ متفتحة ووعي سليم وإرادة قوية.

أرجو لكم قراءة تجمع بين الفائدة والمتعة.

مقدمة كتابي "دين مصر: أمراء الدم والفيديو"، دار اكتب، القاهرة، 2015

أماكن التوزيع

القاهرة :
1-     مكتبة ديوان 
159 ش 26 يوليو، الزمالك
هاتف: 26908184
مصر الجديدة : 105 ش أبو بكر الصديق
هاتف:  27362582 - 26908184
2-مكتبة دار الشروق – ميدان طلعت حرب
هاتف: 0223930643
سيتي ستارز - مدينة نصر
هاتف:  23912480 - 25735035- 24802544
3-روعة بوك ستور - 30 ش حسن عاصم، من ش البرازيل - الزمالك
هاتف:
01140178144
4- عمر بوك ستور - ش طلعت حرب، فوق فلفلة
هاتف: 23960047 / 01003361217
5- مكتبة ليلى - وسط البلد، بجوار الخطوط الجوية الليبية
6- مكتبة ألف -  ش الميرغني، مصر الجديدة, القاهرة
هاتف: 0224192396
7- مكتبة تنمية بوسط البلد، 18 ش هدى شعراوي متفرع من ش طلعت حرب، خلف مول البستان 
هاتف: 01005029128/01111139636
8- مكتبة مدبولي - ميدان طلعت حرب
هاتف: 0225756421
9- مكتبة فكرة - سيتي ستارز - مدينة نصر
10- مكتبة كتب خان- المعادي
11- مكتبة الشرق الأوسط والجمل بالمطار
المنصورة:
1-      مكتبة بوكس آند بينز: 7 ش جزيرة الورد - المشاية السفلية
هاتف: 0502242285
2-     المكتبة العصرية: المشاية السفلية، بجوار فندق مارشال الجزيرة
3-     مكتبة كلمات: أمام كلية طب الأسنان - عمارة غانم، الدور الأول علوي
4-     مكتبة الشوبري: أمام بوابة الجامعة، ش جيهان
5-     مكتبة الصحافة
الإسكندرية :
1-     مكتبة منشأة المعارف:
44 ش سعد زغلول - محطة الرمل
هاتف: 01221214657
2-     مكتبة روايات الشباب
3-     مترو سان ستيفانو مول
هاتف: 01003528603
4-     مكتبة ديوان بالإسكندرية
5-     مكتبة أكمل مصر
6-     مكتبة ليليت
7- الخياط بوك ستور
طنطا:
‏المكتبة القومية الحديثة: 6 شارع القاضي
هاتف: 0403349069
الشرقية /الزقازيق:
1-     الميدان
2-     مكتبة حروف
بورسعيد:
1-     كتابيكو
2-     أولاد نسيم
أسيوط:
مكتبة ألف
مكتبة ومضة
الأقصر:
مكتبة حرف - حي الفيروز ، ش عبدالله بن مسعود، أمام مديرية الأمن

       الإمارات:
1-     مكتبة زين المعاني
2-     كينكونيا - دبي مول
3-     بوردرز
       الكويت:
مكتبة ذات السلاسل
** يمكن طلب الكتاب من دار اكتب للنشر ليتم  توصيله لكم في أي مكان 
هاتف:
01147633268
01144552557
كما يمكن طلب مؤلفاتي أونلاين من:
مكتبة اكتب أونلاين
https://www.facebook.com/oktobbookstore?ref=hl&ref_type=bookmark
موقع النيل والفرات الإلكتروني

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "دين مصر: أمراء الدم والفيديو"

أكتب تعليقا