أبقى من رضوى

| |





يغلب على ظن كثيرين أن رضوى عاشور الأديبة أهم وأبقى من رضوى الباحثة والناقدة الأدبية.

غير أن هناك رأيـًا مغايرًا يذهب إلى القول بأن الناقدة والباحثة أرست دعائم دراسات نقدية بالغة الأهمية على مدار حياتها، فهي أكاديمية مرموقة في مجال تخصصها وهو الأدب الإنجليزي، مثلت نموذجـًا للمثقف الأصيل، والمرأة العربية المكافحة والمناضلة التي تتجاوز الألغام والحقول المغلقة لتشكل هذا النسيج المبدع في نقدها وفي عملها الأكاديمي وترجمتها وفي إبداعاتها الروائية المعروفة، ولكل ذلك فإنها قد أضيفت إلى سجل المبدعين الخالدين.

تراوح إنتاج رضوى عاشور بين الأكاديمي والنقدي والروائي، ومن أهم مؤلفاتها النقدية، دراسة بعنوان "الطريق إلى الخيمة الأخرى.. دراسة في أعمال غسان كنفاني" (1977) و"التابع ينهض.. الرواية في غرب إفريقيا" في العام 1980، و"البحث عن نظرية للأدب.. دراسة للكتابات النقدية الأفرو-أميركية" في العام 1995، و"صيادو الذاكرة‏:‏ مقالات في النقد الأدبي" في عام 2001.

وإذا كان إبداعها الأدبي -وخاصة على صعيد الرواية- قد زاحم عطاءها النقدي منذ مطلع الألفية الثالثة، فإن رضوى عاشور ظلت مثالاً للناقدة الأدبية الملتزمة التي تسعى إلى تقديم دراسات وبحوث رصينة تجمع بين ثراء المضمون وعمق الأفكار المطروحة.

ويمكن القول إن أعمالها بشكل عام تقدم شهادة نقدية ورؤية ناقدة لتجارب إبداعية مختلفة وقضايا مُلّحة تتصل بالمناخ الثقافي، والتحديات التي تواجهنا، في الطريق إلى تحرير العقل وإثراء الفكر وإطلاق سراح الإبداع الذي يرسف في القيود والأغلال.

وفي تقديرنا أن كتابات رضوى النقدية والإبداعية- تنتظم في عقدٍ فريد، عنوانه الأبرز: مصر المستنيرة. تلك الاستنارة التي نفتقدها ونفتقر إليها الآن، بعد غياب الأفكار وتغييب الرؤى الثقافية والمعرفية التي تجر قاطرة المستقبل في المحروسة.

تبقى رضوى عاشور رمزًا ثقافيـًا ووطنيـًا كبيرًا؛ إذ إنها تميزت بمواقفها الوطنية في مجال الدفاع عن الهوية العربية والانحياز إلى القضية الفلسطينية. ويعد كتاب  "الطريق إلى الخيمة الأخرى.. دراسة في أعمال غسان كنفاني" مرجعنا المعتمد حول سيرة غسان كنفاني وبعض أعماله السردية مثل "عائد إلى حيفا " و"رجال في الشمس" وغيرهما. وينقل عنها كثيرون أنها قالت بعبارات صريحة: إنها في أثناء كتابتها لمادة ذلك الكتاب كانت تحّس بوجود غسان كنفاني في كل فقرة٬ وفي كّل سطر٬ بل في كل كلمة.

أما كتابها "التابع ينهض.. الرواية في غرب إفريقيا" فهو في الأصل عنوان رسالتها للدكتوراه، التي حملت عنوان "البحث عن نظرية للأدب.. دراسات للكتابات النقدية الأفرو أميركية"، في حين أن دراستها "جبران وبليك"- 1978، هي في الأصل الرسالة التي قدمتها لجامعة القاهرة لنيل درجة الماجستير.

يصعب حصر الإسهامات النقدية والمقالات المتفرقة التي كتبتها رضوى عاشور ونُشِرت في دوريات مختلفة، عربية وإنجليزية، لكن الأكيد هو أن تلك الدراسات كانت نموذجـًا يحتذى للدراسة التي لا تهتم إلا بالبحث عن مسارات جديدة تضيف وتثري بعيدًا عن السائد المألوف.

ولعل البعض يتذكر بحثها القيّم "الشدياق والحداثة الممكنة" (2009) الذي يقع في 148 صفحة من القطع المتوسط. في هذا الكتاب تناولت رضوى بالبحث والدراسة الرواية الأولى في الأدب العربي الحديث "الساق على الساق فيما هو الفارياق" (1855) للرائد الأديب واللغوي والصحفي والمترجم أحمد فارس الشدياق. يطرح الكتاب السؤال: "لماذا أُسقط إنجاز الشدياق وقد أنتج النص الأدبي الأغنى والأقوى في الأدب العربي في القرن التاسع عشر؟".. ثم يجتهد في الإجابة عبر قراءة نقدية مستفيضة تستكشف النص وعلاقته بزمانه.

ولعل ما يسترعي الانتباه في قراءتنا السريعة لأعمالها النقدية وبحوثها الأصيلة، تلك الدراسة المهمة للإشكالية الأبرز في تاريخ الرواية العربية الحديث: (نشأة الرواية العربية)، أو (فجر الرواية العربية)؛ حيث إنها لم تنطلق مما اعتبره البعض "مسلمات" أو "حقائق لا يعاد النظر فيها"، ومنها مثلاً الانصياع للمقولة التي أرساها المرحوم يحيى حقي في كتابه "فجر القصة المصرية"، من أول رواية عربية بالمعنى الفني هي رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل، وهي المقولة التي تابعه فيها كثيرون، من مؤرخي الأدب العربي الحديث.

تستطيع أيضـًا أن تلمس في دراساتها النقدية ذلك الخيط بين خطاب "مقاومة التبعية" الذي تنبني عليه كتاباتها النقدية‏ (‏سواء "في الطريق إلى الخيمة الأخرى"، و"التابع ينهض.. الرواية في غرب إفريقيا‏"، وغير ذلك من دراسات جادة، والخطاب نفسه الذي يتجسد إبداعيـًا في رواياتها المتتابعة‏، وبخاصة‏:‏ "سراج" ‏- 1992، و"ثلاثية غرناطة" ‏1994 -1995، و"أطياف" ‏- 1999.‏

تراوحت أعمال رضوى النقدية، المنشورة بالعربية والإنجليزية، بين الإنتاج النظري والأعمال المرتبطة بتجارب أدبية معينة. سمة كتاباتها الأكاديمية والبحثية هي الرصانة والعمق، وهذا وحده كافٍ لتقدير مجهودها المحترم.

في كل مشهد إيجابي أو موقف وطني ونضالي، كانت رضوى عاشور هناك. وهي بذلك ضربت نموذجـًا للمثقف حين يتحول إلى ضمير حي، بحيث تظل بوصلته منضبطة طول الوقت على الاتجاه الصحيح، فيوظف معارفه ومواهبه وطاقاته الإبداعية لكي يخدم قضيته، وهو ما يمكن رصده بسهولة في مسيرتها العلمية.

ناضلت هذه الباحثة المبدعة طوال حياتها على كل الصُعد السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية، وكانت مناضلة حتى في نقدها؛ إذ إنها كانت تتصدى إلى أي عمل أدبي في مهمةٍ حقيقية للإبداع.

وربما كان هذا هو أهم ما يبقى من سيرة رضوى عاشور ومسيرتها في عالمَي النقد والإبداع على حدٍ سواء.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "أبقى من رضوى"

أكتب تعليقا