الإعلام واللجنة المحلبية

| |


لعله قد آن الأوان لتنظيم الإعلام وفق أسسٍ سليمة، وتحريره من سطوة الإعلان وسطوة رجال الأعمال و"تربيطات" جماعات المصالح داخل الجماعة الصحفية، وأن نعيد التوازن إلى إعلامنا بمكوناته العلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية والترفيهية، ونعيد الوقار والرزانة إلى لغة خطابنا الإعلامي، قبل أن يؤثر الانحدار الإعلامي على مكانة الإعلام المصري، بل على مكانة مصر ذاتها إقليميـًا ودوليـًا.

الشاهد أنك تجد نفسك حائرًا بين مواد براقة تتحدث عن الحقوق والحريات في نصوص الدستور، وتقدم رؤية إنسانية عميقة وإدراكـًا جيدًا للقضايا والأولويات، ثم إذا بك ترتطم بحائط الحقيقة: ممارسات مخالفة لهذه "النصوص" الدستورية، وقرارات تباغتك إن لم تكن تصدمك.

من هذا مثلاً القرار الذي أصدره رئيس مجلس الوزراء، المهندس إبراهيم محلب، ويقضي بتشكيل لجنة لصياغة التشريعات الصحفية والإعلامية، تضم في عضويتها وزيرين حاليين، وثالثـًا سابقـًا، بالإضافة إلى عدد من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام.

" قرار مفاجئ ومخالف لنصوص الدستور".

هذا هو ما دفعت به الجماعة الصحفية للاعتراض على تشكيل هذه اللجنة، التي ضمت في رئاستها المستشار محفوظ صابر، وزير العدل، وفي عضويتها المستشار إبراهيم الهنيدي، وزير العدالة الانتقالية، وشؤون مجلس النواب، والمهندس محمد الأمين، رئيس مجلس إدارة مجموعة المستقبل، والدكتور صفوت العالم، الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وأسامة هيكل، وزير الإعلام الأسبق، وعصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون، ومكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين الأسبق، وصلاح منتصر، الكاتب الصحفي.

في بيان لها، قالت نقابة الصحفيين إنها والمجلس الأعلى للصحافة يستغربان بشدة صدور هذا القرار المخالف للدستور، وأضافت أن ما يفاقم الأمر ويثير المزيد من الشك والريبة بشأن دوافع هذا القرار وأهدافه، أنه صدر متجاهلاً حقيقة وجود مسار آخر أكثر ديموقراطية وتنوعـًا في التعبير عن الواقع الصحفي والإعلامي، لوضع مشروعات القوانين المكملة للدستور في ما يخص الصحافة والإعلام، وهذا المسار الذي بدأ عمله بالفعل قبل عدة أسابيع من تشكيل اللجنة المذكورة، حظي بتوافق من كل المؤسسات والهيئات المعنية، ويضم ممثلين من نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتليفزيون وممثلي وسائل الإعلام المرئية الخاصة، فضلاً عن أكاديميين وخبرات قانونية وإعلامية مرموقة.

وطالبت نقابة الصحفيين رئيس الوزراء بالعدول عن مثل قراره؛ لأن تشكيل مثل هذه اللجان يعد اختصاصـًا أصيلاً للمجلس الأعلى للصحافة، والنقابة، وفقـًا لنصوص الدستور، بحيث لا تنازعهما جهة في هذا الحق[1]، وهو ما دفع محلب إلى التراجع سريعـًا، والقول على لسان المتحدث باسم مجلس الوزراء إن اللجنة ستبقى بصفة استشارية، مما يعني عمليــًا تجميدها.

الشاهد أن اللجنة المذكورة غريبة عجيبة، فقرار تشكيلها - من حيث المبدأ-  مخالف للمادة 77 من الدستور التي توجب مشاركة نقابة الصحفيين في مشروعات القوانين التي تخص المهنة، كما أنه مخالف للمادة 70 من قانون تنظيم الصحافة التي تنص على ضرورة أخذ رأي المجلس الأعلى للصحافة في الأمور المتعلقة بالمهنة.

يمكن القول إن تشكيل لجنة محلب يغلب عليه الصبغة الحكومية؛ إذ إن وجود وزيرين حاليين في عضويتها، إضافة إلى وزير ثالث سابق، يصب في اتجاه تعزيز هذا التصور، رغم أنهم ليسوا أعضاء أساسيين في مجال تخصص الإعلام. الخوف، كل الخوف، هو أن يتم تمرير اجتهادات أو أفكار تهدف إلى التضييق على الحريات الإعلامية وترويض الصحافة، وإفساد العلاقة بين مؤسسات الدولة وجموع الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام.

برزت اعتراضات موضوعية على قرار رئيس الوزراء بتشكيل هذه اللجنة والمهام المنوطة لها، خاصة أن القرار حصر القضية في تشكيل المجالس الثلاثة التي تنظم مهام وشؤون الإعلام فقط، وتجاهل القضية الرئيسية التي تهم الجماعة الصحفية بأكملها، والتي جرى التأكيد عليها في جميع الاجتماعات التمهيدية، وهي وضع التشريعات المكملة للدستور بما يضمن حرية الصحافة خلال السنوات المقبلة، وبما يستدعي معه إلغاء العقوبات السالبة للنشر، وعقوبات مصادرة الصحف، وتنظيم حق إصدار الصحف بالإخطار، وغيرها من المواد المطلوب تعديلها.

شملت الاعتراضات مسألة غياب التمثيل الجيد للجماعة الصحفية في هذه اللجنة، التي ضمت مثلاً، محمد الأمين، مهندس الأدوات الصحية ومالك قنوات "سي بي سي"، وعصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وهو في الأصل مخرج، وأسامة هيكل، وزير الإعلام الأسبق، الذي يعرف القاصي والداني ما جرى للتليفزيون والإعلام في عهده.  الأغرب من ذلك أنه لا أحد من أعضاء اللجنة امتلك خبرة في التشريعات الصحفية والإعلامية.

إن القضية الأساسية هي التوافق من أجل منظومة الإعلام المصري، لكن لجنة محلب جاءت لتنسف هذا الهدف من الأساس، قبل أن توأد اللجنة في مهدها تحت مُسمى "استشارية".




[1] أحمد سعيد حسانين، "غليان" صحفي بسبب لجنة محلب لصياغة "التشريعات الإعلامية"، جريدة "التحرير"، القاهرة، 17 أكتوبر 2014.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الإعلام واللجنة المحلبية"

أكتب تعليقا