ياسر ثابت: أبحث عن التاريخ الضائع.. وأكتب عن توائمي

| |

ياسر ثابت: أبحث عن التاريخ الضائع.. وأكتب عن توائمي!

6 سبتمبر 2014 - 49 : 13 م

حوار : عبدالجواد أبوكب

موقع بوابة روز اليوسف



- مشروعي الجوهري في الكتابة ألا أكرر ما يكتبه الآخرون
-  لا يوجد شيء اسمه خبرة في الصحافة مادامت الكفاءة ناقصة والموهبة محدودة والتدريب غائب.
-  القراءة عملٌ إبداعي يوازي إبداع الكتابة نفسه
- الأدب والبحث العلمي ومهنة الإعلام استفادت كثيرا من التطور التكنولوجي
 
هو واحد من كتيبة المواهب الكاملة، نجم كبير يغرد محلقا في سماء الإبداع ممسكا بأجنحة الكلمات فتبدو كأنها فراشات ألوان نراها للمرة الأولي.
 
وهو مبدع حقيقي يمتطي حصان اللغة جيدا، ويرسم بريشة الكلمات صورا ولا أحلي، يكتب الرياضة والأدب والسياسة بأسلوب أدبي منمق ومدهش التفاصيل وغير مسبوق جامعا بين النقد الرياضي والكتابة الأدبية الرشيقة صانعا بحرا من الصور الجميلة مليئا بحوريات التحريض علي القراءة حتي النهاية.
 
هو الدكتور ياسر ثابت الذي قدم للمكتبة المصرية والعربية 30 كتابا في الأدب والسياسة والرياضة وكأنه يصنع ملحمة تليق بحصيلة جهد ودأب لواحد يبدع حينما يريد ويتألق حتي عندما لا يقصد التألق.. حاورناه علي البعد وكانت السطور القادمة التي جاءت اجاباته على الأسئلة خلالها وكأنما يكتب محلقـًا كعادته:
 
من أنت من الميلاد للتخرج؟
في صباي، لم يكن اختيار هدية عيد ميلادي مهمة صعبة بالنسبة للأهل والأقارب.
 
كانوا يعرفون مسبقـًا نوع الهدية، ويستفسرون مني أحيانـًا عن عنوانها.
 
لم تكن هداياي إلا كتبـًا؛ روايات عربية ومترجمة، ودواوين شعر، وموسوعات عامة، وكتب تاريخ، وحتى مؤلفات رياضية. المهم أن تكون فاتحة لشهية القراءة وتستحثني على مزيد من المعرفة.
 
كنتُ أُقلِّب قبل فترةٍ في أدراجي، فإذا بي أمام أوراق صفراء اللون، مسكونة بالحنين. كانت أوراقي القديمة التي كنتُ أسجل عليها أسماء الكتب والروايات المهمة والكلاسيكية - وأحيانـًا المثيرة للجدل- التي أسمع عنها هنا وهناك أو يرد اسمها في الكتب التي أقتنيها.
 
كنتُ أجمع عناوينها وأسماء مؤلفيها ومبدعيها، وأدونها بقلم حبر جاف على تلك الأوراق، وحين أجد فرصة لزيارة مكتبة، أو تفقد سوق الكتب المستعملة، أخرجها للاستعانة بها في البحث عما أريد.
 
كل كتابٍ أجده، كان يُشطب من القائمة بخط رفيع، ليفسح المجال أمام كُتبٍ أخرى أتطلع بشوق إلى قراءتها سواء في مكتبة عامة، أو عن طريق تبادل الكتب مع أصدقائي من هواة القراءة، أو عن طريق الشراء.
 
قبل الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة الحاسوب، كانت وسيلتي الوحيدة لتحديد الكتب هي تلك الأوراق، التي اكتشفتُ أنني أحتفظ ببعضها حتى الآن.
 
في سنوات الجامعة، أصبحت لي صداقاتٌ وطيدة مع بائعي الكتب المستعملة في سور الأزبكية. كنتُ أدخر المال وأذهب لشراء الكتب التي أعرفها أو تستوقفني أثناء الفرجة على الكتب المعروضة، وأساوم على الأسعار حسب ميزانيتي، ثم أعود إلى المنزل بحمولة ثقيلة من الغنائم.
 
في بعض الأحيان، كنتُ أقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام أو أنتظر أمام محطة الحافلات العامة؛ لأنني ببساطة أنفقتُ كل ما في جيبي، ولم يبق معي ثمن ركوب سيارة أجرة.
 
في مرحلة لاحقة، تطور الأمر؛ لأصبح ممن يشاركون في شراء مكتبات خاصة من بعض من تضطرهم ظروف السفر، أو حتى وفاة صاحب المكتبة، إلى بيع تلك الكتب. كان بعضها يباع بأسعار زهيدة؛ ببساطة لأن أهل الفقيد لم يكونوا مهتمين بالإبقاء على تلك الكتب، وبعضها من المجموعات النادرة والمجلدات الفخمة والنفائس.
 
باتت علاقتي بمكتبتي هي من دون مبالغة هي علاقتي بمحيطي الطبيعي، فهي البيت فعليـًا وكل ما عداها على هامشها، وعندما كنت أتنقل من بيت لآخر، كان حرصي الأشد على المكتبة وسلامة الكتب والمكان الأنسب لوجودها.
 
القراءة بالنسبة لي حياة مضاعفة أضيف من خلالها تجارب وخبرات ومعارف الآخرين إلى تجاربي وخبراتي ومعارفي، وهي حياة تخضع لإرادتي واختياري، على عكس حياتي الواقعية التي لا يد لي في كثير من وجوهها. أتفهم من يصف القراءة بأنها فردوسه الأرضي الذي ينعم فيه ما دام حيـًا، ولا أستغرب حين تخيل خورخي لويس بورخيس الفردوس على هيئة مكتبة لانهائية الحدود.
 
كيف كانت قصتك مع عالم الصحافة والإعلام؟ وما هي حكايتك مع الأدب؟
 
الصحافة هي مجال دراستي وعملي منذ التحاقي بكلية الإعلام في جامعة القاهرة وحتى الآن. نلت شهاداتي ودرجاتي العلمية في كليات الصحافة بجامعات مصرية وبريطانية وأمريكية، وبدأت مشواري المهني منذ عامي الجامعي الثاني متدربـًا في جريدة "الأهرام".
 
الصحافة مهنة متطلبة وتحتاج إلى جانب الموهبة تدريبـًا وإخلاصـًا وجهدًا وسعة اطلاع. لا يوجد شيء اسمه خبرة، مادامت الكفاءة ناقصة والموهبة محدودة والتدريب غائبـًا. إنها عملية مستمرة لتطوير الذات وإتقان العمل والاستفادة من تجارب الآخرين واستيعاب مواثيق شرف المهنة للالتزام بها بدقة وأمانة.
 
أما القراءة والكتابة فهما هوايتي الأولى وجزء لا يتجزأ من حياتي اليومية. القراءة الجيدة والمكثفة والمتنوعة تصقلك وتضيف إليك وتُنمي موهبتك ككاتب. إنها الرئة التي تنفس منها أي كاتب هواء نقيـًا. كل كتاب جيد تقرؤه يعني مزيدًا من الوعي والاستنارة والفائدة التي تضاف إلى طريقة تفكيرك وقراراتك فضلاً عن كتاباتك الإبداعية والعلمية على حد سواء.
 
القراءة الواعية والذكية والاطلاع على الثقافات العالمية والتجارب الإبداعية أو الكتابات الأكاديمية الجادة، تجعل القارئ أكثر قدرة على توظيف قراءاته في تطوير أدوات الكتابة لديه، وتمنحه فرصة لفتح صندوق الخيال.
 
كيف تطور أدواتك وتصنع لغة خاصة بياسر ثابت؟
 أهتم بأن تشبهني الكلماتُ، كأنها توائمي، وأن تكون بصماتي على عقولٍ وأرواح عرفتُها وعرفتني. كتبتُ بعضَ أعمالي الأدبية وأنا أحملُ حقيبةَ سفري وأذوبُ في زحام مطاراتٍ تُعَدُ أول تمرين إنساني على الانتظار، وفي غرفٍ يدفعُ بياضُها إلى التبرمِ والضجر، وعلى مقاهٍ تمنحُك المنفى الاختياري الذي تشتهيه، وفوق أرضٍ مبتلة داكنة اللون بفعل الثلج الذائب تشي برائحة الربيع.
 
أكتبُ باستمرار، وأعيد تذوق الكلمات وتجويدها إن لزم الأمر، فأنت تتأنق للقارئ كما تتأنق للحياة.
 
أسمي كتاباتي الإبداعية نصوصـًا إنسانية، وللقارئ أو الناقد أن يسميها ما شاء، فلا يهمُني جنسُ الجنين ولا نوعُه، ما دام بين أيدي القراء وفي قلوبهم. علَّمتُ كلماتي أن تبوحَ عن الابتساماتِ المُعلبة، والضحكةِ التي توقظُ الأرض، ودروبِ الرغبةِ التي تهتزُ بالانفجاراتِ، والغرباءِ الذين يقتحمون حياتنا من دون سابق إنذار، والوجوهِ التي تومضُ بالكبرياء، والحقدِ الذي يجعلُ البعضَ يملكون نظرةَ كلبٍ مشوه.
 
والكاتبُ الأصيلُ طينةٌ من تذكاراتٍ شرسة، يتحدى ويتمردُ، يرصدُ ويسجلُ حتى النهاية، وعندما تذهبُ إلى قبره لا بدّ أن ترى قدميه خارجتين منه. وهو أيضـًا إنسانٌ مستعدٌ لأن يجرحَ قلبَه حتى يَنظُمَ قصيدةً عن جمال حبيبته.
 
حدثنا عن مؤلفاتك في التاريخ والسياسة والرياضة، خاصة كتاباتك الرائعة إبان كأس العالم الأخيرة؟
كتاباتي في التاريخ والسياسة والرياضة، هي اهتمام بالتوثيق والتدقيق قبل كل شيء.
 
أبرز مجالات اهتمامي هو التاريخ، الذي يختلط عادةً بالسياسة فلا يغادرها.
 
التاريخ هو نحن بلا رتوش.
 
تركيزي مُنصّبٌ على تاريخنا الحديث والمعاصر. التاريخ القريب هو أصعب تحدٍ بالنسبة لأي مهتم بالرصد والتحليل، فالأحداث تتلاحق ونحن نلهث وراءها، والأزمات تقع ونحن نحاول احتواءها، والأشخاص يظهرون على الساحة ثم يختفون ونحن نسعى إلى فهم أسباب الظهور ودواعي الاختفاء. وفـي هذا كله، تتشكل طينة التاريخ، وتصبح مهمتنا الأصعب هي استيعاب الأحداث وأحوال العباد والبلاد، بعيدًا عن صخب البعض وزعيق البعض الآخر، ممن يقودون حملات تعيد تغليف المبررات العطنة التي تهز الثقة وتربك حسابات المصريين فـي حاضرهم ومستقبلهم.
 
في كتاباتي التاريخية، أبحث عن التاريخ الضائع، الذي أهملناه أو أغفلنا وأدقق في تفاصيله، وأقارن بين المصادر الموثقة على اختلافها بحثـًا عن الحقيقة ولا شيء سواها، وأجتهد فـي تأمل الظواهر المختلفة من قاع المجتمع إلى قمته، حتى أنقل صورة ما يجري إلى القارئ، تاركـًا ملامح الصورة والأحكام له وحده.
 
وفـي بلدٍ مثل مصر تبدو إرهاصات التغيير فيه موجودة، لكن اللحظة غير معلومة، فإن التحليل المتأني والاستقراء المتعمق لعدد من القضايا والظواهر المختلفة، مع العودة إلى التاريخ القريب، يمكن أن يُلقي مزيدًا من الضوء على ما استغلق علينا وحار كثيرون فـي فهمه بشأن حاضر مصر ومستقبلها.
 
يمكن أن تجد هذا في مؤلفاتي، مثل "قصة الثروة في مصر"، و"جمهورية الفوضى"، و"قبل الطوفان" و"زمن العائلة"، و"حروب العشيرة"، كما تلمسه في كتاباتٍ أخرى مثل "شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي"، و"جرائم العاطفة في مصر النازفة".
 
هذا الاهتمام بالتاريخ والسياسة نابعٌ من حرصي على إزالة غبار النسيان وركام التحيز عن الحقيقة قدر الإمكان، خاصة أننا نعيش في عصر الثقافة الشفوية التي لا تصنعُ حضارة. الكتابةُ تضبطُ التفكير، والقراءةُ تخلقُ الأفكار، والكتب الموضوعية - شأنها شأن الأعمال الإبداعية الجيدة- خالدةٌ ما بقيت الإنسانيةُ تفكر.
 
في الرياضة أيضـًا، تجد اهتمامـًا واضحـًا بالتوثيق والتدقيق واستكمال الفراغات في تاريخنا وذاكرتنا الرياضية، والبحث عن جذور الظواهر الرياضية، مثل "حروب كرة القدم" الذي تناولت فيه علاقة هذه اللعبة الشعبية بالسياسة والدين ورجال الأعمال، عربيـًا ودوليـًا، ومثل "دولة الألتراس" الذي تعمق في ظاهرة روابط المشجعين في عالم كرة القدم، والتقاء جماعات الألتراس مع القوى السياسية والجماعات الدينية في بلدٍ مثل مصر. أما "أجمل القتلة"، فهو محاولة للجمع بين الرياضة والأدب، عبر لغةٍ أدبية شفيفة، ترصد تفاصيل دقيقة للاعبين والجمهور خلال مونديال البرازيل 2014، الذي فاز به منتخب ألمانيا.
 
عندي الآن أكثر من 30 كتابـًا في الأدب والتاريخ والسياسة والرياضة، كل واحدٍ منها به جهدٌ مُقدر ويسد فراغـًا ما في المكتبة العربية، وهذا هو مشروعي الجوهري في الكتابة؛ ألا أكرر ما يكتبه الآخرون، وأن أكمل ما بدأه غيري بالإضافة وإثراء القارئ ووزيادة معارفه وتوسيع مداركه وتنتبيه وعيه، حتى يكون للكلام معنى وللكتابة قيمة.
 
تجربتك الإبداعية كيف تراها؟ هل ترى أن التكنولوجيا أفادت الأدب والإعلام أم العكس؟
الأكيد أن الأدب والبحث العلمي ومهنة الإعلام استفادت من التطور التكنولوجي إلى حد كبير. في مجال الكتابة والبحث، صار الأمر أكثر يسرًا وسهولة، وأصبح بوسع المرء الاطلاع على أحدث الأعمال والمؤلفات بضغطة زر. في المقابل، أصبح العاملون في مجال الإعلام أقدر على تغطية الأخبار والأحداث والمؤتمرات الصحفية وإجراء الحوارات الصحفية ونقل المعلومات والصور ومواد الفيديو إلى غرف الأخبار وصالات التحرير بسرعة ودقة، وهي طفرة لا نكاد نستوعب جديدها حتى نرى منجزات أحدث وأسرع وأكفأ.
 
ما هي نصيحتك للقارئ بشكل عام؟
القراءة بنهم، شغفٌ لا يضاهيه أي شغف.
 
تلك الأبواب المغلقة التي أمامنا، لن تُفتح إلا بمفتاح العلم والمعرفة.
 
المعرفة وعي، يقودنا إلى فهم أعمق للحياة والحضارات والأمم، والقراءة هنا هي الخطوة الأولى على طريق تحصيل العلم وإثراء العقل في مواجهة تراجعنا، الذي لا يخفى على أحد.
 
دعونا نقرأ، ونفهم، ونبحث، ونترجم، حتى نتقدم ونتطور ونواجه مشكلاتنا بنضج أكبر، وقدرة أكثر تأثيرًا على مجتمعاتنا وعالمنا.
 
فلنقرأ أكثر حتى نزداد نضجـًا وخبرة ومعرفة. وكما يقول الكاتب والناقد الكبير عباس محمود العقاد، فإن "التجارب لا تُقرأ في الكتب، ولكن الكتب تساعد على الانتفاع بالتجارب".
 
اقرأ أي كتابٍ يوسع مداركك، ويمنحك نهجـًا في التفكير، ويثري خيالك، ويضيف إلى معلوماتك، فكل حرف نور، وكل كلمة قنطرة وجسر يصل بك إلى ضفة أخرى من هذا الكون الشاسع.
 
اقرأ، وستجد حتمـًا أن ذائقتك في القراءة - والكتابة- تتحسن وتنضج، مع تراكم القراءات والخبرات، وتعمق التأملات، وإمعان البصر، وتفتح البصيرة.
 
اقرأ، فالقارئ هو الصورة الأخرى للكاتب ومرآته، وهو القوة المؤثرة التي تبحث عن دروب جديدة للحياة.
 
إن فعل القراءة عملٌ إبداعي يوازي إبداع الكتابة نفسه.
 
لا تتبع الآخرين في ذائقتهم، وإنما اجعل عينيك وعقلك هما البوصلة والحاسة اللازمة لتذوق الأعمال الإبداعية وتقويم منجزات الآخرين.
 
 


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ياسر ثابت: أبحث عن التاريخ الضائع.. وأكتب عن توائمي"

أكتب تعليقا