الصراع على مصر: ذئاب مبارك والعهد الجديد

| |






التاريخ لا يعترف بالفراغ، وهناك دائمـًا من يتقدم لملئه.
قبل عام 2011، لم يكن هذا الرجل معروفـًا لدى المصريين. غير أنه منذ ذلك الوقت ركب عبدالفتاح السيسي موجة من الحماسة الشعبية حملته إلى منصب الرئاسة، في حين بات كثيرون ينظرون إليه على أنه المنقذ والشخصية القوية الوحيدة القادرة على قيادة البلاد.
وسط ضباب الفراغ السياسي، وانقسام القوى المجتمعية والسياسية، تقدم السيسي إلى مهمة رئاسة دولةٍ مستنزفةٍ اقتصاديـًا وأمنيـًا، التخبط الإداري ضارب فيها، والفساد الممنهج استشرى في بنيتها، والتبعية الطويلة تضع حدودًا على حرية حركتها في محيطها.
وإذا كان السيسي ومن معه يؤكدون أنه لا يملك عصا موسى، لا هو أو غيره، للانتقال فجأة من حال إلى حال بقفزات في الفضاء السياسي فوق الملفات الملغمة، فإن الملابسات التي أحاطت بصعوده السريع إلى السلطة وقراره خوض انتخابات الرئاسة، بدت مدعاة للتأمل والتحليل، خاصة أنها تلتقي في كثير من النقاط مع مصير وطن بحجم مصر.
وإذا كان هناك من يروج لفكرة القيادة السياسية المحمولة على أكتاف الضرورات والقوى القاهرة والأحوال المتردية في مصر، وما حولها، فإن علينا ألا نغفل عن حقيقة حاجتنا أكثر من أي وقت مضى إلى قيادة تعي حدود دورها وتدرك حجم مصر، وتعمل على ترسيخ مفاهيم الديمقراطية ومبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن الحرص على تفادي الوقوع في أخطاء قيادات سابقة أوصلت مصر إلى ما نحن عليه الآن.
بدت مصر أمام تحدٍّ كبير، عنوانه الأبرز: "استعادة المحروسة ذاتها وروحها ودورها وقدرتها على الإنجاز".
ونتصور أن ما دخلت مصر فيه عقب تنصيب الرئيس الجديد هو بداية لمرحلة جديدة من مراحل التدافع الجيلي، وبالحسابات الكمية والنوعية فإن المستقبل وأوراق الفوز متوافرة لدى أجيال الشباب أكثر من أي طرف آخر، بشرط أن تُحسن استخدامها وتتعلم من تجاربها السابقة. وإذا كانت الشرائح العمرية الأصغر سنـًا سجلت نوعـًا من الاعتراض والتحفظ على مجريات الأمور خلال عملية الاقتراع في انتخابات الرئاسة، فإن هذا، إلى جانب ضعف الإقبال على التصويت بشكل عام، من الأمور التي تقدم درسـًا مجانيـًا ومهمـًا للقيادة السياسية الجديدة في مصر.
في المقابل، لا يمكن التنبؤ بالمسار الذي ستمضي فيه ملحمة عبدالفتاح السيسي وأثر التغيرات الأخيرة على ذلك المسار، وإن كان سيسعى لتحقيق نبوءته ومصيره كما تقتضي قواعد الملحمة الشعبية. ورغم بروز تحفظات واعتراضات واضحة على تولي رجل ذي خلفية عسكرية أو غير متحمس للديمقراطية والحريات العامة بسبب دقة الظروف الأمنية، فإنه، في كل الأحوال، سيظل السيسي في نظر كثيرين، وعلى المدى المنظور على الأقل، بطلاً مُخلِّصـًا انتظرته المخيلة الشعبية منذ زمن.
غير أن ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن مصر في أشد الحاجة إلى قائد وطني مُنجِز، يبني الديمقراطية ويُرسِّخ حقوق الإنسان ويحكم بالعدل ويرفع مستوى معيشة الشعب.
صحيحٌ أن استعادة الدولة هدفٌ محمود ومطلبٌ رئيسي من غالبية المصريين اليوم، إلا أن تحقيق السيطرة لا يصلح عنوانـًا لرؤية متكاملة. نحن بحاجة إلى رؤية مستقبلية متكاملة للإصلاح والتنمية، وتعهدات واضحة بضمان الحريات العامة، وتطبيق معايير العدالة الانتقالية المتعارف عليها دوليـًا.
ولعل ما يستدعي الرصد والترقب في الفترة المقبلة هو رؤية السيسي لقضايا رئيسية لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب، وإزالة آثار عامٍ من الحُكم الإخواني الفاشل، وإصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور، مثل آليات مكافحة الفساد وتطهير أجهزة الدولة، ومنع العودة إلى مثالب عهد مبارك ورموزه المرفوضة شعبيـًا، وإعادة هيكلة أجهزة الأمن، وتوفير العدالة الاجتماعية بمفهومها الشامل، وحماية حقوق الإنسان وحرية التعبير، وترسيخ مفاهيم الديمقراطية، وتحديد دور المؤسسة العسكرية ومنع التداخل بينها وبين مؤسسات الحُكم والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
من هنا، يبدو الاختبار دقيقـًا وحاسمـًا؛ إذ على السيسي أن يُنحّي جانبـًا زي المشير وذهنيته بعد أن قرر خوض الحياة المدنية والترشح للرئاسة، وأن يمنع الفلول وطبقة رجال الأعمال وشبكات المصالح وبعض القوى والتيارات السياسية من "خصخصته"، وأن يعمل على تأكيد مبدأ مهم مفاده أن الشعب هو الدولة، وأن الديمقراطية بأعمدتها وأسسها الثابتة -التي تشمل، ضمن ما تشمل، الشفافية والرقابة والمحاسبة- هي سلاحه، وهي الضامن لمنع انهيار الدولة.
هذا هو الصراع الذي نخشاه، وهذا هو مصدر القلق ومحل التوجس والريبة من جانب الأجيال الشابة على وجه الخصوص، وأصحاب الرؤى المستقلة من مختلف المشارب والتوجهات.
إن غياب اليقين بشأن صورة المستقبل، وخاصة مستقبل الحُكم والسياسات المتبعة والبرامج والرؤى الموضوعة، والموقف من رموز وسياسات عهود مضت، وخاصة عهد مبارك، أمرٌ بالغ الخطورة، ويستدعي تحركـًا جادًا ومدروسـًا من جانب مؤسسات الدولة لتبديد تخوفات كثيرين في هذا الشأن.
يتمثل أحد أوجه الصراع على مصر المستقبل، في تلك الهوة الواسعة بين أجيال جديدة ترى المستقبل حقـًا لها، وأجيال قديمة أصابها العقم والترهل والعجز، لكنها مازالت تتمسك بأفكارها البالية ومواقعها المؤثرة لحماية مصالحها الخاصة. وفي وجهٍ آخر، تبرز انقساماتٌ أشد وأكثر شراسة بين المنادين بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان ومكافحة الفساد، وفريق آخر من أصحاب المصالح وأبناء النظام وأتباع الأجهزة الأمنية وغيرها، في ظل محاولة الفريق الأخير العودة إلى مواقع السلطة والنفوذ والمكاسب، فضلاً عن تصدر المشهد الإعلامي والسياسي.
في التحولات الجارية مزالق سياسية قد تضيع عندها الخطوط الفاصلة بين الصواب والخطأ.
إن بعض من اعتادوا خلط الأوراق في المشهد المصري بدأوا في الإطلال برؤوسهم للقول بأننا على أبواب خير عميم أو كارثة مقيمة، وفي تقديرنا أن هذا خطأ ناجمٌ عن انحيازات مسبقة وتصورات جامدة، وربما كان نتيجة تسرع في إطلاق الأحكام.
صارت المبالغة هي قانون كل ما يجري في مصر، بل إن تأييد السيسي شهد الكثير من المبالغات، رغم أن الرجل لم يكن بحاجة إلى كل هذه المزايدات. الممارسات الضارة تنتقص من رصيده ولا تضيف إليه، رغم أن أفضل من يروج للسيسي هو الفشل الذريع لجماعة الإخوان المسلمين سواء خلال فترة توليهم السلطة أو في أعقاب ثورة 30 يونيو.
وإذا كان بعض من يتعاطون السياسة في بعض الدكاكين التليفزيونية أو الحزبية لديهم حساباتٌ تحكم رؤيتهم لمستقبل مصر ويحاولون إلباس الحق بالباطل برفع شعارات جوفاء، فإن منطق الأشياء فرض نفسه في نهاية المطاف.
المشكلة أن هناك من رأى فيه زعيمـًا جديدًا، لكن أصحاب المصالح تطلعوا إلى صورة أخرى من عصر ثار عليه شعبه.
ربما تكون مواقف هؤلاء سببـًا في إشعال الموجة الثالثة للثورة، خاصة في ظل إصرار المجموعة الحاكمة على ترسيخ مصالحها فقط بل إعادة إنتاج السياسات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي خرجت الثورة ضدها.. لقد اختار هذا التحالف المريب منذ اللحظة الأولى الانحياز للقديم والتحالف مع أجهزة وقوى ليست فقط في حالة عداء مع الثورة بل أيضـًا تتحرك بدافع الثأر والانتقام منها دون أي محاولة حتى لتحسين أشكال وشروط التعامل. اختار النظام الوليد حتى الآن إعادة إنتاج ما فات كاملاً، ونسي أن ذلك سيسرع وتيرة التناقض الاجتماعي، فالثورة وإن ظهرت عليها ملامح الإرهاق فإن هذا لا يعني القبول بإعادة إنتاج وتأسيس مسبباتها الاجتماعية والأمنية.
إن مصر اليوم تحتاج إلى تضامن الجميع وشجاعتهم للاضطلاع بنقد ذاتي ضروري وإعادة حسابات واجبة ووضع اليد بوضوح -دون تزييف للوعي يمارسه هنا وهناك من يدعون احتكار الحقيقة المطلقة- على جذور وأسباب الظواهر السلبية التي نعاني منها وعلى الحلول الممكنة.
وفي تقديرنا أنه في انتخابات الرئاسة للعام 2014، انقسم الناس إلى فسطاطين واضحين؛ الذين انتصروا للسلطة ناموا في أحضانها حتى آخر مرشح.. والذين اعتنقوا المبادئ دافعوا عنها حتى آخر مرشح أيضـًا.
يرتبط بهذا التصور رأيٌ مفاده أن ما تحتاجه مصر هو خطابُ إنقاذ جديد يستند على رؤى وتصورات تُلهم وترشد، لا على نداءات مبايعة وتفويض على بياض.
إن مصر لا تحتاج مُخلِّصـًا، لكنها تحتاج إلى عدل وحرية وكرامة وعزة واستقلال حقيقي، ولن يأتي كل ذلك إلا من خلال رفع المظالم ومحاسبة المجرمين، وتوفير الحقوق لكل المواطنين دون تمييز أو تفرقة، وتحقيق التوافق بين أبناء الوطن، ومصر في حاجة ماسة لجيشها الأبيّ، الذي يرابط أبطاله على الحدود لحماية الوطن من أخطار أعدائه المتربصين بنا في الشرق، وليست في حاجة لقادة عسكريين في مواقع السلطة ودهاليز السياسة، حتى لا ينصرفوا عن مهمتهم الوحيدة، وهي الحفاظ على أمن الوطن.
لقد تسابق كثيرون لإظهار حُبّهم للسيسي فأحالوا الحُبَّ من إحساس راقٍ إلى سلوك مبتذل، وهذه آفة يجب التخلص منها إن لم يكن القضاء عليها.
أقول قولي هذا، ولا أستغفر لأي من المنافقين.

من مقدمة كتاب " الصراع على  مصر: ذئاب مبارك والعهد الجديد"، دار كنوز، القاهرة، 2014

تجدونه في:

القاهرة:

الشروق
ألف
ديوان
كنوز
ليلى
عمر
تنمية
الجمل
الشرق الأوسط


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "الصراع على مصر: ذئاب مبارك والعهد الجديد"

أكتب تعليقا