تحت معطف الغرام

| |







عودٌ على بدء: تويتر.
من قَلْبِ تجربة التغريد الإلكتروني، يأتي هذا الكتاب الذي يحمل طابعـًا فريدًا عنوانه الأبرز: المرأة.
والكتابة عن المرأة لا تؤثر السلامة.
ففي كل حرفٍ، ومع كل منعطفٍ، مشاعر تنام على حرير الكلام، وآلامٌ وآمالٌ، وأحلامٌ وأوهامٌ، ونون نسوة تبدأ معها الحكايات ولا تنتهي.
هذه الحكايات يرويها القلم والألم، لتتقد بها جمرتان من نارٍ مجهولة، وينبت النرجس في صدورنا وعلى حواف حروفنا المنمنمة، وتبتهج السعادة وهي تستريح على سرير تلك الرياضة الذهنية التي عمادها البوح في فضاء الإرادة الفاتنة.
والقلق ألق.. والأرق ورق!
التغريد هنا يسلك درب المرأة ولا أحد سواها، حتى يَعْبُرَ إلى الضفة الأخرى من نهر اللهفة. والمرأة ورد النيازك، وضوء الزنابق، ورائحة الجلنار. أما الكتابة فهي تلك العملية السحرية التي نحفظ فيها كل ورود الشوق ووعود الأمل، وسراب الخيبات، كي يتعلم من بَعدَنا أهمية تكرار الخطأ نفسه بإيقاعٍ مختلف!
والثابت أن تغريداتي عن المرأة التي يضمها هذا الكتاب وُلِدَت في مدنٍ مختلفة، من دبي إلى أبوظبي مرورًا بالقاهرة، ووجدتْ طريقها إلى الآخرين في صباحٍ يبدد العتمة، وظهيرة تفض الاشتباك مع أشعة الشمس وليالٍ لا يُفرّق فيها العشاق بين الأحلام والواقع.
وفي زوايا كل تغريدة، يجد المرء نفسه كما لو أنه يمتلك مفكرة إلكترونية يجمع فيها كل فراشات غربته، ويسكب في وعائها كل الشهقات التي تعيها الذاكرة المثقلة بالأفكار، ومختلَف الكلمات التي أعياها الانتظار.
وكلامنُا نكبَتُه، أننا نكبِتُه.
والسر في هذا هو أن هناك كلماتٍ نُخبئها، وأخرى نختبئ وراءها. على أن الكلمات تقف بشموخ بوصفها بيتَ كياننا، وصحائِفَ حَنيننا، وعيارَ الفكرةِ التي يُسبكُ بها الذهب.
إن اللغة والكتابة تركيبةٌ سحرية، تجعلك تُحدث نفسك قائلاً: سأكتب المزيد، عن البرعم الذي يصير زَهْرَة، وخصلات النار التي تغازل الجدار، والسكينة التي تتعقب خفقات القَلْبِ. وبتفصيل أكبر، فإن الكتابة نوعٌ من التعري، إما أن يكشف مواطن جمالنا أو يفضح كومة عظامنا الممصوصة.
إنها آخر ما تبقى من نُبل هذا العالم.
لذة الكتابة، في تقديري، تكمن في أنها العلامة الكاملة للحياة، والطوق الأخير للنجاة.
من بحر الكلمات إذن نغترف، ونعترف بأن تويتر أداة الجريمة التي تستحق التهنئة. وعلى صفحة النهر، نتأمل صورتنا المنعكسة، ونعي تفاصيل لم نتنبه إليها من قسمات وجوهنا. وفي سفينة تويتر، نكتب لإسقاط قوس قزح على مواضع الجمال، ولإشراقاتٍ متناثرة، والبحث عن نهر السعادة المفقود.
والكاتبُ في سعيه الدؤوب لارتياد أماكن مجهولة ومشاعر جديدة، إنما يبحث عن سببٍ يحرضه على التحليق بجناحيّ الكتابة.
في هذا الكتاب، نطل معـًا من نوافذ مفتوحة حد الأمل، وبالتفاصيل المنسية، نخلق عالمـًا فريدًا. ورويدًا رويدًا، يُعَبر عمقُ الحياة عن نفسه جملة واحدة في المشهد الساحر، فنتأمل تلك الأفكار والمشاعر التي انزلقت من أذهاننا وتسربت من صدورنا بأناقة ذاهبٍ إلى حفل وشجاعة مسافرٍ إلى ساحة القتال.
بتدوين ذلك كله، أزعم أني نجحتُ في تحرير الذات من قيودٍ لا تنتهي ورطانةٍ تُوهِم البَعْضَ بتحقيق تقدم، والتخلص من كل أولئك الشخوص الذين يتصارعون داخلي.
والكاتب إن نحَّى عنه قلقه، تنَّحى عنه قلمه!
حروف اللغة هنا تأخذ شكلاً جديدًا، أكثر رشاقة وتركيزًا، لتؤلف جملاً وعباراتٍ تحدد المعاني تخومها وأبعادها وبداياتها ونهاياتها. هكذا نكتب بأقلام لا تثمل، ونستعين بالأحلام على الحياة. وفي تقديري أن اللحظات هي حياتنا، وكل ما أفعله هو قراءتها ورصد تفاصيلها الثرية.
هأنَذا أتحدى الجملة الناقصة للكاتب خشية الفضيحة، وأمارس طيش اللغة.
الأكيد أن الكتابة هي ابنة الذاكرة، وحين نكتب نشعر بالحنين والفقد والشغف، كعشاق حفظوا الهوى أو ودعوه رغمـًا عنهم. وبَعْضُ تغريداتنا رسائل مشفرة ننثرها في الفضاء الواسع ليفهمها فقط من قُدِر لهم ذلك.
وفي حقيقة الأمر، لستُ أدري إن كنتُ أنا الذي يكتب، أم التجارب!
غير أن تلك المغامرة الإبداعية علَّمتني كيف أؤثث أركانَ الوقت في فضاءٍ يضج بالذكريات. فالكتابة بوابة الصوت، والكاتب بأحلامه الكبيرة يساعد قراءه على الحياة. وأنا إذ أعطيك كلماتي، فإنني أمنحك جزءًا من نفسي، التي تنمو مثل عشبةٍ نبتتْ على جانب الطريق.
والحروف هي تلك العاطفة الغامرة، العامرة بالمعاني الدافئة والدمعة النائية.
واليوم، أصبح فضاء تويتر قَلْبَنا الافتراضي، وعاطفتنا التي تتحدث.
كنت أسائلُ نفسي كثيرًا: إذا كل هذا الحنين يتدفق منا جميعـًا على جناحيّ تويتر؛ لم إذن نخبئه في النهار خلف أقنعة الصرامة والادعاء والفتور؟!
ها نحن في هذا الفضاء الإلكتروني نمارس البراءة واللعب بالمعنى الجمالي للكلمات، ونتحدث عن البشر، سيما أولئك الذين خذلتهم الحياة ومع ذلك يستمّرون في العيش بكُلِّ طاقاتهم.
والحرف رسولٌ لا يؤمن به إلا من كان قلبه عامرًا بأجمل الكلمات.
كنتُ أقولُ لمن أُحِبُّ في عالم تويتر: نحن لا نبدع ولا نتألق إلا في وجود مواهب مدهشة. في حضوركم، تكون كتاباتي أجمل. وهذا صحيحٌ إلى حد بعيد، ذلك أننا في الكتابة نتمثّل حياة الآخرين وأحلامهم دون أن نتبناها.
أرأيتَ كيف نعشق البَحْرَ أكثر ونراه أجمل كُلما كان ممتدًا بلا حدود؟
يدرك كل من أدركته تجربة تويتر أنه في عالم التغريد الإلكتروني يدخل عالمـًا آخر، ويخرج منه مختلفـًا عمّا دخل، فهو مقهى ثقافي، ومنتدى أدبي، ومنصة حوار وساحة نقاش، بعيدًا عن الغلو والتراشق؛ فيه نتعلم كيف نحترم اختلافاتنا، ونستوعب تناقضاتنا، ونردم الهوة بين مواقفنا، حتى نتقارب ونتآلف ونتفاهم.
وفي الفضاء الصغير الذي لم يعد فضاءً، من الجميل أن تبالي.
أتمنى لكم قراءة ممتعة.



من مقدمة كتاب "تحت معطف الغرام"، دار اكتب للنشر، القاهرة، 2014


تجدونه في:

القاهرة:

الشروق
ديوان
ألف
ليلى
عمر
 تنمية
الجمل
الشرق الأوسط

الإسكندرية:

فكرة
الرملي
روايات

 طنطا:

المكتبة القومية

 دول عربية:


زين المعاني - الإمارات 
 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "تحت معطف الغرام"

أكتب تعليقا