صناعة الطاغية: سقوط النخب وبذور الاستبداد

| |







هذا كتابٌ عن اللبنة الأولى في صناعة الطغاة: النخب الكسيحة.
تلك النخب التي تخضع للاستبداد، وتروج للطاغية، وتتماهى مع أفكاره الشمولية وقراراته السلطوية، وتصمت عن تعسفه وبطشه، وهي تتمنى ألا يصيبها بعضٌ من رذاذه. في تواطئهم أو خضوعهم، يكون هؤلاء أصابع الطاغية وذراعه الباطشة، ويصبحون بمشيئتهم أو على غير إرادتهم جزءًا من صناعة الاستبداد وعائلة الطغيان.
وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الكتاب يتناول الطغيان، لا الطاغية؛ لأنه يتحدث عن الطغيان ابتداءً، وكيف تتورط النخب الكسيحة في صناعته.
في مختلف مواقع المسؤولية وصنع القرار، هناك مكانٌ لتلك النخب الزائفة التي تتضافر وتتضامن لحماية مصالحها وضمان استمرار نفوذها وسطوتها، وتساوم على القيم والإجراءات الديمقراطية، وتزين للطاغية ومسوخه المستنسخة عنه سوء عملهم، وتدفع الوطن باتجاه تكرار إخفاقات الماضي، وكل ذلك من أسباب نكبتنا في مصر المحروسة.
ستجد هؤلاء، من بطانة السوء وحملة المباخر ومروجي الشائعات والمتحالفين بالتواطؤ، خلف الميكروفونات وأمام عدسات المصورين وفي الكواليس، غارقين في لعب دور الجناة والضحايا على حد سواء. يتحالف هؤلاء بفجاجة مع المكون العسكري- الأمني، ويتورطون في التمكين للسيطرة السلطوية على الدولة والمجتمع، وقد يوظفون الدين في السياسة على نحو يختزل الأخيرة إلى صراع على الهوية ويناهض الحرية والمواطنة ويمهد للعنف.

ويمكن أن ترى أشباههم وأشباحهم في ساحات السياسة، وقاعات الاجتماعات الحكومية، وأقسام الشرطة، وأبراج رجال الأعمال، واستوديوهات التليفزيون، ومراكز الأخبار، وملاعب الكرة، ومواقع التصوير السينمائي، وجلسات الجماعات التي ترتدي مسوح الدين كي تكبل الحاضر وتلغي المستقبل.
ويمكن أن تدع القوس مفتوحـًا لمزيد من النماذج على هذه الشاكلة.
لا تخرج مواقف هذه "النخب" عن تبرير هيمنة التيارات الدينية أو المؤسسات الأمنية، أو تسويغ عسكرة الدولة والمجتمع، والترحيب بقرارات وإجراءات تنتهك حقوق الإنسان، وتُغيب الرقابة والمساءلة والمحاسبة، وتعطل مكافحة الفساد المحصن والمحمي بشبكات المصالح العامة والخاصة.
بالنسبة لهؤلاء، ما أحلى الانفراد بالمشهد والاستئثار بالسلطة ومواصلة الاحتكار السياسي والاقتصادي والثقافي والرياضي والديني؛ لأن ذلك يضمن بلغة المصالح بقاء الحال على ما هي عليه، ويحقق الغرض من مناقشة القضايا والموضوعات واتخاذ القرارات في حضرة الأحبة والخلان والأتباع والموالين.
تلك النخب، الباحثة إما عن الهيمنة الأحادية أو المتصارعة حول المصالح دون اعتبار للقيم الديمقراطية ولسيادة القانون، تستغل الثغرات وأوجه التضارب الموجودة في 63 ألف تشريع مصري، بعضها يُعرف باسم "القوانين سيئة السمعة"، وبعضها الآخر أصبح يُثقل كاهل المواطن.
يمكن اكتشاف تهافت ممثلي هذه النخب على السلطة، ونهمهم للتوريث العائلي، ورغبتهم في شغل مواقع المسؤولية وصنع القرار تحت أضواء الإعلام المُدجن؛ إذ إنهم يرفعون على الدوام شعار الخليفة الراشد عثمان بن عفان "لم أكن لأخلع سربالاً سربلني الله".
غذت تلك النخب المشوهة كل ما يصب في اتجاه قيام الطاغية، فردًا أو مذهبـًا، باسم الأغلبية، وتحت شعارات متلونة لا تخلو من تحايل. ومارست هذه النخب، التي تغرس بذور الاستبداد، كل ما يحرض على الفرقة والانقسام والاستقطاب وأي أمر من شأنه أن يفتت هذه الجماعة الوطنية أو يؤدي بها إلى حافة الاحتراب الأهلي، الذي يشكل خطورة كبيرة على بنية المجتمع وشبكة علاقاته الاجتماعية فضلاً عن العلاقات بين مؤسسات المجتمع وسلطاته.
بسذاجةٍ مفرطة، وفي أحيانٍ أخرى بدهاء لا نظير له، اخترع هؤلاء نظريات المؤامرة وتفننوا في تسميم الأجواء وصناعة أعداء وهميين. وسواء أكان ذلك نوعـًا من الإلهاء والتخدير للمجتمع أو عن اقتناع حقيقي بها، فإن هذه الفزاعات لقيت رواجـًا في آذان الناس وتغذت عليها عقولٌ وقلوبٌ دأبت على الاستسهال وأدمنت اتباع الهوى.
وحين يتوطن الخوف والظلم والنفاق في أرض، فقُل على نخبتها السلام.
كنا نريد لمصر أن تكون جنة الوسطيين، في الرأي والسلوك، فإذا بها تتحول إلى جنة المتوسطين، من محدودي الموهبة والخيال والإدراك، الذين تصدروا المشهد من حيث لا يدري أحد. وفي ظل الغيبوبة الجمعية، شهدنا التزييف العمدي للواقع، والتغني الأجوف بمنجزاتٍ متوهمة لا تصمد أمام المقارنة المتأنية مع تاريخ مصر أو مع الآخرين في العالم.
عائلة الطغيان طرفٌ أساسي في تلك المعادلة المسمومة؛ إذ انشغل عامة الناس بالتشاكي والسخرية من القهر والظلم وافتقاد العدالة، عن التحرك الإيجابي والعمل الواعي والمسؤول لتصحيح المسار، مهما كان الثمن.
أفرز ذلك مشهدًا عامـًا يبدو بكل عمومياته وتفصيلاته، طاردًا للأمل، في ظل هيمنة نخب وقوى سياسية واقتصادية ودينية عاشت وتربت في كنف أنظمة مستبدة، خضعت لها طويلاً واستكانت لها كثيرًا، حتى باتت مؤمنة بأدواتها في الحُكم وأساليبها في الطغيان.
كانت النتيجة هي الواقع المزري والمؤسف الذي نراه ونعيشه؛ فلا مصر، الآن، هي مصر التي كانت، ولا صورة مستقبلها واضحة وقوى هذا المستقبل محددة، ثم إنها لم تعد مركز القرار العربي بأي حال من الأحوال.
لقد أفقدها الطغيان موقعها كقيادة للأمة، من دون أن تمكنها الريادة من احتلال مركز القيادة إقليميـًا أو دوليـًا.
إن من يتابع ما يجري على الساحة في مصر يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مُر: إما أن يشاهد ويسمع ويعاين فيكون في الغالب شاهدًا على رداءة الأداء وسقطات ممثلي تلك النخب والتكتلات من جماعات المصالح، بما يُحدثه ذلك من أثر في النفس يتراوح بين السخرية والضيق والازدراء، فيقرر تبعـًا لذلك المقاطعة والانزواء السلبي، أو حتى ادعاء الحياد؛ وإما أن يتحرك بإيجابية لكشف الحقائق وتبديد الأوهام والأساطير المؤسسة لتلك النخب الكرتونية، فيضطر إلى خوض مواجهات ليست سهلة، بالنظر إلى نفوذ تلك القوى وبطش أجهزتها وأذرعها الممتدة في مختلف مناحي الحياة ومؤسسات الدولة.
ونحن اخترنا المواجهة بالأسماء والوقائع؛ لأن هذا هو طريق الإصلاح والإنقاذ، ولأننا إذا بقينا في هذا المربع الكريه، فلن نحصد سوى المزيد من الأزمات والنكبات على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إننا في حالة حرب حقيقية مع واقع صعبٍ ملتبس، إن لم نهزمه سيلتهمنا بسهولة؛ حرب مع أفكار تجذبنا إلى الماضي، في حين أننا أحوج ما نكون إلى العبور نحو المستقبل.
بعد ثورتيّ 25 يناير و30 يونيو، لا بدَّ ألا يخاف المصريون شعبـًا وحكومة من الحرية واختلاف وجهات النظر؛ لأن الخائفين لن يصنعوا تقدمـًا لهذا الوطن، وهو المأمول بعد خروج الملايين لإحداث تغيير في الدولة ومؤسساتها.
علينا أن نبادر إلى تجديد دماء النخب وإصلاح مسارها، وتوعية أفرادها بالحقوق والواجبات، والعمل على انخراطهم في جهودٍ بناءة تهدف إلى التفكير السليم في مستقبل الوطن، وإنقاذ هوية باتت مفككة مأزومة نتيجة الحناجر التي تهتف والأيدي التي تصفق على مسرح صناعة الطاغية.
والديمقراطية الحقة، كما يشير إليها الفيلسوف كارل بوبر، ليست حُكم الشعب كما هو رائج ومفهوم خطأ، بل إنها القدرة على محاكمة الحكومات، والمقدرة على منع قيام طاغية باسم الشعب أو الأغلبية مهما كانت.
لقد كان مأمولاً من النخب في مرحلة ما بعد 25 يناير و30 يونيو، إطفاء الحرائق لا إشعالها، ومساعدة المجتمع على عدم الانفلات والانصياع للقانون، والانضباط المجتمعي، من أجل عودة السكينة لمجتمع بات مرهقـًا ومنهكـًا ومتوترًا، وعلى ما يبدو أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى للانفلات والتحول من الإرهاق والإنهاك والتوتر، إلى الكراهية والشراسة والبغضاء نتاج معاناة دامت سنوات.
إلا أن الأمور سارت على نحوٍ مغاير، بسبب حالة التشنج والتصلب في الرأي، واحتكار الحقيقة، والانسياق المؤسف وراء جوقة تسعى لمواصلة مسيرةٍ تعد فخر الصناعة المصرية: صناعة الطغاة!
إن بيننا جهلة ومدعين وغيرهم من المستغلين، ممن يُنسبون عن استحقاق أو ظلمـًا إلى مفهوم "النخبة". وهذا الثلاثي قاتل وقد تركناه يستشري كثيرًا، وحان وقت إسقاط الأقنعة الزائفة عن هذا الثلاثي غير الظريف.
سطور هذا الكتاب قد تكون نقطة البداية.


من مقدمة كتاب "صناعة الطاغية: سقوط النخب وبذور الاستبداد"، دار اكتب للنشر، القاهرة، 2013


تجدونه في:

القاهرة:

الشروق
ديوان
ألف
ليلى
عمر
 تنمية
الجمل
الشرق الأوسط

 الإسكندرية:

فكرة
الرملي
روايات

 طنطا:

المكتبة القومية

 دول عربية:


زين المعاني - الإمارات 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "صناعة الطاغية: سقوط النخب وبذور الاستبداد"

أكتب تعليقا