أيامنا المنسيـّة

| |






أطرق باب صديقي علاء. أسمع زقزقة العصافير في الجرس، لكن لا أحد يرد. أزجي الوقت في الانتظار، متأملاً تلك النقوش الحديدية العتيقة في الجزء العلوي من الباب. لا أستبين بعض تفاصيلها، لكنها تسلب اللب بدقتها ومهارة صانعها.
ألمح شخصـًا ما يطل عليّ من العين السحرية ثم يبتعد. لا بأس؛ هو الكروموسوم العاقل وأنا المجنون. أحِبُّ عفويته.. اندفاعة البدايات وأخطاء الحماسة مع إخلاصه لذاته قبل كل شيء، لكنه فقد الكثير من هذا وأصبح يقيس كل خطوة بالمسطرة والقلم.
ما هكذا تُعاش الحياة.
الحياة، عند البعض، أقرب للعبة الطاولة، فيها من الحظ أكثر مما بها من تفكير.. وعند آخرين، أشبه بالشطرنج، يعتمد المرء فيها على العقل.. لكنها، عند فريق ثالث، مثل "السلم والثعبان" تمامـًا، ترتفع به؛ نحو القمة، في لحظة، لتهبط به إلى القاع في لحظة تالية.
أسير بلا هدى، اختار ذلك الشارع الجانبي الضيق ذا الأرض الترابية المغبرة، وبمُقدّمةِ الحذاء أضربُ حصاةً على الطريق. أتساءل: أين هُم أصدقاء السوء؟.. ليتهم يعلمون كم أنا مُتاح في هذه اللحظة!
حين تحتاج الرفاق، فإنهم يتلاشون كترابٍ تسرقه الرياح خلسة.
أزور صديقـًا آخر يشبه ماء زمزم، كلما شربتُ منه شفيتُ وبرئتُ من السَّقَم. في عالم الصداقة، أثق بالصدق لا بالعدد.
لمحتُ باسم جالسـًا فوق سيارته مربعـًا قدميه. بدا متأنقـًا بقميصه الأسود وبنطاله الأزرق، ووسيمـًا، وهو يضع سماعة مشغل الموسيقى في أذنيه، ويجول بعينيه في شريط الأفق. أسأله عما يسمع، فيقول لي ببساطة: فيروز كراوية. يحاول تذكيري بها: البنت التي غنت في "قبل الأوان" في فيلم "أسرار البنات". صوتها جميل وحنون.
يستجيب باسم لدعوتي للتنزه قليلاً. يقول ضاحكـًا: التأمل فاكهة الحياة.
نلتقي أشرف، وهو يزهو بأزرار قميصه الـ"كارولينا هيريرا"، فينضم إلينا.
أسخر من عطره وأقول له إن رائحته الآن تشبه رائحة الرُضع الوادعين النظيفين الآمنين، فيضحك قائلاً: هذا يعني أنني لن أبكي وأزعجك طوال الطريق.
نمر على حي الزمالك، فلا يستوقفنا سوى صور خدم المنازل وحراسها بوجوههم الشاحبة وعرقهم المعتق، الجالسين على هوامش البيوت والقصور الفاخرة، في انتظار نداء أو أوامر من سادة البيت والمدينة.
يتوقف أشرف فجأة. خانته مثانته في أول الطريق؛ انتحى جانبـًا وأخذ يتبول على حائط مدرسة، وسط سخريتنا. يدير وجهه لنا ويرد مدافعـًا: هل تجدون دورة مياه قريبة؟ أم تريدون مني أن أطرق باب أحد السكان لأستأذنه في أن أقضي حاجتي لديه؟
في الطريق، نقطع أزقة بجدران داكنةٍ وحكايات آيلة للسقوط.
نحاول عبور الشارع وسط خط السيارات الممتد بسرعة، فلا نفلح في ذلك إلا بصعوبة.
نتريض على الكورنيش، مثل عفاريت تثير الشفقة. نحكي ونتضاحك وندُسُ الخيالَ بينَ جوانبِ الحَديث.
ثقل الهواء يُعرِّينا.
يا لهذا الليل الوسيم!
تمتد مربعات الرصيف مبرقشة أمامنا بالمتساقط من أوراق مصفرة وثمار صغيرة مجهولة الاسم، داستها الأقدام المتعجلة. نقف عند نقطةٍ نطل منها على الكتل الصخرية الموضوعة لصد عناد الأمواج. بجوارنا قططٌ راحت تلهو آمنة، تتقافز هنا وهناك، وتداعب الحجارة الصغيرة، وتلعق جسمها بانهماك وتحك فراءها في حواف السور المرتفع للكورنيش.
قرب العوامة التي اصطفتْ فيها المقاعد وفناجين الشاي والقهوة ودخان النارجيلة، نلمح أطياف شباب وشابات على مراكب مزركشة كخلفيات عربات النقل الثقيلة تحمل تطريزات القادمين من مدن الصفيح. موسيقى الطرب الشعبية تصدح، والشُّبان يهمسون ويلمسون، والفتيات الناعمات المتدثرات في أغطية الرأس المشجرة والبنطلونات الضيقة، يتضاحكن وهن يفقدن عذريتهن على مهل.
أصواتهم المرتفعة تصطدم بالأشجار وتخالط الهواء، ثم تستسلم في الزاوية التي نجلس فيها.
على مرسى النيل كافتيريا أنيقة، وطاولات نظيفة عليها مفارش بيضاء وزجاجات مياه معدنية وصحون طعام وأكواب عصائر مختلفة. لا تكاد تسمع سوى همسات الجالسين هناك؛ حيث يجلس شبان يقطفون على مهل زهورًا نابتة في ثغر الهشاشة، ثم يغرسونها في شعر جميلات يبتسمن لهذه البادرة الرقيقة.
على جانب الطريق، عددٌ من أطفال الشوارع يلتهمون أكياس الكشري وقد اتسخت أيديهم وملابسهم.
المسافات حكمة زائفة، والمجازات لم تعد تخفف من وطأة الواقع.
يمر مصور خمسيني، ينتقي زبائنه المحتملين بعناية، ويعرض التقاط الصور التذكارية.
تلك اليد التي ترتجف، تلتقط لحظات السعادة، حتى وإن كانت حزينة. كم تشعر الكاميرا بوحدة قاتلة، رغم احتضان المصور لها!
لم أجد وجوهـًا في مدينتي، لذا لم أتحمس يومـًا لفكرة شراء كاميرا.
أنتبه إلى ماسح أحذية محنيّ لالتقاط رزقه، سيفوته غالبـًا منظر تيجان النجوم.
أنظر إلى الكازينوهات والمطاعم الراقية على النيل، ذلك النهر المسن، ثم أتنهد.
سأغادر الحياة يومـًا بالسهولة ذاتها التي أغادر فيها غرفة فندق. إحباطاتي لم تعد نظرة خرساء، بل أصبحت تخلف في قلبي وحشة لا تُحتمل.
يا لهذا العالم المُلْقى أمامنا كحجر نرد بأرقام خاسرة!
يمد أشرف لي بكوب حمص الشام الساخن، وهو يقول مبتسمـًا: أين ذهبت؟
-       سارح في الدنيا وأحوالها.
-       تتكلم مثل أبي! الدنيا لها نظامها الخاص والمتناقض، وبالذات في مصر. يذهب الطالب إلى طابور الصباح، يرفرف العلم الوطني أمامه في مهابة، ليتعلم كيف ينظرون له في جلال، ويؤدي له التحية في إكبار وهو يهتف: "تحيا جمهورية مصر العربية"؛ ثم ينشدون: "بلادي بلادي"، لكنه في نهاية اليوم محاصرٌ في كل مكان بأغان شعبية من سعد الصغير وعبدالباسط حمودة وأغان أخرى لتامر حسني ومحمد محيي ومصطفى كامل وغيرهم. الذوق هنا يرتبك، والبشر أيضـًا.
-       الارتباك موجود، لكن الأمل أيضـًا موجود. في كتب التاريخ، سيكتبون عن كل تلك الأزمات السخيفة التي نمر بها سطرًا واحدًا على الأكثر، مفاده: ومرت مصر بفترة انحطاط! التغيير ممكن، والإصلاح وارد مادام هناك ناس يؤمنون به. 
يذهلني إيمان باسم بقدرتنا على التغيير، حتى ونحن نعيش ظروفـًا حالكة السواد، وتزداد سوءًا يومـًا عن الآخر. تلفتني أثناء حديثه حركة يديّه، التي لم أكن متأكدًا من انتباهه لها؛ إذ كان يطبطب بيده اليمنى على اليسرى، ويمسّد عليها، ويأخذها في حضن كفّه اليمنى.


جزء من روايتي "أيامنا المنسيـّة"، منشورات ضفاف؛ بيروت/ منشورات الاختلاف، الجزائر 2013.

تجدونه في:

القاهرة:
دار الشروق
مكتبة مدبولي -  ميدان طلعت حرب
دار التنوير – ش قصر النيل

بيروت:
منشورات ضفاف

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "أيامنا المنسيـّة"

أكتب تعليقا