خيانات ذهبية (9): حديث الجثة

| |






في الأدب العربي الحديث كتابات عدة عن الانتحار[1]، مثل النصوص السردية للمغربي محمد أسليم التي تحمل عنوان "حديث الجثة"[2]. يبدو محمد أسليم ممتلئـًا بعشق الموت والانتحار؛ إذ يقول: "لما عزمت على وضع حدٍ لحياتي بتناول كمية كبرى من العقاقير وإحراق جثتي، ولما دبجت قبل ذلك خطابـًا أوضح فيه أسباب انتحاري" (ص 21)؛ "حاول أن يموت. جرع حفنات رمل وحصى وأقراصـًا عديدة" (ص 26)؛ "... ماذا يتم عندما ألقي بجثتي الآن تحت هذه القوة العمياء؟" (ص 28)؛ "... بيني وبين الموت قيد شعرة. أهو موعده قد حان؟ لو أني أقوم، وأبتلع صيدلية المنزل فأسقط جثة هامدة" (ص 55)؛ "... قد أنتحر بأن ألقي بنفسي من الطابق العاشر كما فعل جاري البدين منذ بضعة أيام" (ص 57)؛ "أي سبيل إلى الموت المريح؟ لو أيقنت أن موتي سيستنزفني قبل محوي لداهمته قبل أن يداهمني، لتناولت دفعة واحدة كمية هائلة من عقاقير ما تكاد تبلغ الحنجرة حتى تنيمني وتميتني" (ص 58)؛ "كيف أنتحر؟" (ص 64)؛ "انتحار الطفل الزبير" (ص 73)؛ "قلت: يا لغباوتي! لماذا اخترت هذه الطريقة "المتوحشة" في إخراج موتي؟ الآن فقط أدرك أن أحسن طريقة يملكها المرء لصنع موته هي أن يتناول أكياس أقراص" (ص 84)؛ "... ثم استمسكتُ ووثبت يدي على السطح بقوة وسحبتهما ملقيـًا بنفسي في الخواء" (ص 87)؛ "أتمنى لو تنبت لي أجنحة بالسرعة ذاتها فأطير" (ص 88).
ويقدم المنفلوطي رؤية أخلاقية خالصة للانتحار؛ إذ يقول في كتابه "النظرات":
"إن الرجل المؤمن يعتقد ولا شك بسوء عاقبة المنتحر، فكيف هان عليه، وهو في آخر يوم من أيام حياته، أن يضم إلى خسارة دنياه خسارة آخرته، وهي العزاء الباقي له عن كل ما لاقاه في حياته من شقاء وعناء؟"[3].
ويقرر هذا الكاتب الأديب أن "الانتحار منتهى ما تصل إليه النفس من الجبن والخور، وما يصل إليه العقل من الاضطراب والخبل، وأحسب أن الإنسان لا يقدم على الانتحار، وفي رأسه ذرة من العقل والشعور".
ومما قاله المنفلوطي: ".. والمنتحر يبغض نفسه أشد مما يبغض العدو عدوه، فهو شاذ بطبيعته، غريب في خلقه، معاندٌ لإرادة الله تعالى في بقاء الكون وعنوانه، ومن كان هذا شأنه كان بلا قلب ولا عقل.
وبوضوح شديد يرى المنفلوطي أنه "ما سمِّي القاتل مجرمـًا إلا لأنه قاسي القلب متحجر الفؤاد، وأقسى منه قاتِلُ نفسه؛ لأنه ليس بينه وبينها من الضغينة والمَوجِدة ما بين القاتل والمقتول، فهو أكبر المجرمين، وأقسى القاتلين"[4].
ويطرح صاحب "النظرات" رؤيته ومنطقه في هذه المسألة، موضحـًا أنه "يخدع المنتحر نفسه إن ظن أنه مقتنع بفضل الموت على الحياة، وأنه إنما يفعل فعلته عن رويةٍ وبصيرة، فإنه لا يكاد يضع قدمه في المأزق الأول من مآزق الموت حتى يثوب إلى رُشده وهُداه ويحاول التخلص مما وقع فيه لو وجد إلى ذلك سبيلاً.
"إن ألقى نفسه في الماء تخبَّط وبسط يده إلى من يرجو الخلاص على يده وودَّ لو يفتدي نفسه بكل ما تملك يمينه، وإن حبس نفسه في غرفته ليموت مختنقـًا بالغاز ودَّ لو سقط عليه سقف الغرفة ليستنشق نسمة من نسمات الهواء، ولو عاش بعد ذلك كسيرَ اليد والرجل، فاسد السمع والبصر"[5].
ويضيف قائلاً: "إن فكرة الانتحار نزعة من نزعات الشيطان، وخطرة من خطرات النفس الشريرة، فمن حدَّثته نفسه بقتل نفسه فليتريث ريثما يتبين كيف يكون صبره على احتمال سكرات الموت، وآلام النَّزع، وماذا يكون حديث الناس عنه بعد موته، وهل يمكن أن يكون بينهم عاذرٌ له أو مشفق عليه، أو مقتصد في النيل منه والسخرية به؟ وليعرض على مخيلته قبل ذلك أشكال العذاب وأنواع العقاب التي أعدها الله في الدار الآخرة لأمثاله.
"إني لا أظنه بعد ذلك فاعلاً، إلا إذا كان وحشـًا في ثوب إنسان، أو بطلاً من أبطال المارستان"[6].
أما الكاتبة اللبنانية ياسمين خلاط - المولودة في مصر- فقد كتبت رواية بعنوان "ستقول لي عند المغيب"[7]، يقع الانتحار في صلب أحداثها. القصة التي تسردها خلاط في هذه الرواية يمكن تلخيصها على النحو الآتي: شابة فرنسية تدعى كلير تقرر السفر إلى شرقنا لوضع نفسها في خدمة عالمة اجتماع تدعى أورتانس زيمينا وتعيش في دير للعمل على موضوع الانتحار وكشف أسباب تواتره أحيانـًا داخل عائلةٍ واحدة. وبسرعة، تهتم كلير بهذا الموضوع إلى حد تقوم فيه بحضّ أورتانس على الإسراع في معالجته من منطلق الخطر الذي يتهدّد أحد أفراد هذه العائلة، إن صحّت النظرية المطروحة. وبعد محاولاتٍ دؤوبة في هذا الاتجاه، تلاحظ كلير تهرّب أورتانس من إنجاز مهمتها، قبل أن ينكشف لها انتماء هذه الأخيرة إلى العائلة المهدَّدة ورغبتها في توكيل هذه المهمة إليها.. قبل انتحارها.
وقد يخيب أمل القارئ الذي ينتظر معالجة مباشرة لموضوع الانتحار وتفاصيل مثيرة حوله. فعلى هذا المستوى تعمد الروائية إلى مقاربة تتجنب فيها التحليل السيكولوجي لمصلحة تشييد بارع للمناخ الذي يقود إلى الانتحار بواسطة جُملٍ شعرية قوية.

هوامش:



[1] خليل الشيخ، الانتحار في الأدب العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997.
[2] محمد أسليم، حديث الجثة، منشورات مجلة "علامات"، مكناس، 1996.
[3] مصطفى لطفي المنفلوطي، مرجع سابق، ج 2، ص 152.
[4] المرجع نفسه، ج 2، ص 153- 154.
[5] المرجع نفسه، ج 2، ص 154.
[6] المرجع نفسه، ج 2 ، ص 154.
[7] ياسمين خلاط، ستقول لي عند المغيب، دار المجلة الفينيقية، بيروت، 2010.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (9): حديث الجثة"

أكتب تعليقا