خيانات ذهبية (8): خشخشة الأكفان

| |





كان الشاعر السوداني عبدالرحيم أبو ذكري (1943-1989) يقول لأصدقائه: "أشعر أن لي مكانـًا في الحياة ينتظرني وأن هذا  المكان لن يملأه أحدٌ غيري في الشعر والترجمة"، لكن صاحب ديوان "الرحيل في الليل" عانى باكرًا سلسلة انهيارات عصبية وحالات اكتئاب وإرهاق، وكانت صحته ضعيفة هشة[1]. وضع أبو ذكري حدًا لإبداعه برمي نفسه من مبنى أكاديمية العلوم السوفيتية صباح 5 نوفمبر 1989 وسط ثلوج موسكو[2].
يقول أبو ذكري في قصيدته "في الفاجعة":
"لحظتها قلتُ: أموت هنا...
عيناكِ لديَّ كفن
من عينكِ أشرب طعم الموت العالق
في أفق الأجفان
أتمعن فيكِ وأنصت:
أسمع خشخشة الأكفان"[3].
قائمة الأدباء والشعراء العرب المنتحرين تطول، وتضم من السودان مثلاً: الشعراء محمد عبد الرحمن شيبون (1930-1961)، وسامي يوسف قبريال (1951- 1975)، وأحمد الطيب عبدالحفيظ.
ساهمت في إضاءة عوالم الانتحار عدة روائع أدبية عربية وغربية خطتها أقلام إبداعية لأدباء عرب وغير عرب، مثل جورج باطاي، وجورج سالم، وغابرييل مارسيل، وألبير كامو، والمغربي محمد أسليم، ممن مثل الموت نقطة ارتكاز في أعمالهم، وقد قادهم ذلك إلى الشعور بعبثية الحياة[4].
وهناك نصوص غربية تشاكس تيمة الموت، بكيفية أو بأخرى، مثل "الميت" لجورج باطاي[5]؛ "ميثولوجيات الموت" لمناحيم روث؛ "الطقوس الجنائزية؛ الحداد" لمناحيم روث.
أما الشعر العربي، قديمه وحديثه فلم يخل هو الآخر من شعراء تأملوا الموت، نذكر منهم: عنترة بن شداد، وسيد بن عامر المصطلقي، وطرفة بن العبد، وعمر الخيام. وفي حقل الفلسفة، اعتبر أفلاطون الفلسفة تأملاً في الموت، ويرى ول ديورانت أن "الموت أصل الديانات كلها"[6]، وعدَّ شوبنهاور الموت الموضوع الرئيسي للفلسفة والملهم الأكبر للتفكير الفلسفي، فيما اعتبر الفيلسوف المصري د. عبد الرحمن بدوي الموت فعلاً فيه قضاء على فعل.
وتقدم الشاعرة اللبنانية جمانة حداد أنطولوجيا للشعراء المنتحرين تحت عنوان "سيجيء الموت وستكون له عيناك: مئة وخمسون شاعرًا انتحروا في القرن العشرين". الأنطولوجيا التي تضم تأملاتٍ شخصية في الموت والانتحار، ترسم صورتين متناقضتين إلى حدّ ما. واحدة، هي الأكثر طغيانـًا، كأنما تمجّد فيها جمانة حداد الموت الانتحاري، أو تنحاز غالبـًا إلى جعله خيارًا شبه بطولي أو موقفـًا ضدّ الحياة الفارغة نفسها[7]. يبرز هذا في عدد من الاقتباسات من كتاب كثر تسبق العناوين الفرعية في المدخل، من قبيل: "أنا أموت إذًا أنا موجود"، "حي هو كل من يمكنه أن يختار الكف عن العيش"، "في أحد الأيام سأكون ميتة بيضاء كالثلج…"، "أحبك يا موتي الطويل المرّ"، "الموت فنّ وإني أمارسه بإتقان"…إلخ. أو حين تكتب الشاعرة اللبنانية: "نعم. مئة وخمسون، في القرن العشرين، انتحروا…. احتقروا… هذه الحياة الانتحارية. مئة وخمسون بطلاً وبطلة ازدروا العروش كلها، الباطلة منها وغير الباطلة، وارتموا في الهاوية"[8].
أما الصورة الأخرى المناقضة لهذه الصورة السحرية الجذابة، فهي حين تسأل حدّاد: "هل الانتحار شعر؟"، وتجيب: "ظللت أرى الانتحار شعرًا حتى رأيته. أعني حتى رأيته بأم العين. فعندما نشاهد الأجساد المشوّهة والممزقة، لا يظل هناك شاعرية الفعل، بل بشاعة النتيجة في ذاتها"[9]. وتذكر في هذا السياق مشهد جدتها المنتحرة، مستعرضة أشكال الانتحار المختلفة، القاسية في معظمها. لا تنفي حدّاد قسوة الانتحار من حيث الشكل، أي طريقة الموت (ولذلك تمتدح الانتحار بالحبوب المنومة: "أدركت أن الانتحار بالحبوب المنوّمة ربما يكون الأكثر "جمالية")، أما من حيث الجوهر فالانتحار غالبـًا هو فعل طقوسي، وصرخة رمزية، لا سيما حين تأتي من شاعر.
وفي سياق الحديث عن حوافز الانتحار تجزم حداد: "لا، ليس الانتحار امّحاء في الضرورة. ليس تنازلاً، ليس استسلامـًا، ليس اندحارًا، ليس تراجعـًا، ليس غيابـًا ولا هزيمة: بل هو غالبـًا هجوم إلى الأمام".

هوامش



[1] جمانة حداد، مرجع سابق، ص 397.
[2] كمال الجزولي، عبدالرحيم أبو ذكري،: نهاية العالم خلف النافذة، دار تراث ودار العلوم، الخرطوم، 2005.
[3] عبدالرحيم أبو ذكري، الرحيل في الليل، دار عزة للنشر والتوزيع، الخرطوم، 2001.
[4] د. غسان السيد، إشكالية الموت في أدب جورج سالم، غابرييل مارسيل، ألبير كامو، الطبعة الأولى، دار معد للنشر والتوزيع، دمشق، 1993، ص 77.
[5] جورج باطاي، "الميت"، ترجمـة محمد أسليـم، فصلية "إسراف"، باريس، 2000.
[6] حسين العودات، الموت في الديانات الشرقية.. عرض تاريخي، الطبعة الثانية، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، عمان، 1992، ص 16.
[7] سامر أبو هواش، مئة وخمسون شاعرًا انتحروا في القرن العشرين، موقع "أوان"، 9 يناير 2008.
[8] جمانة حداد، مرجع سابق، ص 29.
[9] المرجع نفسه، ص 53.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (8): خشخشة الأكفان"

أكتب تعليقا