خيانات ذهبية (7): أعشاب الليل الطويلة

| |





رصاصة قاتلة أنهت حياة الشاعر والمخرج والرسام اللبناني أنطوان مشحور المولود عام 1936؛ إذ انتحر بإطلاق النار على رأسه صباح يوم 17 نوفمبر 1975، بعدما كان أسرّ إلى صديق له قبل أيام باعتزامه الانتحار. وُجِدَ في سريره في شقته الواقعة في أحد مباني شارع الحمراء، وحوله صور زوجته اليونانية التي كانت هجرته بعد خلاف حادٍ بينهما. لم تكن قصائد هذا الشاعر السوريالي تخلو من مفردة "ليل" أو "عتمة". ومن مجموعته الشعرية الوحيدة الصادرة باللغة الفرنسية عام 1965 بعنوان "أعشاب الليل الطويلة"، نطالع عبارات مثل:
"سأبسط خيوط الدم في جسدي
شراعـًا وسأقول وداعـًا للأرض"[1].
وأيضـًا:
"سألتِني أن أحدثكِ عن الموت.
عندما رأيته للمرة الأخيرة كان
قد غيّر تسريحة شعره".
وهكذا بدا الانتحار ومحاولات التخلص من الحياة أمرًا مألوفـًا لدى عدد من المبدعين، ورأينا من يقدم لنا تصورًا فلسفيـًا للمأساة، ومن ذلك ما أورده الأديب النوبي الراحل إدريس علي الذي قال في حوار صحفي قبل وفاته بقليل: "أرى أن مسألة الانتحار أشرف وأنبل وسيلة للانسحاب من واقعٍ مهين. فأنا لم أحبب الحياة بما فيها من تفاهات وصراعات وتفاوت طبقي، وروايتي "تحت خط الفقر" تُعري هذا الواقع وتفضح المستور وتكشف المسكوت عنه. وقد مات ابني منتحرًا، واكتشفتُ أنه لا فائدة من الكتابة. لقد حاولتُ الانتحار بإلقاء نفسي في النيل أكثر من مرة، ولكن النيل أبى أن يبتلع جثتي"[2].
الأجزاء الأربعة التي صدرت من سيرته الذاتية بعنوان "كتابة البوح" كانت بالفعل "مشاهد من قلب الجحيم". ربما لم تلفت هذه السيرة كثيرين. ربما لم يهتم فيها بالتفاصيل الفنية واللغة والبناء، لكنّ جرأتها غطّت على كل هذه العناصر. هذه الجرأة كانت سببـًا في أن تلاحقه المشكلات والأحزان. وكان آخرها مصادرة روايته "الزعيم يحلق شعره"، التي تناول فيها سنوات قضاها في العمل في ليبيا.
ثم صدرت روايته "انفجار جمجمة" التي عبّر فيها ببراعة عن هواجسه الداخلية، مفكّكـًا الأنظمة القمعية. هذه الرواية غيّرت حياته؛ إذ كان يعمل فى إحدى الشركات مضطهدًا ومعزولاً باعتباره كاتبـًا مجنونـًا شيوعيـًا، لكن فجأة حصلت الرواية على جائزة معرض الكتاب في القاهرة، فالتقى إدريس علي مع الرئيس المصري الذي صافحه، وتغيّرت حياته، وزاد راتبه، وصار أمينـًا لمكتبة الشركة[3].
غير أنه بقي وفيـًا لحياته المعذبة القلقة، حتى وافاه الأجل المحتوم.
ربما يكون إدريس علي (1940- 2010) الأكثر سعادة بموته. فقد حقق أخيرًا "حلمـًا" سعى إليه طويلاً. جرّب الانتحار مرارًا، احتجاجـًا على الأوضاع البائسة التي عاناها طويلاً، لكنه في كل مرة كان يفشل في بلوغ مبتغاه. وفي أحد أيام ديسمبر الشتوية حقق "حلّمه". مات، لكن في فراشه، متأثرًا بأزمة قلبية لم يستطع تحمّلها.
ومن الجزائر، يبرز اسم الشاعرة الجزائرية صفية كتو (1944- 1989) التي خرجت من بيتها ذات صباح شتوي بارد، ولم تتردد في رمي جسدها من أعلى جسر تيليملي بوسط الجزائر العاصمة، لتنتشل جثة هامدة عند الشارع السفلي من أعلى ثمانية طوابق كاملة.
صفية كتو هو الاسم الفني للشاعرة التي كانت في وثائقها الرسمية تحمل اسم زهرة رابحي، وولدت في مدينة العين الصفراء عند بوابة الجنوب الغربي للجزائر حيث عملت مدرسة للغة الفرنسية حتى سنة 1969 لتنتقل إلى مدينة الجزائر. في سنة 1973 أصبحت صحفية في وكالة الأنباء الجزائرية، ومن عناوين كتبها الأدبية، المجموعة الشعرية "صديقتي القيثارة" سنة 1979 والمجموعة القصصية "الكوكب البنفسجي" إضافة إلى عناوين أخرى.
قبل انتحار الشاعرة صفية كتو، كان الشاعر الشاب (حينها) عبد الله بوخالفة (1964- 2 أكتوبر 1988) الذي بدأ يشق طريقه بتجربة شعرية مختلفة، قد أنهى حياته بطريقة مأساوية في ضاحية مدينة قسنطينة بالشرق الجزائري. لم يتردد هذا الناشط الطلابي في إلقاء نفسه أمام القطار الذي حوله إلى أشلاء. ولم تصدر أشعاره في كتب إلا بعد سنوات طويلة على رحيله، بجهود بعض أصدقائه ومحبيه، وذلك عن منشورات المكتبة الوطنية عام 2005.
يقول عبدالله بوخالفة في قصيدته "التروبادور 1":
"يبني من الياسمين السلالم
يبني من الانتحار الندى
بعدما كان يصبّ الماء في الأنعام"[4].
وفي قصيدة "التروبادور 2":
"وقال لها:
علّميني الفراق
أنا سيد اليائسين
فتحتُ الرؤى وانتحرتُ مع أوراق الصباح
مع النور والسحب الشجرية انتحرتُ
ومن شفتيك تفجّرت المطرات التي حملتني إلى الليل"[5].
بعد ست سنوات من انتحار الشاعر عبد الله بوخالفة، أقدم شاعر آخر وهو فاروق اسميرة على رمي جسده من أعلى الجسر المعلق لمدينة قسنطينة من علو يقترب من 200 متر، وكان ذلك سنة 1994، وهو الشاعر المميز الذي كان يعد لرسالة ماجستير. وكان قد أحيا بشعره ذكرى صديقه عبد الله بوخالفة في أكثر من قصيدة وتأثر كثيرًا لرحيله بتلك الطريقة قبل أن يلحقه.
 وبعد سنين من رحيله بتلك الطريقة، كتب عنه صديقه الشاعر عادل صياد يقول: ''لست أدري ماذا كان يقول صديقي فاروق وهو يهوي بجسده من الجسر المعلّق في الخواء. بالتأكيد لم يكن ينوي الانتحار.. كان يرغب في اختراق القشرة الأرضية، والنفاذ منها إلى الفراغ الفسيح، والتحليق في أرجائه تحليقـًا أبديـًا، يليق بجناحيه وقدرته على الطيران''.
لم تتوقف ظاهرة انتحار الشعراء في الجزائر عند هذا الحد، ففي سنة 2010 أقدمت الشاعرة الشابة هادية رجيمي على الانتحار داخل بيتها وهي التي لم تتجاوز الثلاثين من العمر، وفعلت ذلك بعد أن أصدرت مجموعتها الشعرية الأولى "عطر الثرى". وتبقى أسباب الانتحار مجهولة.
ظاهرة انتحار الشعراء في الجزائر ليست وليدة سنوات الاستقلال، بل تجاوزت ذلك في التاريخ المعاصر. ولعل أشهر المنتحرين قبل هذه الفترة هو الشاعر مبارك جلواح الذي رمى بنفسه في نهر السين بالعاصمة الفرنسية باريس سنة 1943 وهو المولود سنة 1908 بضاحية سطيف بالشرق الجزائري، تاركـًا ديوانـًا شعريـًا بعنوان "دخان اليأس". وبعد سنين طويلة من رحيله المفجع جمع الناقد عبد الله الركيبي كل أعماله في كتاب بعنوان "جلواح"[6].
الظروف الصحية الصعبة حالت دون متابعة الشاعر المغربي كريم حوماري، المولود عام 1972 في مدينة صفرو، تحصيله الدراسي. في قصائده التي أثبتت موهبته الصاعدة، كانت تيمات الموت والوحدة والجروح والحزن والهزيمة حاضرة بقوة. كتب إلى صديقه قبل أيام من رحيله رسالة يقول فيها: "عين الأشباح تطاردني صباح مساء"[7]، قبل أن ينتحر بشنق نفسه يوم 4 مارس 1997.
يقول كريم حوماري في قصيدته "يحفر الليل قبري وينام":
"أظل مفتوح العين
 حتى يشنق خط الفجر عنق هيامي
 يحفر الليل قبري وينام"[8].
ويقول في "سفر داخلي":
"أمشي ليس في طريقي غير نوافذ مشرعة على ضياء من خرير دمي. قلبي مكفّن في هواه، قدماي بلا وقع. أمشي على رصيف الغواية وليس في هذه الطريق غير الضياع الرابض في أنفاسي"[9].
وفي قصيدة "قلقٌ صامت" يقول:
"ذبل الياسمين في فمي
وشقائق النعمان
مغمورةٌ برماد عظامي
هكذا، أموت سالمـًا
في حديقة جنوني"[10].

هوامش


[1] Antoine Mechawar, Les longues herbes de la nuit, Ed. Harb Bijjani, Byrouth, 1965.
[2] خالد شحاتة، إدريس علي، حاولت الانتحار ورفض النيل ابتلاع جثتي، مجلة "المرأة اليوم"، أبوظبي، 17 مارس 2011، ص 98-99.
[3] محمد شعير، إدريس علي.. وقائع موت معلن، جريدة "الأخبار"، بيروت، 1 ديسمبر 2010.
[4] جمانة حداد، مرجع سابق، ص 483.
[5] المرجع نفسه، ص 483.
[6] صفية كتو تفتح جرح المنتحرين في الشعر الجزائري، مدونة "الخير شوار"، 1 مارس 2012.
[7] جمانة حداد، ص 487.
[8] كريم حوماري، تقاسيم على آلة الجنون، جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الأصيلي، دار قرطبة، الدار البيضاء، 1997.
[9] المرجع نفسه.
[10] المرجع نفسه.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (7): أعشاب الليل الطويلة"

أكتب تعليقا