خيانات ذهبية (1): طقوس النهاية

| |






"الموت فن،
على غرار كل ماعداه
وإني أمارسه بإتقان..
أمارسه حتى يصير جهنم
أمارسه حتى يبدو حقيقة
في وسعكم القول إنه دعوتي"[1].


لنأتِ قليلاً على ذكر الانتحار في عالم المبدعين، فموتُ الكاتبِ قدْ يسكنُ المسافة بين نَصل الدواةِ وبياض الورقة؛ "لأنّه مُعرضٌ دائِمـًا كُلَّ ذاتِ قُنوطٍ ومساءٍ حزينٍ لأعراضِ السأمِ المفاجئ من إيقاعِ رَقّاصِ الحياة وَرتابَةِ التَنفُس المُمِلّة"[2].
تلك الخيانات الذهبية، التي كان المبدعون أبطالها وضحاياها، التهمت هواءهم وأرواحهم، بقدر ما صنعت من الألم راياتٍ يحملها أعلام الفن والأدب.
يقول التشيكي فرانز كافكا (3 يوليو 1883- 3 يونيو 1924) "إن المقدم على الانتحار هو ذلك السجين الذي يراهم يعدون له منصة الإعدام في الساحة ويعتقد أن هذا قدر يقرره بنفسه.. يهرب في الليل من زنزانته، ينزل إلى الساحة ويشنق نفسه". أما الفرنسي ألبير كامي فيرى أن "الانتحار يتم في سكون القلب مثل عمل فني عظيم. ويتفق معه مواطنه أونوريه دي بلزاك، إذ يعتبر أن "كل انتحار هو نظام راق للحزن"[3].
تلك الجاذبية القاتلة للانتحار تركت بصمتها الراسخة على لحظة الختام في حياة كثير من المبدعين، بدءًا من رسام المنمنمات الهندي داسوانت (1560- 1584)، والمهندس المعماري الإيطالي فرانشيسكو بوروميني (1599- 1667)، ومرورًا بالرسام البريطاني روبرت فاغان (1721 – 1816)، والرسامة الفرنسية كونستانس ماييه (1775- 1821)، وانتهاءً بالرسام الياباني كازان واتانابي (1793- 1841)، والرسام الهولندي فنسنت فان غوغ (1853- 1890).
بعض المنتحرين من المشاهير، من الكاتب الياباني يوكيو ميشيما (1970) إلى المغنية الإيطالية داليدا (1987)، ومن الروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي (1961) إلى الشاعرة الأمريكية آن سيكستون (1974)، ومن الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي (1930) إلى المؤلفة والقاصة الإنجليزية فرجينيا وولف (1941) ، وجدوا أنها رسالتهم الأخيرة وردهم على حياة لم تعد محتملة.. لكنها الحياة، والبقاء فيها على رغم كل شيء، فعل إرادة وليس ترفـًا يمكن الاستغناء عنه في لحظة يأس.
ولنأخذ مثلاً على ذلك ملابسات انتحار يوكو ميشيما في قاعدة إيجيغايا العسكرية في 25 نوفمبر 1970، الذي حصل بالسيف وفقـًا لطريقة السيبوكو أو الهاراكيري، بعد محاولة فاشلة للانقلاب العسكري[4]. فقد احتل ميشيما وقلة من رفاقه مقر كلية الأركان العسكرية في قلب طوكيو واحتجزوا قائدهم ثم صعد ميشيما إلى شرفة الكلية المطلة على ساحة التدريب وألقى كلمة عصيبة لم تستغرق أكثر من عشر دقائق في الجنود الشباب المندهشين لحديثه دعاهم فيها رفض خضوع اليابان لأمريكا وإلى تغيير دستورها "السلمي" الذي فرض عليها بعد الاحتلال الأمريكي عام 1945، والعودة إلى تقاليد اليابان العسكرية وقيمها القومية التاريخية قبل أن ينجرف مجتمعها مع موجة التغريب والتأمرك في العقود الأخيرة، وعلى الرغم من أن رد فعل الجنود كان أقرب إلى السخرية بل إن بعضهم أغرق في الضحك، لعصبية ميشيما وغرابة أفكاره ـ بمعيار الجيل الجديد في اليابان ـ ولحركاته الدرامية المبالغ فيها، على الرغم من ذلك فإن ميشيما قرر المضي في عملية الانتحار[5].
 وقبل دخوله القاعدة العسكرية، نظم يوكيو ميشيما "جيساي نو كو" أو "قصائد الموت" التي تعد تقليدًا متبعـًا ضمن طقوس الانتحار في اليابان[6]. ويرى مترجم أعمال ميشيما وكاتب سيرته الذاتية جون ناثان أن محاولة الانقلاب لم تكن سوى ذريعة لتنفيذ طقوس الانتحار التي لطالما حلم بها هذا الأديب الياباني[7].
ومن الأسماء العالمية أيضـًا الكاتب والروائي الياباني الشهير ياسوناري كاواباتا، الذي نال جائزة نوبل للآداب عام 1968، وبعدها بأربعة أعوام قرر الانتحار بخنق نفسه بالغاز، في ظل أحاديث عن تأثره بصدمة انتحار تلميذه وصديقه يوكو ميشيما،  وقصة حُبٍّ فاشلة، واكتشاف إصابته بمرض باركنسون[8].
الكاتبة الأرجنتينية الشهيرة مارتا لينش انتحرت في منزلها في 8 أكتوبر 1985، بعد أن طالها الإحباط، حين رأت أن الزمن بدأ يتلاعب بملامحها مع تقدم الزمن، فلم تحتمل ما رأته، وتناولت مسدسها وانتحرت. وقد أفاد زوجها أنها كانت على صراع مرير مع تقدم السن قبل انتحارها بعشرين سنة، ويبدو أنها خرجت في النهاية بلا أمل.


أمرٌ مماثل نراه في حالة انتحار القاصة الإنجليزية فرجينيا وولف التي ألقت بنفسها في النهر، بعد أن تركت لزوجها رسالة، مما جاء فيها
"إنني على يقين من أنني أرجع لجنوني من جديد. أشعر أننا لا يمكن أن نمر في فترة أخرى من هذه الفترات الرهيبة. وأنا لن اشفى هذه المرة. أبدأ بسماع أصوات، ولا يمكنني التركيز. ولذا سأفعل ما يبدو أنه أفضل شيء يمكن القيام به... لا أستطيع أن أواصل إفساد حياتك أكثر من هذا. لا أعتقد أن شخصين من الممكن أن يكونا أكثر سعادة مما كنا نحن.
 ف."[9].


هوامش


[1] Sylvia Plath, Ariel, New York, Harper Perennial Modern Classics, 1964.
[2] ليث العبدويس، وقائع انتحار كاتب غاضب، جريدة "القدس العربي"، لندن، 18 مايو 2012.
[3] د. محمد المهدي، من تاريخ الانتحـار.. هنري دي مونترلان.. الحياة خارج الزمـن، مجلة "وجهات نظر، القاهرة، يوليو 2009.
[4] محمود داود، اليوم الأخير من حياة الروائي الياباني يوكيو ميشيما، جريدة "الثورة"، دمشق، 15 نوفمبر 2009.
[5] د. محمد جابر الأنصاري، انتحار المثقّفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط2، بيروت، 1999.
[6] Donald Keene, The Pleasures of Japanese Literatures, New York, Columbia University Press, 1988.
[7] John Nathan, Mishima: A biography, Little Brown and Company: Boston/Toronto, 1974.
[8] Donald Keene, Five Modern Japanese Novelists, New York, Columbia University Press, 2005.
[9]  Phyllis Rose, Woman of Letters: A Life of Virginia Woolf, London, Routledge, 1986.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (1): طقوس النهاية"

أكتب تعليقا