ما تيسّر من السفر

| |



إلى الأيام التي لم أبكِ فيها جيدًا


عزيزي  (...)


يا صاحبي في درب الآلام، تقتلني طَواحِين الحنين.

بل يخنقني هذا المنفى المكيف الهواء باهظ الثمن، الذي أعيش فيه.

أعبر على جثة الماء، مرتديـًا جُبَّة الخوفِ، ثم أعتلي جبلين من الملحِ، فتسقط مني مفاتيح الكلام.

هنا الطقس قاس، والليل طويل، والجفاء عنوان البشر.

إنهم صناديق مغلقة، ومغلفة، خشية أن يطلع على مضمونها، أو مكنونها، أحد. في أفضل الأحوال، يتبادلون الابتسامات الجرسونية منتهية الصلاحية ثم يرحلون. هذا الغموض الشرس، يفترس قاماتهم ويقضم أرواحهم كأنه في حضرة القسوة.

لكنك هنا، تعرف ما الذي يكبلك هناك، في موطنك، بئر الخيبة، الذي لفظك مثل رحم يجيد الرجم بعد أداء وظيفته.

بيوتنا التي من حلم، صارت كوابيس، في أوطان توزع على أهلها الشقاء بالتساوي.

حتى أوراق الأشجار وتراب الأرض وعيدان النباتات، صارتْ أرض الشوك والقتاد، بعد أن خضعتْ لقانون مشين صاغ محتكرو السلطة كل بنوده ومواده البائسة. كل شيء مكتوب على ورقِ اللعناتِ، كما لو أنه حداءٌ مسه الأنين.

وأنا قلبي امتلأ بالحكايات وشواهد القبور.

الكائنات المُتحفية نهشتني، وأنا الذي كنتُ أرى فيها صداقاتٍ فوق تقلب المزاج وتغير الأحوال والأزمان. تعبتُ من مشعلي الفتن الذين يصادقون أشباحهم، حتى تنتخبهم الكوارث. مللتُ من الذين يحتطبون الشائعات مثل قاتل متسلسل، ثم يمضغون الأكاذيب وسط مزاحهم السخيف.

أنام مجوّفـًا كقارب، داخلي موحشٌ كغابة، أو كوردةٍ هربتْ من عِطرِها.

لم يكن لديّ إرثٌ أتكئ عليه في تربية شقيقاتي وشراء علاج مقلَّد لأمي، من ذلك النوع الشبيه بأدوية السعال والصداع المهرَّبة التي تنام على رفوف المتاجر الصغير، ويروج لها مندوبو المبيعات.



أشاهد على شاشة التلفاز التُجار، والفُجّار، والعسس، والمحظيات، يصفقون في حضرة "القائد" ذي العينين المطفأتين، الذي يقود جوقة العميان إلى مزيد من التيه.

إن الضحية تحمل في نفسها مرارة وتشوهـًا، يغذيان روح الانتقام، لا بالضرورة من جلادها السابق، ولكن أيضـًا من أي كائن يقع تحت يدها، أو تُصادفه في طريقها.

أنقذتني المنحة الدراسية.

وأنتَ حين تسافر، تملأ طريقك بالهروب.

في عيون المودعين كلامٌ مستتر، لكنه جارح؛ يقولون لك: سافر ولا تعد أبدًا. بل خُذنا إلى عالمك الجديد إن استطعت إلى ذلك سبيلاً.

حتى صديقي يوسف، المعتل بالذكريات، ردد على مسامعي نصيحة من هذا القبيل، وقال لي والسيجارة تضيء في فمه: "حين تسدُ غطاء البالوعة بإحكام، لا معنى في أن تفتحها مجددًا؛ كيلا تتسرب منها الحشرات والهوام".

بعد عام، كنتُ على المقهى حين لمحتُ اسمه في صفحة الوفيات من الجريدة الرسمية التي لم يكن يطيق قراءتها. تسمرتُ في مكاني وفغرتُ فمي للحظات، ثم بكيتُ بحرقة صنّارةٍ تهوي في قعر بِركة الماضي.

يغبطني معارفي على منفاي الاختياري، ويقولون لي بأصواتٍ ملؤها الخفة إنني محظوظ، لكنهم لم يعيشوا هنا ليعرفوا أنه حتى الأصدقاء يتقنون الخذلان في الغربة. لم يجربوا محنة انهيار طبقات القلب في بلادٍ غريبة وجوه أهلها تشبه الليمون الضامر.

كل إنسان هنا يقفز على ظله، علَّه يخترق حُجُبَ الْوَقْتِ.

الغربة تقويمٌ أعرج، والغريب شفقٌ يشيخ.

وأنا صياد الماءِ، شبكتي ممزقة والنهر آسن.

ربما يكون لديّ هنا سرير مريح، يحتمل الكوابيس والتقلبات الليلية؛ وثياب أنيقة معلقة في الخزانة تنتظر أن أرتديها في مناسبةٍ ما، لكنني أفتقد نكهة الشوارع المحاذية لمنزلي القديم في بلدتي.

أحِن إلى الأمّ التي تطوي نهدَها بعد أن شبع الرضيع؛ الأب الذي أنهك العناد ذاكرته؛ الحبيبة التي تلوح القناديل من كُم قميصها كأنها أجنحة المساء؛ الصديق الذي ذهب بعد سفري إلى السوق ليشتري وسائد للذكريات؛ عمال التراحيل الذين يترقبون الفرص السانحة وهم يجلسون القرفصاء على طرف الرصيف.

أشتاق إلى فنجان الظهيرة على مقهى شعبي يلعب النرد على وجودنا؛ رائحة النعناع في بيت جدي؛ سور الكورنيش الذي تصطف بجواره الكراسي كي يستريح نهر النيل ليلاً من عناء رحلته الطويلة؛ حنان الليل في أفئدة عشاق ممتنين للظلام؛ النعاس في مركز ثقافي يرتجلون فيه المواويل والمكائد؛ سقف غرفتي حين أغمض عين المصباح كي أستريح.



هنا، كلُّ شيءٍ مائلٌ، حتى المعاني والأغاني.

الطبيعة خلابة، لكن النوافذ أصابها العشى، والشوارع نظيفة والمباني لامعة، لكن الأرواح ضريرة.

ننشر صفحة النهار بالكد والعمل، قبل أن يطوينا الليل بمسدس كاتم للصوت، يفرغ في رؤوسنا رصاصة الرحمة.

تغيرتُ في المنفى كثيرًا.

كنتُ إذا امتلأتُ بفكرة مضيتُ أتكلم عنها لا أكف؛ الآن صمتي هو الكلام.

على امتداد خارطة المدن، تعلمتُ أن الزمن والخديعة قادران على كل شيء. في الأسفار فوائد، لكن عواقبها وخيمة إن أنتَ انزلقتَ إلى الدوائر الخطأ في الأوقات الصحيحة، ثم عدوت إلى الدوائر الصحيحة، في الأوقات الضائعة.

مع ذلك، بقيتُ مؤمنـًا بأن الإنسان قادرٌ على هزيمة الغربة بممارسة الصدق. ليس في الصدق مهانة؛ الصدق كله كبرياء.

لم أتزوج؛ لا أريد أن أتزوج من فتاة لن تعرفني حقـًا. أتمنى امرأةً تنْضُو عَنْ روحي أَتْرِبَةَ الغِيابِ.

عرفتُ هنا عربـًا تزوجوا من غربيات، لكنني لاحظتُ أن الحاجز بين الطرفين يظل قائمـًا، وربما ترتفع أسواره بمرور الوقت.

في الزيجات العابرة للقارات والأعراق، خاصة بين العرب والمجتمعات الغربية، يحدث شيء ما غامض. تنفتح هاوية سحيقة، ويظل الزوجان في حالة ردم لهذه الهوة، وسط خوف أحدهما على الأقل بسبب هذه المسافة الشاسعة التي تفصل بين هذين العالمين. لا بدَّ أن العلاقة الحميمة بين هؤلاء لها مذاق كعك المقابر؛ مضغ آلي، وريبة في المكونات، واستدعاء لمشهد الموتى الذين منحوك بطريقة أو بأخرى هذا الطعم المرتبك. وإن كان هناك أبناء من مثل هذه الزيجات، فإنهم يركلون كرة الجحيم كل صباح؛ تراهم ينظرون للأب والأم في حيرة وشرود، كأنهم عالقون على حبل المسافة الفاصلة بين هذين العالمين؛ حبلِ النقائص والنقائضِ.



أشتهي النَخْلَة المَرْيَمِيّة، التي رشت عطرها على جبين حكاياتي، حتى صارت فتنة الليلك في دمي.

كم حفظتْ الطرق رنة صوتينا، وإشارات أيدينا في الحديث، وشكل خطواتنا ومعنى صمتنا.

وفي العشق، لا يصير السكون سكونـًا.

عانقتُها كثيرًا وطويلاً، وقلتُ لها ذات مساء:

"وجودي معكِ الآن وغدًا؛ لأنكِ وجودي نفسه.

أريد أن أكتب لكِ وعنكِ أشياء لم أكتبها من قبل؛ لتكون تلك الكلمات هي أحلى قبلة مكتوبة في التاريخ.

وحين أقبلكِ، وأعزف على قيثارة زهركِ، سأنسى خامة الليل، وباب القصة!

عندما نصبح معـًا، سأقطفُ لكِ نجمة من السماء، وأثبتُها في ثوبكِ المُرَصَّع بِانْثِيالاتِكِ اللازُورديَّة.

سأجلسكِ على حِجري العاري؛ لتشعري بأعمدة النار في جسدي. وسيكون قميص نومكِ أول من يعلن استسلامه في معاركنا الجميلة".

وحين قررتُ السفر، أخفيتُ عنها رُضُوضَ الْوَدَاعِ، وقلتُ لها وأنا أكفكف دموعها: "أتخيلكِ وأنتِ تناجين صورتي قائلة: ولو انتصرت في البعاد؛ أنت من بعدي مهزوم"!

أخذت تغالب الضحك بيديها المثبتتين على فمها، وهي تبكي؛ هل يمكن لأحدٍ تخيل هذا المشهد؟

حرصتُ على أن أبعث لها نُـذور الشّوق في رسائل تزقزق في بريدها الإلكتروني.




لكنها كانت في غيابي حائرة ومستسلمة، كسمكة لم تتخيّر موقعـًا مناسبـًا من المُحيط؛ هكذا باغتها الصيّاد.

حدثتني في زيارتي الأخيرة، ونظراتُها تفر إلى النافذة، عن زوج بليد عصبي، مفرغ مثل منطاد، يعرف جيدًا أبعاد وضاعته. عندما جمعهما سقف بيتٍ واحد، اكتشفتْ عنفه حين يُفترض به أن يرق ويلين. وفي كل مرة يقع عليها مثل رخامِ الغباء، كانت آنية الزهور تخرج بمزيد من الكسور.

تقول: كان مرآتي المخدوشة المتسخة، وكنتُ الساحة التي يتقيأ فيها كل تفاهاته.

تلومني غاضبة: "أنتَ من ضَيَّعَ الضَّوْءَ"!

يا صاحبي، ثمة حريق لا ينتهي، وها أنا أقبض على ضماد روحي، وأصمت.

ملاحظة ختامية: هل تريد شيئـًا من هنا؟ أنا عائدٌ إليكم قريبـًا بحقيبةٍ ممتلئةٍ بالأسطوانات المدمجة وخيبات الأمل.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ما تيسّر من السفر"

أكتب تعليقا