حرفة الأمل

| |

 
 
 
 
 

 
 
 
في وقتٍ ضائع من الليل، تبدو النصوص رحلة من الخدر الطويل.

في وقتٍ ضائعٍ من العمر، تكنس الحروف بقايا كوابيسنا المستحيلة.

والزمن سياج، حين نقفز فوقه نندم قائلين: لقد كنا أجمل على الضفة الأخرى.

لكننا نعوض ذلك كله بابتكار حروفٍ مقدسة، ونؤمن بأن عند أطراف الأصابع سرٌ من أسرار الله.

ونحن نكتب حتى تُغير الشوارع مزاجها وتتخلص من هول الرتابة. نعيد ترتيب الكون، فلا يضيق بخطواتنا، نحن الذين نسير وسط هذا الحشد من المنومين مغناطيسيـًا الذين يخدشوننا بنظراتهم الجارحة.

الخوف في كل اتجاه، ونحن نهندس تلك العمارة الكئيبة المسماة الحياة. وحين نوشوش للفراغ، لا نسمع سوى صدى حزننا.

في عالم التدوين، أخط كلماتٍ أنهكها الغبار؛ تقاوم الروابط، والأيقونات، والمواقع اﻹلكترونية، والذكريات التي لا تنسانا.

ولكن، من أنا؟

أنا من جيل الطلاء الأزرق على النوافذ، خشية القصف. جيل الأبيض والأسود على شاشة يتيمة. جيل الكتابة على ورقة محايدة. كم أنتِ فادحة يا ذكرياتي!

أنا من جيل رسائل البريد، وغزل الشرفات، والحافلات المزدحمة، والبثور التي نخفق في إخفائها، والسنين التي تمر في هدوء كأن لم تكن.

أنا من جيل المصابيح الصُفر الميتة، وحُبِّ المصايف، والروايات المهربة، والقصائد المكهربة، والسعال الحاد الذي يخترق البيوت كي يقتلنا كما نستحق.

أنا من جيل ارتجافة الغبطة، والهذيان المحرق، والمرح الزاهي، كلما عاش تجربة الحُبِّ الصامت.

أنا من جيل رأى البيانولا والأراجوز وعرائس الماريونيت، لكنه عاش السيرك الحقيقي في عروض العسكر ووعيد الأجلاف.

وأنتَ في هذه الرحلة المضنية، تحتاج بعض العذوبة، كي تكون إنسانـًا.

لكنني كلما كبرتُ، أصبحتُ أكثر يقينـًا من أن أطمئن. صرتُ أكثر احتراسـًا من الزيف، لكنه - لفرط دهشتي- يزداد مهارة في الاحتيال. أتعلَّمُ أن إنقاذ الآخرين، فكرة خيِّرة ساذجة، قد تودي بك إلى الهاوية، وأكتشف أن دمي هو الدُّمية التي اشتريتها في طفولتي، وتسللتْ خارج جسدي في سن متقدمة.

ثم ماذا؟

يأتي الندم على هيئة دمعة، ويمتصنا منديل الزمان ببطء مثير للرثاء.

تلك الغصة عبء ثقيل، لكنني أحاول التماسك والصمود وليس أمامي سوى استدراك الحياة.

والكاتب قد تكون مشكلته الأزلية في البقاء حيـًا، فهو يخفق دومـًا في وضع خطوط فواصل بين أحلامه والواقع الرديء.

يا للغرابة.. من بين مئات الجرائم، لم تلتصق بي سوى تلك الصفة وذاك اللقب: كاتب!

والكتابة انغماسٌ في المسرات على اتساعها، كي نسد الباب أمام هذا الموت المسمى الحياة.

إنها أعلى مراتب المسرة.

في عام مضى، احتضنت مدونة "قبل الطوفان" فصولاً إضافية في رواية الحياة، وغصونـًا قبَّلتْ جبين الشجرة، ثم غادرت بحثـًا عن أرض جديدة.

في كل مرة، كانت الفكرة تهمس للتي بعدها: هذي يدي تمسح على صدرك الساكن، حتى ينهمر النور وتشرقي بالميلاد.

وما نعيشه.. يدوم.

ولأن شريط الحياة يعيد بعض اللحظات الآسرة من تلقاء نفسه، فقد استلهمنا من البشر، وأسرارهم الدفينة، كمـًا فائضـًا من الدهشة. هكذا كتبنا "إثمنا الجميل" عن سيرة ضائعة تنجب الألم، و"يا خال" عن هذا الفرع المبتور لكنه يواصل النمو، و"سديم" عن النهايات المؤجلة على سرير الانتظار.

الحياة فظة، وها أنا أخفف قسوتها بالمجاز.

واصلنا الغوص في أعماق تاريخ المحروسة؛ لنحكي عن المال والمآل داخل القصور، في سلسلة "ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة".

سخرنا ونحن نبوح بفيض من القصص عن وسائل التعذيب التي كانت تلتهم أسفلت الشوارع قبل عقود، في "اهتزازات زمن فات".

نالت الرياضة نصيبـًا وافرًا من الاهتمام، في محاولة لإعادة تركيب تفاصيل الأزمة الكروية بين مصر والجزائر، فكانت الثمرة هي تدوينات "مباراة في التجني"، و"غبار الغضب"، و"قتل الأب"، و"للوراء دُر"، و"مباراة الجروح"، و"غبار المعركة"، و"كرة الندم". ثم عرَّجنا على عالم الأغنياء الذين يجثمون فوق صدور الأندية الرياضية، فأعدنا اكتشاف "الحرب بين متولي.. وقوطة"، و"تاجر الألماس في ميت عقبة"، و"لعبة الكومي"، و"الرئيس يدفع الحساب"، و"أباطرة المال في عالم الرياضة"، و"معركة ملكية الأندية".

هذه الرحلة الطويلة لم تكن أرضـًا مقفرة، بل أنبتت من كل زوج بهيج.

في عام واحد، خرج إلى النور ثلاثة أبناء جدد انضموا إلى عائلة الكتابة:

"هيا بنا نلعب"، الذي ليس سوى ثمرة مئات بل آلاف التفاصيل التي تراكمت في الذاكرة طوال سنوات، ثم انفجرت على هيئة كلمات.

والكلمة أشفّ من البلور وأقطع من السيف.

"فضة الدهشة"، الذي يعد ثمرة ثانية لاختلاس الثواني كي أعلق كلماتي على لبلابة تويتر التي تتسلق أسوار قلبي، في رحلة جديدة بحثـًا عن كتابةٍ تختصر المساحات والمسافات، وتختزل الوقت والحروف، قبل أن تطبع على الوجوه قبلة نسكب فيها ريق الأمل.

كتبتُ على تويتر كل ما يمكن أن يذهل روحي، مفتونـًا بهذه الرغبة الجامحة في لمس الأفق، ومأخوذًا بسحر المعاني والمشاعر، مثل كتلة ضوء متوهجة، تنجذب إليها سفينة تتأرجح على صفحة الماء.

"شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي"، عن رسائل الموت التي لا يجوز إهمالها، والفعل الوحيد الذي يصبح الفاعل بعده جزءًا من الماضي.

وعلى حافة الحياة، يرغب البعض في خلاصٍ يوقف دبيب جيوش الألم، وراحة وقتية قد تفتح باب عذابات أبدية.

إنها اللحظة التي يبدو فيها كل شيء خاليـًا من المعنى والأساس والمبرر، ويجتاح الأيام عقمٌ مطلق، بالنسبة لشخص عاجز عن الاستقرار أو الاستمرار، فيتأهب لمواجهة هاوية أخرى لا تنضب. رسائل خلاص لن تصل، ونهايات يظن أصحابها أنها فعل اختيار، ويرى كثيرون أنها جناية على الروح التي نؤتمن عليها.

هكذا نطق كل ابن برسالته.

شبَّ عن الطوق ابنان آخران، فأخرجت المطابع طبعة منقحة ومزيدة من كل من "قبل الطوفان"، و"جمهورية الفوضى"، أعادتا التذكير بالصوت الحُر الذي نطقت به هذه المدونة أمام سلطان جائر، وكشفت به بعض تاريخنا المزيف الذي أرادوا به التدليس، حتى خرجت مصر إلى الميادين في لحظة نادرة من عمر المحروسة.

لم يذهب عناؤنا سدى، فقد كتبت "الأهرام" عن "المال الحرام في مصر"، وتحدثت "رويترز عن قصة الثروة في مصر"، وتكلمت "القدس العربي" بإسهاب عن أسرار "قصة الثروة في مصر".

وبالمثل، تحدثت "الجزيرة نت.. عن شهقة اليائسين"، وجلست مجلة "أكتوبر" متأملة "في حضرة الموت الجميل"، وأفردت "الأهرام" مساحة صفحة كاملة للحديث عن "شهقة اليائسين عن أسرار الانتحار في مصر".

في الذكرى السابعة لإنشاء مدونة "قبل الطوفان"، تعلمنا أن كل الأحلام غائمة، إلا تلك التي نعمل على توضيحها بتفاصيل رأيناها في يقظتنا.

كم تتعلق روحي بهذه المدونة التي منحتني حرفة الأمل، ولقنتني درس الحياة: لا تتصنع الكتابة ولا تصنعها. فقط اكتب ما يُمليه عليك قلبك.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

9 التعليقات على "حرفة الأمل"

أكتب تعليقا