ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (6): فاروق

| |




 
عقب وفاة والده فؤاد الأول، تولى فاروق حُكم مصر في فترة حاسمة من عمر مصر.

ومن 28 إبريل 1936 إلى أن تنازل عن العرش في 26 يوليو 1952 قاد فاروق البلاد وسط عواصف الاحتلال والفساد والفوضى. وسرعان ما برز بشكل رسمي اسم الملك فاروق (إبريل 1936- يوليو 1952) كواحد من أكبر أغنياء مصر، بعد أن ورث عن أبيه ثروة طائلة.

وفي صحف ومجلات ذلك الزمان[1] نطالع قوائم دقيقة لثروة فاروق الحقيقية. ففي مجال الأطيان والأرض الزراعية تبين أن مجموعها 24 ألفـًا و73 فدانـًا و16 قيراطـًا، وكان لفاروق دخلٌ آخر يحصل عليه من ريع الأوقاف يقدر بنحو مليون و365 ألف جنيه.. هذا بخلاف دخلٍ سنوي كبير يقدر بحوالي 300 ألف جنيه يستولي عليه بصفته ناظرًا على عدد من أوقاف أخرى يبلغ عددها 14 وقفـًا.

أما دخل فاروق من الأسهم التي كان يملكها في الشركات فقد بلغ 3 ملايين و398 ألفـًا و145 جنيهـًا. وكان فاروق يملك 71 سيارة خاصة به غير السيارات الملكية "الحمراء" والسيارات المخصصة لرجال الحاشية والقصر، ومن هذه السيارات الخاصة بالملك السابق سيارات كاديلاك ومرسيدس ورينو وكورد وفيات ولينكن وفورد وشيفروليه وجيب ليموزين وتوربين للسباق. أما اليخوت واللنشات فيبلغ عددها عشرين قطعة، قدر ثمنها بنحو 58 ألف جنيه. وهناك ممتلكات أخرى تتمثل في الأثاثات التي ملأت قصري الطاهرة والبستان واستراحات وادي الرشراش والغردقة والمعمورة.

ثراء لم يكن سوى شاهد على مفارقة مأساوية بين حال الملك والأمراء والأميرات، وأحوال البسطاء الذين كانوا يعانون في تلك الفترة من ضيق ذات اليد.

وحكمة الأولين تقول: "والأصل في حدوث هذه المظالم منهم وفيهم، لأن الكشاف والولاة من جملة أعوان السلطة، والحماة من جملة الأمراء والوزراء والأعوان، فإذا وضعت الحماية من هؤلاء على بعض الجهات بمال يأخذونه بنوع من أنواع الشبهات، فلابد بأن يحصل الظلم.."[2].

وفي لحظة تشرذم وتفكك، أعلن الملك فاروق الحرب على والدته الملكة نازلي.


 وكان المال أخطر أسلحة المعركة الدامية.


إذ إنه عقب تشبث الملكة نازلي - المقيمة في الولايات المتحدة- بموقفها من العودة إلى مصر ومن زواج ابنتها الأميرة فتحية من رياض غالي - والذي عُقِدَ في سان فرانسيسكو في 10 مايو 1950- بالرغم من اختلاف الديانة بينهما، أصدر الملك أمرًا بحرمان أمه من لقب "الملكة" وشقيقتيه من لقب الإمارة، وطلب عقد مجلس البلاط، وهو مجلس يضم عددًا من القانونيين وبعض الأمراء للنظر في القضايا والخلافات التي تقوم بين أفراد الأسرة المالكة.

طلب فاروق من المجلس في رسالة بتاريخ 12 مايو عام 1950 الحجر على أمه والحجز على أموالها هي وشقيقتيه وتعيين ناظر الخاصة الملكية حارسا عليها.

وقد اشتملت هذه المذكرة الملكية على بيان تفصيلي بالمبالغ التي أُرسِلت إلى الملكة نازلي والأميرتين في الفترة الواقعة من صيف سنة 1946 حتى ساعة إعداد المذكرة التي يقول نصها:

"ثانيا: من يوم سفر والدتنا وشقيقتينا من مصر بلغ مقدار ما صرف إليهن من النقود مبلغ 483,831 جنيهـًا صرف من ذلك مبلغ 178,667 جنيهـًا لحساب والدتنا عن طريق نظارة خاصتنا، ومبلغ 130,000 لحسابها أيضـًا، عن طريق وكيلها إلهامي حسين باشا 174,741 جنيهـًا لحساب شقيقتينا مناصفة بينهما، وعلمنا أن من المبالغ التي صرفت إليهن أودع مبلغ 37,750 جنيهـًا في البنك الأهلي بمصر لحساب رياض غالي أفندي، وبذلك أصبحت أموالهن عُرضة للضياع"[3].

أصدر مجلس البلاط حكمه في الموضوع، ووقف إلى جانب فاروق في دعواه ضد أمه وشقيقته فتحية. غير أن نازلي واصلت تحديها، وكذلك فعلت فتحية، التي انتهى بها الأمر قتيلة في مساء 10 ديسمبر عام 1976، بعد أن أطلق عليها رياض غالي خمس رصاصات استقرت في جسدها.

وعند إشهار إفلاس نازلي عام 1976، انحصرت أملاكها في خمس سيارات مرسيدس ومُهر عربي تصل قيمته إلى خمسة آلاف دولار، ومجوهرات وتحف تقدر بأكثر من مليوني دولار[4].

غير أن الديون المتراكمة التهمت كل ما سبق ذكره، خصوصـًا أن الفوائد السنوية للديون تضخمت وصارت ديناصورًا لا يقف شيء في طريقه.

وبدا منطقيـًا بعد فقدان فاروق السيطرة على عائلته فضلاً على بلده أن تقع ثورة 23 يوليو 1952 التي أطاحت فاروق وأجبرته على التنازل عن العرش لابنه الطفل أحمد فؤاد الثاني. على ظهر يخت "المحروسة"، غادر فاروق البلاد إلى إيطاليا حيث توفي هناك 1965، ودفن في مصر في مسجد الرفاعي .

وعندما تم في عهد الثورة تحويل كل ما صودر من ثروة الملك فاروق ومن أملاك الخاصة الملكية إلى المجلس الأعلى للخدمات تحت رئاسة فؤاد جلال، بلغت قيمة تلك الثروات 70 مليون جنيه[5]. وقد نفذت بهذه الأملاك والأموال مشروعات الوحدات المجمعة للصحة والتعليم، وإعادة التدريب والإرشاد الزراعي في الريف، إلى جانب سلسلة المستشفيات المركزية التي أنشئت آنذاك.

أما الملك أحمد فؤاد الثاني الذي ولد في القاهرة 1951، فقد تنازل له والده فاروق عن العرش، ليصبح من الناحية الاسمية ملكـًا وهو في شهره السادس تحت إشراف لجنة الوصاية من 26 يوليو 1952 إلى إعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953.

مر أحمد فؤاد الثاني – المولود في 16 يناير 1952- بأزمات مالية خاصة بعد رحيل والده ونفاد مدخراته. عمل فترة في مجال العقارات في فرنسا، وهو يعيش حاليـًا في سويسرا. تزوج من الفرنسية دومينيك فرانس لوب بيكار، التي أصبحت تحمل اسم فضيلة. وقد انفصلا عام 1996، قبل أن يقع الطلاق النهائي بينهما في سبتمبر 2008.

وتكشف الكاتبة مها عبدالفتاح عن الشروخ التي أصابت حياة أحمد فؤاد الزوجية بسبب زوجته فضيلة فتقول: "استدانت فضيلة مبلغـًا كبيرًا من البنك، بضمان شقة شارع فوش ومحتوياتها. وكلها من أثاث وتحف الملك فاروق، غير هدايا شاه إيران وبعض أمراء السعودية.

ولم توف الدين للبنك، وضاعت الشقة بمحتوياتها، من جراء نزقها، وغرورها الأحمق، وإسرافها الجنوني، على هيئتها ومظهرها وخيالها المريض!

أما أحمد فؤاد.. هذا المسكين فقد جردته من كل ما آل إليه، ودفعت به إلى الانهيار النفسي، وقد ترك وراءه كل شيء، ولجأ إلى أخته الأميرة فريال ليعيش معها في سويسرا ولا حول له ولا طول!"[6].

هوامش

[1] ___________، مجلة "المصور"، القاهرة، 5 ديسمبر عام 1952.
[2] محمد بن خليل الأسدي، التيسير والاعتبار والتحرير والاختبار، دار الفكر العربي، مصر، 1967، ص 136.
[3] د. ياسر ثابت، جرائم العاطفة في مصر النازفة، مرجع سابق، ص 20.
[4] المرجع السابق، ص 24.
[5] محمد حسنين هيكل، لمصر لا لعبدالناصر، طبعة أولى، دار الشروق، القاهرة، 2003، ص 112.
[6] أغاريد مصطفى، طلاق أحمد فؤاد وفضيلة.. عواصف أنهت زواج السنوات الصعبة (3)، جريدة "الراي"، الكويت، 24 أغسطس 2009.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (6): فاروق"

أكتب تعليقا