جمهورية الفوضى.. من جديد

| |




في وطنٍ تحكمه الفوضى يصبح كل شيء ممكنـًا.

وحين نفقد البوصلة يصبح طبيعيـًا أن تجد من يسير عكس الاتجاه، وهو يحسب أنه يحسن صنعـًا.

وفي مصر، استسلم العامة قبل الخاصة لفكرة الفوضى، بعد أن ضاع التاريخ ولم يعد سوى صورة في بطاقة معايدة أو لوحة غنائية للتباهي في المناسبات الرسمية والأعياد القومية. أما الحاضر، فقد اختطفه اللصوص وصادرته أجهزة الأمن، وأهدرته طوابير طويلة بحثـًا عن لقمة العيش، أو العيش نفسه.

وحين يضيع التاريخ، ويصبح الحاضر رهينة، يتسرب المستقبل ويخبو الأمل في صنع غدٍ أفضل، إلا في وسائل إعلام رسمية ترهلت وأصابها من الفساد ما أصاب غيرها من الهيئات والمؤسسات في هذا الوطن.

لقد أصبحت أبسط الحقوق أحلامـًا يصعب علينا تحقيقها مما جعل الحلم الحقيقي يتلاشى ويصبح مطلبـًا بعيد المنال، أو يدخل في باب المحال.

ولأن البعض يتعلق بثوب الدولة ظنـًا منه أنها الأم والأب، والمنقذ والمخلص، فإن صدمة هؤلاء كبيرة عندما يجدون الدولة مفككة، تتضارب فيها المصالح والمواقف والسياسات. وكيف يمكن أن يكون هناك كيان اسمه الدولة وجميع الحوادث التي تشهدها شوارعها يوميـًا وبكثافة ربما لا يكون لها مثيل في أي بلد في العالم، جميعها يستوي فيها المخطئ والمصيب، ولا تجد صدى لدى المسؤولين عن الأمن سوي محاولة تطييب الخواطر وإفهام الجميع أن عمل المحاضر وإثبات الحالة وغيرها ليست أكثر من تضييع للوقت، وأنك لن تحصل على حق أو تعويض.

هناك من يتساءل: من يحكم مصر؟

والإجابة بسيطة: الفوضى!

في عصر مبارك ومصره، كنا نعيش مهددين بقبضة الأمن، وسطوة رجال الأعمال، وتحت رحمة تجار جشعين، وبلطجية وجدوا الساحة مهيأةً لفعل ما يحلو لهم. وبعد ثورة 25 يناير، يبدو أن "دار ابن لقمان على حالها"، فقد أدار المجلس العسكري شؤون البلاد بطريقةٍ أوضحت نتائجها أنها ليست في الاتجاه الصحيح ولا الرشيد. وطفا على السطح من ينشغل عن فقه الأولويات، وشؤون الديمقراطية والتنمية، بتوافه الأمور، تاركـًا الساحة لبلطجية ولصوص ومأجورين يعيثون في البلاد فسادًا.

أما المواطن العادي فلم يكن في الحالتين يسير بمحاذاة الجدار، وإنما داخله، إلا أنه يظل فريسة سهلة لكل هؤلاء؛ لأن من يضحى بحريته من أجل أمنه، لا ينال أمنـًا ولا يستحق حرية.

وفي ظل تلك الفوضى، يستسيغ الجميع، حكامـًا ومحكومين، فكرة الجهل والإهمال والتسيب، ويتقنون فن المراوغة والخداع والتلاعب، ويفقد الآباء قبل الأبناء مفهوم الانتماء الحقيقي للوطن، والفهم العميق للدين القويم، لتنتهي المهزلة بضياع البلاد ومهانة العباد داخل المحروسة أو في أرض الله الواسعة.

أين الدولة؟

إننا لا نرى من مظاهرها سوى صور عابرة، في ظل انكسار المواطن تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية، وصلف السلطات وتعنت الهيئات الحكومية، وانتشار الفساد بمختلف صوره وأشكاله.

إن المؤشرات جميعها تؤكد أن الدولة حصرت نفسها في الاحتفالات والبروتوكولات والمكلمات، وصدَّقت وسائل إعلامها، واطمأنت إلى قدرة أفراد أمنها أو عسكرها على تأمين استمرار نظام حكمها.. ثم انزوت في القصور والمباني الفخمة التي يقف على أبوابها حراس أشداء يمنعون البسطاء من الوصول بأصواتهم أو شكواهم إلى أولي الأمر.

تُرى متى تعود الدولة لترعى أحوال شعبها؟

إن أزمات وحروب الغد تولد اليوم.. وهو ما غاب عن أذهان صانعي القرار الذين يعيش أغلبهم في كبسولة فضائية لا علاقة لها بالواقع المعاش ولا بحياة أبناء هذا الوطن.

وفي علم السياسة، توجد ثلاث وسائل لتعزيز الإصلاح السياسي الديمقراطي في النظم شبه السلطوية. الوسيلة الأولى هي الاستمرار في إدخال إصلاحات تدريجية في إطار النظم القائمة، أما الوسيلة الثانية فهي تقوم على عنصر المفاجأة التي من شأنها أن تؤدي إلى تحولٍ ديمقراطي كامل. وتعتمد الوسيلة الثالثة على تقاسم السلطة بين النظام الحاكم والمعارضة المرتبط بإدراك كلا الطرفين أنه لا يمكن لأحدهما القضاء على الآخر.

أما في مصر، فقد ظهرت وسيلةٌ رابعة للتعامل مع واقع سياسي مضطرب: الفوضى.. غير الخلاقة.

وفي بحر الفوضى، أغرقتنا تفاصيل مزعجة وخلافات مؤسفة، أنستنا أن الإصلاح الحقيقي هو الذي يعلي من شأن الموضوعية والنزاهة والتجرد عن المصلحة الخاصة الفجة، ويحارب المحسوبية والفساد، ويرسي أسس العدالة الاجتماعية، ويوفر الخدمات الأساسية للمواطنين من دون تفرقة، وينهض بمستويات التعليم وقواعد الديمقراطية ومسارات التنمية، ويعمل على تطوير أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

والكتاب الذي بين أيدينا قراءةٌ في ماضي مصر، ودراسةٌ في حاضرها، ومحاولةٌ لاستقراء المستقبل، لعلنا ندرك ما جرى، ونستوعب ما يحدث، فنحسن فهم ما يمكن أن تحمله لنا الأيام والأعوام المقبلة.

أو قل إنها بصيصٌ من الضوء، ربما يتحول يومـًا إلى بارقة أمل في نفوس أبناء مصر.. مصر التي إن ارتفعت هامتها ارتفعت هامة العرب، وإن هانت واستكانت هانوا.. وكانوا.

سطرنا هذه الشهادة في عصر مبارك، وأعدنا قراءتها بعد سقوط نظامه، وفق ما تقضي به الضرورات، لكننا أبقينا على المضمون كما هو، دفاعـًا عن الحق. نعم، الحق، الذي أهدرته المصالح الضيقة والأطماع الشرهة - بل الشرسة- لهذا الطرف أو ذاك، لكنها لم تثننا عن قول الحقيقة لحظة واحدة. دعونا هنا نستذكر مقولة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه"، وكلمات أبو حيان التوحيدي: "الحق لا يصير حقـًا بكثرة معتقديه، ولا يستحيل باطلاً بقلة منتحليه".

وبعد.. إنها كلماتٌ تحاول أن تضيف وتثري، وقراءاتٌ تنظر في أحوال المحروسة كي تصبح حارسة للحق والعدل والنهضة، وتأملات مخلصة في أحوال القاهرة.. حتى لا تبقى مقهورة.

 

من مقدمة كتاب "جمهورية الفوضى"، طبعة مزيدة ومنقحة، دار كنوز للنشر، نوفمبر 2012

 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "جمهورية الفوضى.. من جديد"

أكتب تعليقا