يا خال

| |


 
 
هذا الإيقاع الجلي والمتعدد، هذا التوقّد، له رائحة الفصول وأثرُ شمسٍ نزقة.

اسمه: صلاح.

عيناه فجران غائمان، يرشان الآخرين بلهيبٍ صامت.

ضحكته جَرَحها التبغ، ونظرته تراوغ الكون.

رجلٌ ينبجس كالمياه، ويغرس رمحه في خاصرة الثور بخفةٍ تنتزع آهاتِ الإعجاب.

كان ناحلاً وطويلاً. في عينيه دائمـًا سؤالٌ نافد الصبر.

ما إن يتجاوز ضجره الحدودَ حتى يفقد صوابَه إذا لم يتدخّل أحد.

يقول: رُمِيتُ، ذات يومٍ، في المحيط، كتقدمةٍ للعدم، لكنني عُدتُ. ضعتُ، مذ خرجت. الطريق الصخرية التي توصلني إلى البيتِ دبرتْ لي مكيدة أو غواية، فاستسلمتُ لها سريعـًا.. وفي الحال كان قد فات أوان الرجوع.

طرقتُ باب منزل السحرة ولم يرمش لي طرف.. لكنني ضعت!

وقعَ في غرام امرأة تجتاحُ ثوبَها ريحٌ مرحةُ، وخطبَ ود ثانيةٍ تجاوز أسوارها بالحيلة حتى لا يخسر قائد جُندِه أمام باب قلعتها، ثم تزوج نجمة لألآءة تدور في فلك بائس.
 
 

كلما استغاثتْ به غيمة بيضاء أنقذها من سمائها الرحبة، واعتصرها في نخيل يديه بلطفٍ وابتسامةٍ تبدد الخوف. ومن دفء الفم إلى برودة الأرض، حيث حرارة جبال الجسد واللازورد.

عاش شبابه مقيدًا بشراكِ ضفائر حبيبةٍ ما.

وحين أغرم بامرأةٍ تستهلك بجشعٍ حضوره، جاءه صوتُ والده على الهاتف عميقـًا وهادئـًا: "تعقل يا صلاح.. تعقل يا "شباب امرأة"!

في المساءاتِ الوادعة، يخرج مرتديـًا قميصـًا جميلاً ومنتعلاً حذاءً نظيفـًا لماعـًا، ليغوص في أكثر نقاط المدينة ازدحامـًا.

كل الدروب والشوارع الجانبية تعرف نشيده، وتحفظ ذاكرة خطاه.

الشارع, تعب من ذهابه وإيابه.

وقرب الفجر، يستسلم للتعب، فيما تؤوب دراجته النّارية إلى الأفق.

كم تعجز الريح المشاغبة عن فصل الموج عن البحر!

في البال رسائله الأنيقة بخطه المنمق ولغته الجميلة التي لا تدري من أين اكتسبها.
 
 

تعلمتُ منه حُبَّ السينما: عبقرية فيديريكو فيلليني في "لا دولتشي فيتا" وستانلي كوبريك في "سبارتاكوس" وألفريد هيتشكوك في "سايكو". عشقتُ اندفاع أنطوني كوين وبرود أعصاب كلينت إيستوود ونعومة كاثرين دونوف وسطوة آن بانكروفت.

مع كل فيلم جديد، كنا نجلس متجاورين في صالة العرض، نقفز خارج أنفسنا، مفعمين بالدهشة واليقين. وفي فضاء مخيلته، كنتَ تلمح نهاياتٍ أخرى لأفلام تستقر في الوجدان.

شفتاه السميكتان على وجنتيه البريئتين جعلتا منه أشبه بأحد نجوم أدوار الشر في هوليوود.

ذهبَ إلى حربٍ غير عادلة، ولما عاد قال لي: لابد أن الغريب الذي يشرب من دمائنا، قد ثمل!

يُحدِّثك عن معنى الموتِ في أرضٍ قاحلة، وكيف تتحول مقاتلاتُ العدو إلى حفارِ قبورٍ يدفن بوحشيةٍ غادرة أحلامَ الحرية والكرامة. يقول: في الأرض الصفراء، اجتاحنا العطش إلى نهرٍ في مثل صفاء الزجاج.. غير أنه كان بعيدًا.

يفكر بأن الحياة إن هي إلا جرحٌ وثغرة.

وكأي عابر صامت، كساه الغبارُ، قرر ألا يصبح حارس السهل، بل السهل نفسه. علّق ثوب أحلامه على مشجب الرتابة فوق بيدر الحياة، ومضى يسد رمق صغارٍ استظلوا بسقفه الصغير.

بدا لي أغنية قصيرة.

مشروع ريح لا تتمسك بالهبوب.

أحاله البرق الغاضب إلى رماد.
 
 

أخرّج من دماغه حكاياتٍ مفككة، وصاحبَ البُكم بحثـًا عن الأسرار.

باتت بهرجة المدينة الباطلة مجرد لوحةٍ مظلمة.

سقط كتفاه مثل الدموعِ، وصار جسده كأنه مزقة من شراع.

سيؤلمه صدره، ويمتلئ جفناه بقيح كثير، فيما فمه المحترق يبتلع دوائر الهواء في شراهة.

يئن قائلاً لنفسه: "يا عجلة لا تسحقيني"!

نقلوه إلى المستشفى على عجل، وفحصه الطبيب بتمهل، قبل أن يهز رأسه ويوصي باحتجازه في غرفةٍ بلون محايد.

ما إن تأكد له بأنّ صوته لن يُسمَع في هذه الحجرة النائية، حتّى أخذ يصرخ لساعاتٍ مسكّنـًا الألم الذي ضمَّده حريرٌ خانق

على أرض الواقع، اليأس قادرٌ على سحْقِ رأسِ الأمل.

في آخر مرة رأيته، كان ينتظر نهايةَ المطر تحت إفريز، مستفيدًا من القوّة الخارقة التي منحته إيّاها الحمّى.

تنشر العينُ لؤلؤة تحلم بأبديةٍ هادئة. يغلق عينيه ويطفئ ضوءه.

صرخة, ثم لا شيء.

يصعد مع الماضي الذي أسس للوجع.

يصعد، ويصعد، ويصعد مثل الآمال التي تذهب عاليـًا..

ونحن نهبط بالجسد المسجى في الكفن الجليل إلى ظلمة القبر.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "يا خال"

أكتب تعليقا