للوراء دُر

| |

أكاذيب!
هكذا وصف عدد من النقاد وخبراء الرياضة موقف اتحاد الكرة المصري، في الوقت الذي تعالت أصوات تدعو مجلس إدارة الاتحاد برئاسة سمير زاهر بالتحلي بالشجاعة الأدبية، والتقدم بالاستقالة، والتنحي عن مهامه بعد فشله الذريع في التعامل مع ملف مباراة مصر والجزائر منذ بدء الأزمة، وعدم الاعتراف بالخطأ في قيام بعض المشجعين بالاعتداء على حافلة منتخب الجزائر بالحجارة، وهو ما أشعل فتيل الأزمة. أصوات عاقلة قالت بوضوح إنه كان الأولى باتحاد الكرة المصري الاعتراف بالخطأ بشجاعة والاعتذار عنه، واحتواء الأزمة من البداية.
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن رد فعل الفيفا لم يتأخر عقب واقعة الاعتداء على الحافلة، إذ طالب الاتحاد الدولي لكرة القدم بضمانات خطية من السلطات المعنية في مصر تقضي بتوفير إجراءات أمن وسلامة إضافية للبعثة الجزائرية طوال فترة إقامتها في مصر[1].
أما الانتقادات لاتحاد كرة القدم المصري ورئيسه سمير زاهر فقد تأخرت بشكل عام إلى أن وقعت الهزيمة في أم درمان.
رئيس اتحاد كرة القدم الأسبق في مصر، عصام عبدالمنعم، قال: "لقد نجح روراوة فيما فشل فيه زاهر، فبمجرد الاعتداء على الأتوبيس تمسك بحضور المراقبين لإثبات الواقعة، وتم توثيقها بواسطة "سي دي"، مصور، وإرسال الشكوى إلى الفيفا قبل أن تمر 48 ساعة على حدوثها، عكس ما فعل سمير زاهر في أحداث أم درمان.
وأضاف أن "جوزيف بلاتر أكد في وقت سابق أنه رفض تسلم ملف مصر في أحداث أم درمان؛ لأن الوفد المصري قدم الملف بعد نحو شهر من الواقعة[2] وليس بعد 48 ساعة في الموعد المحدد، وهو خطأ إداري يتحمله مجلس الإدارة"[3].
"النيران الصديقة" لم تكن وحدها التي أصابت سمير زاهر، إذ نال نصيبـًا وافرًا من انتقادات وإساءات الصحافة الجزائرية،  لدرجة أن إحدى الصحف هناك اعتبرت أن "زاهر أكبر معطوبي "معركة الجزائر".. وسقوط مذل في الأفق"[4].
ووسط هذه الفوضى العارمة، انطلقت رصاصة طائشة في سماء اتحاد الكرة المصري، حين وَّجه أحمد شوبير، نائب رئيس اتحاد الكرة السابق، اتهامـًا إلى أحد أعضاء مجلس إدارة الاتحاد بتخطيط وتدبير مؤامرة قيام بعض المتعصبين المهووسين المصريين بانتظار حافلة البعثة الجزائرية في القاهرة وقذفها بالطوب والحجارة. بدا واضحـًا أن اتهام شوبير بلا سند أو دليل أو توصيف أو تحديد لشخص مقصود بهذا الاتهام.. وكان من المؤكد أيضـًا أنه حتى لو كان اتهامـًا مسلحـًا بالأدلة والإثباتات فقد كان أولى بشوبير ألا يسكت طويلاً قبل أن يعلن عنه وإلا كان شخصـًا عارفـًا بحقيقة ما واستمتع بإخفائها حتى تأتي لحظة مناسبة وفق مصالح خاصة، وبذلك ينتفي ادعاء البحث عن الحقيقة دون هوى أو مكاسب شخصية.
ولكن بعد 24 ساعة فقط، كان شوبير يسحب هذا الاتهام ويعتذر لسمير زاهر[5] وبقية أعضاء مجلس إدارة اتحاد الكرة ويؤكد أنه قد تعرض لخداع ووقع في خطأ يتراجع عنه الآن أمام كل الناس. وفي حوار صحفي، وجه إلى شوبير السؤال التالي:
"* هل "الخوف" و"القلق" كانا السبب في تقدمك باعتذار لزاهر؟
-
"لا الخوف ولا القلق".. الاعتذار كان سببه الرئيسي إيماني الشديد بـ"ارتكابي خطأ مهنيا" لذلك اعتذرت أكثر من مرة وأظن أنني استنفدت كل السبل من أجل الاعتذار، وهذا لا يقلل مني"[6].
 إلا أن المشكلة تبقى أن خطأ شوبير أكبر من مجرد اعتذار لسمير زاهر أو لكل اتحاد الكرة، "فلابد من اعتذارات أخرى أكبر وأهم لكل المصريين الذين استباحت صحف جزائرية كثيرة سمعتهم وشرفهم فقط، استنادًا إلى كلام شوبير.. وإذا كنت شخصيـًا سأقبل اعتذار شوبير فإنه لابد من انتظار قبول آخرين وكثيرين قد لا يرضيهم أو يكفيهم هذا الاعتذار.. وهناك من يريدون التفتيش عن دوافع شوبير للإدلاء بهذا الاتهام الخاطئ في وقت خاطئ ومعيب وقاتل"[7].

على أي حال، أخذت الأزمة تتوارى إلى أن ماتت إكلينيكيـًا، أو خفتت وذوت، وبعد حالة الإحباط التي عاشها المصريون بعد ضياع حلم التأهل للمونديال المصريين مر رد الفعل المصري بأربع مراحل، هي: إنكار الهزيمة، والتبرير، والغضب، وأخيرًا الانحسار وقبول الأمر الواقع[8].
وهدأت الأزمة رويدًا، خصوصًا مع تصريحات دبلوماسية ذات نبرة هادئة من الطرفين، ومن ذلك تهنئة وزير الخارجية الجزائري، مراد مدلسي، للمصريين بمناسبة عيد الأضحى المبارك، قائلاً: "نتمنى كل الخير لمصر ونرغب في طي الصفحة"، ومؤكدًا أن بلاده ملتزمة بالتهدئة وانتهاء الحملات الصحفية[9]. ودخلت التهدئة مرحلة جوهرية بعد لقاءين بين الرئيسين المصري - آنذاك- حسني مبارك والجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، أولهما في نهاية مايو 2010، حين التقى الزعيمان لأول مرة منذ الأزمة الكروية بين البلدين، قبيل بدء الجلسة الافتتاحية لقمة فرنسا- إفريقيا في مدينة نيس الفرنسية، فتعانقا بشكل أخوي وودي[10]، في درس بليغ للمزايدين من الجانبين والمراهنين على المزيد من التصعيد غير المبرر والهوس الموتور[11]. بعد ذلك بنحو شهر، زار مبارك الجزائر واجتمع مع بوتفليقة في 4 يوليو 2010 لتعزيته في وفاة شقيقه مصطفى. وأعقب ذلك عرض رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، محمد روراوة، على هاني أبوريدة، الرئيس المؤقت آنذاك لاتحاد الكرة في مصر، فكرة إقامة مباراة ودية بين المنتخبين، لإنهاء الأزمة الكروية بشكل رسمي وتأكيد عدم وجود أزمات بين اللاعبين أو أي شخص في الدولتين[12].


تطبيع كروي، جاء تمهيدًا لخطوات عملية وإجراءات فعلية على الأرض لإزالة الحاجز النفسي بين قطاعات من الجماهير المصرية والجزائرية، حتى وإن لم يكن معروفـًا إن كانت المباحثات بين مبارك وبوتفليقة تناولت أزمة مباراتي مصر والسودان، وما أسفر عنها من أحداث وتلاسن إعلامي، وشتائم كادت تؤدي إلى أزمة دبلوماسية، وهل تناولت قضية العمالة المصرية والاستثمارات المصرية، وهل تناولت أمورًا من شأنها أن تتلافى أزمة أخرى في المستقبل، أم أن الرئيس المصري حينذاك ناقش كل شيء عدا هذه الأمور، تقديرًا منه لظروف العزاء[13].
نظرة سريعة على العناوين الرئيسية لغالبية الصحف الجزائرية تكشف مدى الاهتمام باللقاء، إذ جاء عنوان صحيفة "الشعب" الرسمية: "الرئيس بوتفليقة يتحادث على انفراد مع نظيره المصري"، وصحيفة "الشروق": "مبارك في الجزائر لتعزية بوتفليقة ورأب الصدع"، وصحيفة "ليبرتي": "بوتفليقة ومبارك وذوبان الجليد". من جانبه أكد عبدالعزيز سيف النصر، سفير مصر بالجزائر، أن زيارة مبارك أعطت دفعة جديدة للعلاقات بين مصر والجزائر كدولتين عربيتين وإسلاميتين كبيرتين[14].
لا تهم الأسباب المعلنة لزيارة مبارك المفاجئة إلى الجزائر.. المهم أن الزيارة تمت وأن أعلامـًا مصرية رفعت بكثافة في شوارع الجزائر، لينزوي الذين أرادوا تقويض علاقات الأخوة في الهوية، وإثارة عداوات وصراعات جهولة لا تقتصر على ملاعب الكرة بل أرادوا لها أن تمتد لتأكل الأخضر واليابس من كل القيم المحترمة.
للوراء دُر!
هذا ما حدث، حتى داخل أروقة اتحاد المحامين العرب، إذ أعلن حمدي خليفة، نقيب المحامين المصريين، رئيس اتحاد المحامين العرب، أن الأزمة بين محاميي مصر والجزائر انتهت، في اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد بالعاصمة اللبنانية بيروت. وأشار إلى أن اللجنة المشكلة لتقصي الحقائق حول الأزمة المصرية - الجزائرية والتي تشكلت من الجانبين تناولت ما أشيع عن حرق العلم الجزائري بنقابة المحامين المصرية في إطار من "المودة والاحترام". وقال إن أجواء الأخوة ومراعاة الحفاظ على الوحدة العربية سادت المناقشات، إلى جانب العمل على تدعيم أجواء التهدئة، حفاظـًا على الصفحات التاريخية التي سجلها الشعبان الجزائري والمصري في سبيل مناصرة القضية العربية والقومية. وفي النهاية "تعانق الجميع بروح من المحبة التي تجمع بين الشعبين، خاصة أن البلدين على الجانب السياسي قد انتهجا نهجـًا مشرفـًا وفتحا صفحة مشرفة للتاريخ الذي يجمع بين القطرين"[15].


والسؤال هو: إذا كان إخماد الفضيحة بهذه السهولة والبساطة، فلماذا لم يتحرك أحد من البداية؟ لماذا سكت أولي الأمر كل ذلك الوقت ووقفوا مكتوفي الأيدي أمام حرب (زاهر ــ روراوة) وهي تتسع لتحرق في طريقها الماضي الجميل وتلتهم المستقبل؟[16].
هل الإجابة على السؤال السابق هي أن "الهوس يتحول إلى حرب وحزازات عندما يدخل على الخط الرؤساء والغوغاء"[17]؟!
ومثل أحجار الدومينو، تحركت آلة الإعلام الرسمي في مصر لتعكس عودة الدفء إلى العلاقات المصرية الجزائرية، وما كان من وزير الإعلام المصري حينذاك أنس الفقي، إلا أن طالب وسائل الإعلام المختلفة بضرورة التعامل مع مباريات كرة القدم بين الفرق المصرية والجزائرية في دور الثمانية لبطولة رابطة الأبطال الإفريقية للأندية، التي انطلقت في منتصف يوليو 2010، بمنهج متوازن وتناول هادئ وبشكل موضوعي بعيدًا عن التعصب[18]. وجرى الإعلان عن اتفاق وزير الخارجية المصري حينذاك أحمد أبوالغيط، مع نظيره الجزائري مراد مدلسي، على ضرورة أن تقام مباريات كرة القدم بين أندية ومنتخبات البلدين، في أفضل ظروف ممكنة لـ"طي وتجاوز" المرحلة السابقة بكل تداعياتها[19].  
هوامش

[1] _ Egypt-Algeria Media Statement,  FIFA. http://www.fifa.com/worldcup/news/newsid=1133115.html, November 13, 2009.
[2]  نشرت الصحف المصرية يوم 29 نوفمبر 2009 خبرا مفاده أنه ومن المقرر أن يتوجه السويسري جان بول مونتيرو، محامي الاتحاد المصري، يوم الاثنين الموافق 30 نوفمبر، بباقي المستندات المتعلقة بالمباراة الفاصلة في أم درمان لتسليمها إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، وأهمها التقارير الأمنية السودانية ومجموعة كبيرة من محاضر الشرطة، التي أثبتت الاعتداءات الجزائرية، بالإضافة إلى بعض أسطوانات الفيديو، على أن يتم عرض الملف في الاجتماع غير العادي للمكتب التنفيذي للاتحاد الدولي والمقرر له 2 ديسمبر 2009.
انظر: إيهاب الفولي، الملف المصري ضد الجزائر يكتمل بالأدلة السودانية والمحامي السويسري يسلم الفيفا المستندات الجديدة غدا، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 29 نوفمبر 2009.
[3]  بليغ أبوعايد وكريم أبوحسين، عصام عبدالمنعم يطالب اتحاد الكرة بالاستقالة لفشله الذريع في ملف الجزائر، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 مايو 2010.
[4]  محمد رياض، زاهر أكبر معطوبي "معركة الجزائر".. وسقوط مذل في الأفق، جريدة "الشروق"، الجزائر، 25 نوفمبر 2009، ص 21.
[5]  أيمن بدره، شوبير يسارع بالاعتذار لزاهر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 20 مايو 2010.
[6]  عمر الأيوبي ومحمد فتحي، شوبير يتكلم للمرة الأولى بعد أزمة "أتوبيس الجزائر": والدي مات حزنا و"قهرا" وخوفا على مستقبلي وهذه تفاصيل مكالمتي مع علاء مبارك ليلة العزاء، موقع "اليوم السابع" الإلكتروني، 3 يونيو 2010.
[7]  ياسر أيوب، أحمد شوبير، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 مايو 2010.
[8]  شريف عاشور، د. عكاشة: العرب يشعرون بأن المصري "ملطشة".. و"الكبت" وراء احتقان الجزائريين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.
[9]  سوسن أبوحسين، وزير خارجية الجزائر عبر "الشرق الأوسط" كوسيط: نتمنى كل الخير لمصر، جريدة "الشرق الأوسط"، لندن، 1 ديسمبر 2009.
[10]  وكالات الأنباء، مبارك وبوتفليقة يخطفان الأنظار في قمة "نيس" بـ"عناق حار"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 1 يونيو 2010.
[11]  مدحت حسن، مصر والجزائر.. حان وقت العقل، موقع "اليوم السابع" الإلكتروني، 3 يونيو 2010.
[12] إسلام صادق، "روراوة" يعرض إقامة مباراة ودية بين مصر والجزائر لإنهاء الأزمة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 7 يوليو 2010.
[13] محمد أمين، قمم الرؤساء في واجب العزاء، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 6 يوليو 2010.
[14] منى ياسين، "الفقي" يدعو وسائل الإعلام لتناول لقاءات الأهلي والإسماعيلي في الجزائر بموضوعية، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 6 يوليو 2010.
[15]  محمد عبدالخالق مساهل، انتهاء أزمة "حرق العلم" بين المحامين المصريين والجزائريين.. وخليفة يناقش قضية "كترمايا" في اجتماع الاتحاد، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 14 يوليو 2010.
[16]  وائل قنديل، التطبيع مع الجزائر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 6 يوليو 2010.
[17]  وائل عبدالفتاح، الرؤساء والغوغاء في الملعب، مصدر سابق.
[18]  منى ياسين، "الفقي" يدعو وسائل الإعلام لتناول لقاءات الأهلي والإسماعيلي في الجزائر بموضوعية، مصدر سابق.
[19]  جمعة حمد الله، "الخارجية": مباراة "الأهلي" و"الشبيبة" ستقام في أفضل ظروف.. واتفاق مع الجزائر على "طي صفحة الماضي"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 12 أغسطس 2010.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "للوراء دُر"

أكتب تعليقا