فرسان الجهل

| |



في حرب الصراخ بين مصر والجزائر، تحولت الصحف إلى مصدر رئيسي للأزمات، واستخدمت محطات التليفزيون كمنصات لإطلاق القذائف والقنابل المتفجرة من أفواه المذيعين وبعض الضيوف الذين لا يعون خطورة ما يتفوهون به‏. وانطلقت كلمات كالرصاص مثل المذابح والثأر والانتقام والهمج والبربر،‏ بل والإرهاب المنظم‏.‏ مبالغات سخيفة أفقدت الكلمات معانيها وقيمتها‏.‏
لقد تصدر المشهد الإعلامي في مصر نفرٌ من لاعبي الكرة السابقين الذين جمعوا إلى محدودية الثقافة وقلة الوعي انعدام المسؤولية، فراحوا يقدمون أسوأ صورة لبلدهم الذي نصّبوا أنفسهم دون حق متحدثين باسمه، وانطلق كل منهم يبث الكراهية ضد شعب عربي مستخدمـًا ألفاظـًا يقع بعضها تحت طائلة قانون العقوبات، وتنافسوا على الجنوح نحو كل ما هو سوقي ورديء، وتجرأ أحدهم على التشكيك في وطنية كل العقلاء الذين حذروا من مغبة تلك الحماقات ساخرًا من مبادراتهم للتهدئة.
 وأودى بنا الإعلام الرياضي إلى كارثة نضح عطنها في المواجهة الكروية مع الجزائر، "تتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى دكاكين بعض البرامج الرياضية التي أصبحت كيانات شبه مستقلة داخل قنواتها، تعمل وفق أجندات خاصة لتحقيق مصالح مادية ومعنوية شخصية، وتجاري من أجل ذلك مشاعر العامة".
إن الأحداث التي أعقبت مباراة أم درمان بوجه أخص جرى تصعيدها في الإعلام المصري، فتحولت - بسبب "فرسان الجهل" ومندوبي بيزنس الكراهية من مقدمي البرامج الرياضية-  من اشتباك مع المشجعين إلى اشتباك مع الدولة والشعب الجزائري في تعميم مخل وخطير. وجزء من الأزمة التي وقعت يعود إلى حدوث خلط كبير بين متغير آني هو مباراة كرة وما كان يعد ثوابت يتعين ألا تؤثر فيها أي متغيرات آنية مثل العلاقات بين الأشقاء العرب.
وفي لحظة ارتباك، وجدنا أن من ينتمون لهذا المتغير الآني وهو مباراة الكرة، هم الذين أداروا المعركة، وهي في الأساس سياسية، لأنها أخذت أبعادًا تمس العلاقات بين دولتين شقيقتين. ووفق هذا المنطق لم يكن ينبغي ترك الأمر لإعلام يبحث عن الإثارة، ولمعلقي مباريات الكرة يتصدون للرأي العام ويديرون المعركة.




حرب إعلامية لا ناقة ولا جمل للشعبين المصري والجزائري فيها، إذ إنها في حقيقتها تخدم أهدافـًا مؤقتة، مثل الرسائل النصية التي تنهال على الفضائيات وتسعر نيران المواجهة، ومثل زيادة معدلات توزيع بعض الصحف التي تورطت في نشر الأكاذيب من أجل زيادة التوزيع. وهذه هي حال "جريدة "الشروق" الجزائرية التي كانت توزع نحو 800 ألف نسخة يوميـًا، ولكنها بعد قيامها بنشر قصص كاذبة ومغرضة عن القتلى الجزائريين في القاهرة وصل توزيعها إلى مليون ونصف المليون نسخة يوميـًا".
وباطمئنان شديد، يمكن القول إن جريدة "الشروق" أشعلت الفتن والحرائق بين الجانبين المصري والجزائري، وواصلت انتهاك كل القواعد والأعراف الصحفية والأخلاقية، إذ "قادت تلك الجريدة بمنتهى السفالة والحقارة عاصفة تنشر الأكاذيب والشائعات والزعم بأن استاد القاهرة كان في حقيقته استاد تل أبيب، وأن المصريين كانوا أشد كراهية للجزائر من اليهود، وأن يهود القاهرة قتلوا ثمانية جزائريين، وأن الجزائر كلها في انتظار وصول شهداء معركة القاهرة.. فكانت الحرب الحقيقية.. وكانت الصرخات الجزائرية المطالبة بالثأر والانتقام" .
ونتيجة ما نشرته جريدة "الشروق" اندفع مشجعون متعصبون في الجزائر إلى الهجوم على المصريين العاملين هناك، وعمدوا إلى محاصرتهم وقذفهم بالحجارة وزجاجات البنزين المشتعل، إضافة إلى الضرب المبرح لكل من يقع في أيديهم وإحراق منازلهم.
ولم تكتف الجريدة بما لفقته من أخبار كاذبة، تم نفيها بعد ذلك من خلال مسؤولين جزائريين رسميين، بل خرجت، يوم 16 نوفمبر، بعدة موضوعات وتقارير تزيد من معاناة المصريين هناك. وتحت عنوان "رضا سيتي يروي للشروق تفاصيل المذبحة"، ادعى فنان الراي الجزائري أنه لقن مواطنـًا جزائريـًا الشهادة، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بفندق بالقاهرة وقام بتكفينه بعلم الجزائر. ونشرت الصحيفة صورة لشخص كتبت تحتها "صورة الشهيد الجزائري ملفوفـًا بالعلم الوطني".
وذكرت الجريدة أن هذا الفنان كان شاهد عيان على "المجزرة المرتكبة في حق الجزائريين بمصر"، وأنه دخل الجريدة وملابسه ممزقة على جسده، حاملا الراية الوطنية ملطخة بدماء الجزائريين "الذين اعتدي عليهم من طرف المناصرين بتواطؤ من الشرطة المصرية".
في الموضوع الصحفي نفسه، زعم "رضا سيتي 16" أن امرأة حُبلى تدعى "نور الهدى" قدمت برفقة زوجها لمشاهدة المباراة، وفي طريق العودة إلى الفندق تعرضت الحافلة التي كانت تستقلها للرشق بالحجارة والضرب والاعتداء، وتمكن الجمع الغفير من المشجعين بالقاهرة من عرقلة مسيرة الحافلة وفتح المجال أمام "المتوحشين المصريين" للوصول إلى نوافذ الحافلة بسهولة.


ونقلت الجريدة عن شاهد العيان قوله: "حاولنا حماية السيدة نور الهدى من الأحجار الكبيرة التي كانت تتهاطل عليها وعلينا، لكن الصدمة كانت قوية جدًا عليها لهول الحدث، وما إن وصلنا إلى الفندق حتى فقدت نور الهدى جنينها، وكادت تموت هي أيضـًا لولا تدخلنا مباشرة لإنقاذها" .
ونشرت الجريدة تقريرًا موسعـًا تحت عنوان "الشروق ترصد شهادات جزائريين عاشوا الجحيم نجوا من الموت: ادخلوا مصر آمنين واخرجوا منها قتلى ومصابين"، ضم عناوين فرعية من نوعية "سيدة حامل تضطر للإجهاض بعد الضرب المبرح"، و"أوقفوا حافلتنا فوق النيل وسرقوا مفاتيحها وضربونا"، و"غنينا معهم لنأمن شرهم"، و"رمونا بالشماريخ داخل الحافلة"، و"ضُربنا بالحجارة وكدنا نُرمى في النيل"، و"حتى النسوة تُهن في القاهرة بعد الاعتداء عليهن" .
وادعت الجريدة نفسها أن الشرطة المصرية قامت بتجريد النساء من ملابسهن بحجة تفتيشهن، وأن رجال الشرطة "كانوا يتطلعون عليهن من خلف الباب".
وعقب إسدال الستار على سباق التأهل إلى المونديال أخذت إدارة "الشروق" تتباهى بدورها في التحريض والتأليب، فكتبت تقريرًا تكفي عناوينه التي تقول: "القمر الصناعي نايل سات يسقط في وادي النيل: هكذا فجرَّت "الشروق" الفضائيات المصرية"، "عفوًا .. جريدة هزمت قنوات فضائية بالجملة والتجزئة" .
ولم يمنع هذا من مفارقة محورها أن تلك الحرب الإعلامية فتحت أعين الجزائريين على ضرورة إطلاق قنوات فضائية بعد أن "أظهر الفضاء السمعي البصري الجزائري محدودية كبيرة في تسيير الأحداث"، حتى قال الكاتب عبدالوهاب بوكروح "إن هذا الوضع يجعل الجزائر في حاجة ملحة وآنية لقنوات فضائية قوية لتسويق صورة الجزائر" .
في سياق متصل شارك الفنانون والأدباء والرياضيون بالجزائر في معركة التهييج ضد المصريين المقيمين هناك، وذلك على صفحات الجريدة نفسها. وقالت الأديبة أحلام مستغانمي إن "الإهانة ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما تمت إهانة العلم الجزائري، في بلد يرفرف فوقه العلم الإسرائيلي ويحمي فيه الأمن المصري أبناء إسرائيل"، وأضافت "شكرًا للذين حققوا لإسرائيل أمانيها بما يفوق أحلامها الأبدية"، داعية مصر "العربية"، باسم 36 مليون جزائري، لـ"الاعتذار للعلم".
واعتبر الأخضر بللومي، لاعب الجزائر السابق، أن قيمة مصر "سقطت في الحضيض، بعد الاعتداء الذي تعرض له اللاعبون والمناصرون الجزائريون فوق أرض الفراعنة".


حفلة من الشتائم والأكاذيب التي تحرض على شهوة العنف والانتقام.
وكان من الأجدى والأولى أن يتم التحقيق في المعلومات والوقائع التي نشرتها صحيفة "الشروق" الجزائرية وأي صحيفة أخرى قامت بتغطيات مشابهة في القاهرة أو الجزائر وفرض عقاب رادع ضد هذا النوع من الصحافة الذي تجرد من أبسط أخلاق وآداب المهنة وأراد أن يتورط في بث شائعات الكراهية والحقد بهذه الطريقة.
ولعل هذا ما دعا ناقدًا رياضيـًا شهيرًا إلى مطالبة الناقد الرياضي المعروف حسن المستكاوي بأن يعتذر علنـًا عن أي اتفاقية أو مبادرة وفاق سابقة عقدتها جريدة "الشروق" المصرية مع "الشروق" الجزائرية، والطلب من المعلق الرياضي أحمد شوبير بأن يرسل إلى "الشروق" الجزائرية رفضه أي تكريم يأتيه من تلك الجريدة وأصحابها .
وفي المقابل، وَّجه البعض إصبع الاتهام إلى وزير الإعلام المصري حينذاك أنس الفقي، حتى طالبه أحد الإعلاميين البارزين بالاستقالة بعد أن وصفه بأنه "قائد جوقة الاستنفار والتصدي.. قبل مباراة القاهرة مع الجزائر قاد حملة في الإعلام الحكومي كأنما يحشد لمعركة عسكرية، وبعد مباراة الخرطوم قاد فيلق الانتقام الأرعن".

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "فرسان الجهل"

أكتب تعليقا