لحظات تويتر

| |












هذا هو عالم تويتر: الحكاية كاملة في 140 حرفـًا على الأكثر!


حروفُ النار التي تنام على الألم وتصحو على الأمل، تكتبُ نفسها وتضمد جراحها وترتدي ثوب اللهفة وتاج الحكمة وروح الثورة.


وفي كل أحوالها وأطوارها، تبدو الكلمات على تويتر كأنها اسم على مسمى: تغريدة على شرفة الحياة.


في هذا المنبر الإلكتروني تفتحُ شرفة على الذات ليراها غيرك، وتنالُ فرصة استثنائية للتفكير والتأمل والتعبير بصوت مسموع ومقروء، يتخطى المسافات والحواجز ويتجاوز الأقطار والقارات، بسحر الكلمة وقوة تأثيرها، التي تشبه بطش الدهشة.


قاومتُ الفكرة طويلاً وكثيرًا، لكنني استسلمتُ لإلحاح أصدقاء ومقربين مني، ممن رأوا أنني قد أساعدُ على إطلاق فراشاتٍ ملونة يغتابُها الضوء، والحكي عن قلوبٍ تمارس هدنة الحياة، واستحضار أرواحٍ تختبئ خلف الظلال.


غير أن ربيع الثورات العربية، فرض بقوة الآراء والمواقف السياسية على تغريداتي، بعد أن أطلقت تونس عصفور الحرية، وصنعت له مصر عشـًا على امتداد ميدان التحرير، وبدأ ريشه ينمو في اليمن وليبيا وسوريا.


وما بين السياسة والأدب والتاريخ والرياضة، كتبتُ ما قُدّر لي في تويتر على مدار شهور، تحت لافتةٍ واضحة: "سهلٌ جدًا أن تقولَ أي شيء. الصعبُ حقـًا هو أن تقول شيئـًا يبقى، ويضيف ويثري".


كتبتُ كلما رفرفتْ في عالمي فكرة أو أردتُ أن أسجل موقفـًا من حدثٍ يجري هنا أو هناك، وكلما عصفَ بي الحنين أو مزق جنون الليل أمتعتي، حتى وجدتُ أن تلك الأفكار المستلّة من الحياة اليومية، تستحقُ أن تنتظمَ في عقد واحد. وهكذا اجتمعتْ الرؤى والانطباعات التي خرجتْ إلى العلن على موقع تويتر، لتصبحَ مادة هذا الكتاب، الذي يعد فيما أعلم تجربة جديدة من نوعها وفي مضمونها في العالم العربي.


لم أعبأ كثيرًا بزيادة عدد المتابعين لي على تويتر، قدر اهتمامي بأن تكون الكلماتُ عنوانَ الشغف ولسانَ الحكمة وصورة الواقع، بدون رتوش أو مستحضرات تجميل. فالحقيقة عاريةٌ تمشي على ماء القلب، حتى تجري في دمنا المباح.


هكذا إذن تفضحنا أوراقنا!


سطرتُ كلماتي المكتوبة بحبر الصدق، إيمانـًا بأن الحياة نفسها ليست جملة تتحدث عن حُلمٍ مُوجَّه أو كابوسٍ مُعاش، أو رغبةٍ تسكننا.


كل ما فعلتُه هو أنني وضعتُ رسالتي في زجاجةٍ مغلقة بإحكام ورميتُها في محيط الآخرين، ثقةً مني في أن هناك من سيلتقطها ويتأمل معانيها وحروفها النابضة بالصدق.


وفي الكتابة، تتمَرَّنُ على قيادة ذاتك، بأن تطلقَ سراحها.


وما بين الرضى والسخط، التأمل والاندفاع، الحكمة والحماقة، تتدفقُ مياهٌ كثيرة في نهر حياتنا، تبدو في رأيي جديرة بأن تُروى وأن تُستعاد.


في رحلة الكتابة هذه، جاءتْ بعضُ التغريدات عن أجسادنا، بيت المرايا ومعابد المعرفة التي نهمل أسرارها، وجاء بعضها الآخر عن تجاربنا، حكمتنا التي تدل على الطريق، كما أتى جزء آخر منها عن الحرية والدين والسياسة، وكلها قضايا الوجود الإنساني منذ بدء الخليقة.


وحين نكتبُ عن أنفسنا، وعالمنا الذي نودُ أن نغسل عنه الشعور بالهزيمة والإخفاق، فإننا نفعلُ ذلك حاملين الوزنَ الهائل لأجنحة إيكاروس، في سعيه الدؤوب نحو شمس الحقيقة.


في هذا المجتمع الذي تتلاشى فيه الحدود المصطنعة وتتعاضد فيه الجهود المبعثرة كي تبني أو تجادل، نكتشفُ أن أكثر ما يتمايز به الناس هو عمق تجاربهم الإنسانية.


والثابتُ أنني ممتنٌ لكل من تابعوني على تويتر، أو شاركوني بالتعليق والتعقيب، فلولا هؤلاء لأصبح كلامي مثل صوت نقار الخشب الذي يثقب بصداه قبر الغابة. هؤلاء الأصدقاء الذين لا أعرفُ سوى كلماتهم، هم من علّموني أن دقات قلبي الواهن تخفق بين جوانحهم.


وفي هذا العالم الإلكتروني، بعضُ الكلمات بلسمٌ وربتةٌ حانية على الكتف، بعضها الآخر وجعٌ يهتكُ سرَّ الجروح.


وفي سفينة تويتر، هناك من تحمله شهرته، وهناك من تحمله وظيفته، وهناك من لا يستطيع حمله سوى حرّفه وفكره وخلقه ، فأبحرّ مع الأحرّار تربت يداك.


ولعل أجملَ ما في الكتابة على تويتر هو تحدي الإيجاز؛ لأن الكاتبَ هنا يختصر جملته ويشذّب زوائدها ويلغي تكرارها ويقلّم موشاها ويضبط فصاحتها ويخفف أجراسها ويحكم مدلولها ويضبط حجمها.


ونحن لا نجاوزُ الحقيقة حين نقولُ إن الإطالة التي لا طائلَ من ورائها، هي حرفة الثقلاء والغلظاء والمقلدين الذين لا موهبة لهم ولا خير فيهم.


وفي تقديرنا أن أول من أسس لفكرة تويتر، هو الجاحظ، فهو أول من دعا إلى الاختصار والاقتضاب كشرطٍ من شروط البلاغة، وربط الإيجاز بالقدرة الخطابية قائلاً "والبلاغة إصابة المعنى والقصد إلى الحجة مع الإيجاز، ومعرفة الفصل من الوصل".


إن هذا النوع من الكتابة يشبه ثقافةً سرية مادتها الأولى التنصتُ على الأحياء. فإذا كان "كتاب الموتى" المصري دليلاً على ضمير الفقيد وقراءة في عالمٍ حقيقي ذي وجودٍ ملموس، فإن "كتاب تويتر" يتنصت على الأحياء وينصب لهم شباكـًا هم الذين نصبوها في العالم الافتراضي، لتصبح سطورهم في نهاية المطاف طعام الآلهة في معبد الأفكار.


وربما تكتمل متعة قراءة سطور هذا الكتاب كلما منحناها الفرصة لتنمو في تربة قلوبنا وتنام على وسادة عقولنا. وبقدر ما نمنحها ما تتطلبه من تأمل المعنى وتذوق الصور، سنتمكن من قراءة السطور والكلمات التي خلفها.


أتمنى لكم قراءة ممتعة مع هذه التغريدات الإلكترونية.








من مقدمة كتاب "لحظات تويتر"، دار العين للنشر، القاهرة، 2011


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "لحظات تويتر"

أكتب تعليقا