فتوات وأفندية

| |




لا تتحدد المضامين إلا بالمقاصد

ومقصدنا في هذا الكتاب هو استجلاء مظاهر العنف وأشكال الجريمة في مصر في الفترة الممتدة بين أواخر القرن التاسع عشر ونهاية النصف الأول من القرن العشرين

في تلك الفترة التي تتجاوز نصف قرن من الزمان، لم تكن مصر جنة الله على الأرض.. ولم تكن في الوقت نفسه قطعة من الجحيم

فقد سكن مصر بشرٌ من كل صنفٍ ولون، وصنع هؤلاء معـًا أحداثـًا فارقة وحكايات مدهشة، قد تكون ذاكرة المصريين أغفلتها تحت وطأة اللحظة الراهنة وتحديات المستقبل، لكنها بقيت على الدوام جزءًا من تاريخنا

والتاريخ في جوهره علمٌ هدفه الاهتداء إلى الحقيقة، واستخلاص الوقائع من منابتها باستخدام مختلف وسائل البحث. وهذا ينطبق أشد ما ينطبق على جهد البحث في تاريخنا الذي يشوبه النقص والغموض والتشويش

والكتاب الذي بين أيدينا يضم بين دفتيه جزءًا من السيرة المجهولة لمصر - والناس أعداء ما جهلوا- في تلك الفترة المهمة التي تشكل فيها الوعي العام، بعد تجارب مؤلمة ونضال مرير مع قوى الاحتلال تارة، وأعوان تلك القوى تارة أخرى

إنها حكايات عن الفتوات الذين ملأوا الدنيا صخبـًا، وكانوا رمزًا للسطوة والهيمنة في الأحياء والمدن على امتداد خارطة المحروسة، وقصص عن أشهر جرائم الأفندية، بدءًا من النصب والاحتيال وانتهاء بالقتل والتعدي على النفس والممتلكات. وتحت هذه المظلة أيضـًا، فتحنا ملف أول اغتيال سياسي في تاريخ مصر الحديث، ونعني به اغتيال رئيس الوزراء بطرس باشا غالي عام 1910

إنها صورة بالألوان الطبيعية لمصر خلال خمسين عامـًا أو يزيد، مع اقتراب أكثر إنسانية من نماذج الجرائم والحوادث التي وقعت وصنعت بدورها مظاهر الخلل الاجتماعي والاقتصادي في وطن كان يرزح تحت الاحتلال، ويدفع ضريبة حربين عالميتين وأزمات اقتصادية واضطرابات سياسية تهب عليه من كل حدبٍ وصوب

وفي هذا العالم السري، يمكننا أن نرى - بشكلٍ أفضل- الأبطال والضحايا، الجناة والمجني عليهم، الجواري والنخاسين، صانعي المجد ومروجي الجريمة. هذه هي الصورة التي كانت عليها مصر، فلا الأبيض انتصر ولا الأسود احتكر

هي إذن.. قصص ما قبل الأسى، وحكايات ما بعد الدماء

الأكيد أن ما جرى يتطابق في كثير من الأحيان مع ما يجري، وأن كلمة "زمان" تشبه توأمها السيامي "الآن". فالبشر لا يتغيرون كثيرًا بكل طبائعهم وسلوكياتهم، الحميد منها والخبيث على حد سواء

ونحن لا نتجاوز الحقيقة حين نقول إن الخيار أمامنا محدود: فإما أن نعيش الزمن بمراحله المختلفة، أو نصبح خارج الزمن ودوائره المتعددة

على أن ما استوقفنا حقـًا؛ هو أن نصوص الكتاب تقودنا - من حيث لا ندري- إلى فهم أعمق لقضية "العبودية المختارة" التي طرحها كثيرون من قبل، ومن هؤلاء الفرنسي أيتن دي لابويسيه، الذي يعاتب شعوبـًا فقدت عقلها وأسلمت قيادها إلى طاغية هم أول من صنعوه. ومن المؤسف القول إننا كنا في لحظات من التاريخ حُماةً للص الذي ينهبنا، شركاء للقاتل الذي يصرعنا، حتى قادنا التواطؤ بالفعل أو الصمت إلى دروب الهوان

ولا يُتوقع في هذا الحيز الضيق؛ أن نتناول مختلف مظاهر العنف وصور الجريمة التي شهدتها مصر خلال تلك الفترة الزمنية. وحسبنا أن نضع أيدينا على أهمها وأكثرها إثارة للجدل، ففي ذلك ما يدل بشكل كاشف على حال مصر وأهلها في الفترة محل الدراسة

ولعلّك حين تتصفح هذا الكتاب؛ ستنتبه إلى تداخل ما هو اجتماعي بأبعاد سياسية وعوامل اقتصادية. وهذا الأمر طبيعي بحكم تأثر البشر بتلك الجوانب مجتمعة، وتأثيرهم العميق عليها في الوقت نفسه

ويقيننا أن قراءة متأنية في حادثة دنشواي - على سبيل المثال لا الحصر- توضح إلى أي مدى ارتبطت مصائر الجلادين بالضحايا، وتحوّل أركان محكمة دنشواي إلى شخصيات تدفع ثمن الدور الذي لعبته والأحكام الجائرة التي صدرت في تلك القضية

والبحث عن قوى في المجتمع وموقع كل قوة على الخارطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ليس بالأمر اليسير. غير أن النتائج تقدم حصادًا على قدر بالغ الأهمية، وتطرح رؤية أكثر عمقـًا وواقعية لمجتمع مثل المجتمع المصري

ولذا؛ وجدنا في العودة إلى الكتب والمراجع والدوريات والوثائق العربية والأجنبية فائدة جمة ولذة ساحرة، جعلتنا راضين عن الجهد المبذول والنتائج التي تم التوصل إليها. وتبدو الصحف في هذا السياق شاهد عيان لا يُضاهى، لمتابعتها عن كثب لتطوراتٍ متلاحقة وتغيراتٍ متسارعة؛ أعادت تشكيل مصر وناسها مرة تلو الأخرى

فلنتأمل التفاصيل؛ لعلنا ندرك عبر دهشتنا، كم تغير عالمنا، وإلى أي مدى بقي على حاله


من مقدمة كتاب "فتوات وأفندية"، دار صفصافة، القاهرة، 2010

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

5 التعليقات على "فتوات وأفندية"

أكتب تعليقا