اللعبة.. واللعنة

| |



الدين له سطوته في عالم الكرة، وهو أيضًا معيار للمحاسبة في بعض الأحيان.. واسألوا بوفون

ففي فبراير 2010، تحولت لقطة يظهر فيها الإيطالي جانلويجي بوفون، حارس مرمى يوفنتوس والمنتخب الإيطالي، في مباراة الفريق أمام جنوة، إلى الأكثر مشاهدة على البرامج الرياضية الإيطالية، التي سعت لتحليلها للتعرف عما إذا كان النجم الكروي نطق فيها بلفظ يمكن تصنيفه على أنه "تجديف" (أي السباب بألفاظ مسيئة للدين)

وتفرَّغ الصحفيون والخبراء الكرويون لمحاولة قراءة شفاه حارس المرمى الدولي للتأكد مما إذا قد تلفظ بسباب تضمن كلمة "الله"

وجاءت الحملة الإعلامية في إطار العقوبة الجديدة التي فرضها اتحاد كرة القدم الإيطالي، في محاولة للسيطرة على إطلاق السباب بألفاظ دينية في ملاعب كرة القدم، والتي تتضمن حصول اللاعب على بطاقة حمراء على الفور، إذا سمعه الحكم خلال المباراة، أو تم رصدها فيما بعد من خلال التسجيل التليفزيوني للمباراة

وفي دوامة الجدل، كان بوفون مهددًا بأن يصبح أول لاعب تفرض عليه العقوبة لنطقه بلفظ يعتبر "تجديفا" كما أشارت وسائل الإعلام الإيطالية 

وقبل ذلك، لاحظ الأئمة في تركيا كثرة اللعنات وكلمات التجديف أثناء مباريات فرقهم، غضبا من كرة ضائعة أو ركلة أخطات الهدف، فأصدروا وعظا في عام 2003 بنهي اللاعبين والجمهور عن ذلك وتحذيرهم من نار جهنم، حيث لا توجد ساحة لكرة القدم. بل إنهم أوصوهم بأن يرددوا أثناء اللعب "يحفظكم الله" على سبيل تشجيع اللاعبين المسلمين

وفي 2 أكتوبر 2010، أثير جدل حول واقعة سب الدين التي اتهم بها مدير الكرة في نادي الزمالك إبراهيم حسن أثناء مباراة فريقه أمام مصر المقاصة في انطلاق المرحلة الثامنة من مسابقة الدوري المصري لكرة القدم. وكانت تقارير صحفية قد أشارت إلى أن حسن توجه باللفظ الخارج إلى حكم اللقاء حمدي شعبان بعد إحدى الكرات المشتركة بين الفريقين

ورصدت ميكروفونات ملعب المباراة صوتـًا - لم يتم التعرف على هوية صاحبه - وهو يتوجه باللفظ الخارج، غير أن الكاميرات التليفزيونية لم تلتقط شيئا. وكان الزمالك في موقف صعب أثناء خروج الصوت على الميكروفونات - وذلك في الدقيقة 73 من عمر اللقاء- حيث كان الفريق متعادلا مع المقاصة، قبل أن يحوِّل النادي الأبيض النتيجة إلى الفوز في الدقيقة 83 عن طريق رأسية محمود فتح الله

غير أن رئيس لجنة المسابقات عامر حسين برَّأ ساحة إبراهيم حسن من تهمة سب الدين، لتُطوى هذه الصفحة بعد أخذ ورد

على أن حضور الدين في كرة القدم، لا يمنع الأسطورة من أن تفرض نفسها، مثلما حدث في حكاية الأخطبوط "بول"، الذي يعيش في حوض الأحياء المائية في أوبرهاوزن الألمانية، والذي صدقت كل توقعاته الخاصة ببطولة كأس العالم لكرة القدم 2010

وبدا مستغربـًا أن يصبح هذا الأخطبوط نجم المونديال والتوقعات، لمجرد أنه كان يوضع أمامه صندوقان زجاجيان بهما أطعمة يحتوي كل منهما على علم كل طرف من طرفي المباراة، وعندما يتوجه بول نحو أحد الصندوقين تصبح هذه إشارة إلى فوز منتخب الدولة التي يوجد علمها داخل الصندوق

وفي بلد ممزق ومنقسم مثل الصومال، حيث الحكومة هشة وضعيفة، والمدنيون يتعرضون للمهانة وخطر الإبادة على يد مسلحين متطرفين، أثيرت قضية تحريم كرة القدم

وبلهجة قاطعة، قال الشيخ محمد أبو عبد الله قائد إحدى الميليشيات المتطرفة في الصومال إن كرة القدم اخترعها مسيحيون ووضعوا قواعدها وبدأوا مسابقاتها وبطولاتها، ولهذا تبقى كرة القدم لعبة محرمة على كل المسلمين.. حرام لعبها أو إدارتها أو الفرجة عليها والانشغال بها.. مونديالها أيضًا حرام

هذا "الشيخ" دعا المواطنين إلى مقاطعة مونديال جنوب إفريقيا قبل انطلاقه، محذرًا من أنه لن يسمح بارتكاب هذه المعصية الكبرى في أي من بيوت الصومال

وأجبرت فتاوى التطرف الناس على التحايل والاختباء ومشاهدة مباريات كرة القدم سرًا، خشية القتل وخوفا من أحكام تستهدف حياتهم. وبطريقة متعسفة وتفكير سطحي، فرضت تلك الجماعة المتطرفة الوصاية على المجتمع وارتكبت جرائم الضرب والجلد والقتل كل من يشاهد مباريات كأس العالم لكرة القدم، بحجة أن من يلعبون كرة القدم "رجال مجانين يقفزون صعودًا وهبوطا لمطاردة شيء منتفخ"

وعلى رغم التحذيرات الصارمة واللهجة القاطعة وحديث الحلال والحرام بأوامر آتية من السماء، فإن أسرة واحدة على الأقل لم تلتزم.. تجمع أفرادها في بيتهم بمنطقة هوروا شمال شرق العاصمة مقديشو لمشاهدة مباراة الأرجنتين ونيجيريا، فاكتشفت قوات الميليشيات الإسلامية ما يجري فهاجمت البيت للقبض على الجميع. وحين حاول اثنان من العائلة الهرب أطلقت الميليشيات عليهما النار فماتا في الحال في حين وقع تسعة آخرون من العائلة نفسها جرحى. بعدها أرسل الناس في إقليم كيسمايو في جنوب البلاد طلبا جماعيا للعاصمة للاستئذان في مشاهدة ولو مباراة واحدة في اليوم.. وجاءهم رد الشيخ بسرعة وحسم: الفرجة حرام ومباراة واحدة مثل ألف مباراة.. خطيئة وإثم ومعصية
سيناريو تحريم كرة القدم في الصومال حدث من قبل على يد اتحاد المحاكم الإسلامية أثناء مونديال ألمانيا 2006، على اعتبار أن كرة القدم "رجس من عمل الشيطان". وقبل ذلك، قررت حركة طالبان تحريم كرة القدم في أفغانستان، وهو الأمر الذي لم ينجح فيه آيات الله لتبقى إيران عاشقة لكرة القدم.. والممنوع فيها فقط هو ذهاب النساء والفتيات إلى ملاعب الكرة، لكن بإمكانهن مشاهدة المباريات في بيوتهن دون خوف

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "اللعبة.. واللعنة"

أكتب تعليقا