حروب كرة القدم

| |




عن هذه اللغة التي ابتكرتها البشرية، وحروب الكراهية التي صنعتها في الملاعب وخارجها، يتحدث هذا الكتاب

عن كرة القدم نتحدث

تلك الكرة الأنيقة التي ضربت موعدًا مع المتعة، فاصطادت آهات الإعجاب، وصنعت زفرات الأسى، وصارت راية المجد للبعض ووسادة الأحزان للبعض الآخر

هذه الكرة التي تتدحرج لتعانق العشب أو الشباك بعد عزف خرافي لسيمفونية الأقدام، وقد تنبت لها أجنحة فتطير في الزمان والمكان بسرعة يغار منها الضوء، باحثة عن المرمى، حتى تصير كرة القدَر

وهنا، لا بد من اعتراف شخصي صغير

ولدت فكرة هذا الكتاب في صيف عام 2006، مع انطلاق نهائيات كأس العالم في ألمانيا، ولم تنتهِ رحلة كتابته إلا بعد شهور من إسدال الستار على نهائيات كأس العالم في جنوب إفريقيا 2010. وما بين هاتين النقطتين، استجدت أمور، وحصلت وقائع، وسطعت أفكار جعلت الكتابة عن كرة القدم وتوظيفها في الإعلام والسياسة والاقتصاد واجبًا أقرب إلى الضرورة

لم يكن الشغف بكرة القدم وحده هو الدافع، وإنما الرغبة في تأمل تاريخ تلك اللعبة الشعبية الأولى عالميًا، والغوص في أسرارها

فكرة القدم هي كرة العالم، أو تلك اللعبة التي تستحق في نظر محبيها كل هذا التعرّق واللهاث، التوتر والقلق، الترقب والانتظار، الفرح والشقاء. هي الجمهور التوَّاق للانتماء، للصراخ، لملء الفراغ، وحتى للغضب الخارج عن السيطرة

ويكفي أن نشير إلى أنه عندما تُقرَع الطبول وتُنفَخ الأبواق، وتُنشَر الألوان وتُطلَق صيحات الحرب، تدرك البشرية تلقائيا أن موعدها قد تجدد مع أهم حدث كروي يجمع بين التكتيك والمهارة: المونديال

وهذا الكتاب محاولة متواضعة لفهم ما يجري في الملاعب وخارجها، وفك ألغاز التاريخ السري للعبة حجزت مكانا لها في قلوب عشاقها في أربعة أركان المعمورة، حتى أصبحت شمسهم التي تهديهم الحب واليقين معًا

هكذا انطلقنا في رحلة التعرف إلى حقيقة كرة القدم وسبب تعلق الجماهير بها، أبطال اللعبة وضحاياها، علاقتها بالأدب والأدباء، استيهاماتها الجنسية، أهم الأهداف المؤثرة في الوقت القاتل، دور الأقليات العرقية في اقتناص البطولات، هفوات حراس المرمى في المونديال، الكبرياء القومي الذي يضفي على الملعب لون الوطن، وحكايات الزعماء السياسيين والطغاة مع الساحرة المستديرة

مجددًا، كان التوثيق هو عماد الكتاب وركنه الركين

تطرقنا في الكتاب بالأسماء والوقائع إلى أشرس اللاعبين، سر ارتباط كرة القدم بمفهوم القوة وسلوكيات العنف وصولا إلى شن الحروب، مولد التعصب، وجماعات الشغب الكروي

والفرق بين الشعب والشغب يتجاوز تلك النقطة المعلقة في سقف الكلمة الثانية

وسيكتشف القارىء بنفسه أوجه الخلل في علاقة المشجعين بالكرة، بدءًا من إغفال جوهر التنافس الرياضي، وانتهاء بمأساة تعظيم الأقدام وتغييب العقول

بين السطور سنرصد ملامح الأجواء الكرنفالية التي تسبق نهائيات كأس العالم لكرة القدم وتصاحبها، والإعلانات التجارية والمسابقات، والمراهنات، والدعاية.. والمتاجرة بمشاعر الملايين من محبي الساحرة المستديرة

والشيء الأكيد أن كرة القدم انتقلت على مر السنين، من مجرد لعبة محبوبة ورياضة شعبية إلى نشاط اقتصادي بكل معنى الكلمة. وقد ساهم في هذا التحول أنظمة الاحتراف والرعاية، وتسويق المباريات، وتحول الأندية من جمعيات إلى شركات بدأت تقتحم البورصات. ولم تعد المناسبات الكروية الكبرى كنهائيات كأس العالم مجرد مناسبات لتسويق المنتوج فحسب، بل أصبحت كذلك فرصًا لاقتحام أسواق جديدة

صورة سنحاول عبر صفحات هذا الكتاب استكمال تفاصيلها بالرأي والفكرة والأمثلة، ليتأكد لنا في نهاية المطاف أن مباريات كرة القدم ليست سوى وقت الإعلان والبيع والاستهلاك والوطنية معًا

وسنتابع في إمبراطورية الكرة التي وحدت العالم: غضب المدربين، وتمرد اللاعبين، وأخطاء المعلقين، وانفعالات المشجعين بوجوههم المطلية وملابسهم المزركشة، ورايات المجد ولافتات الاستعلاء التي تنتظر ساعة الاستعراض لتعلو أو لحظات الانكسار لتنزوي

وكلها تفاصيل مثيرة للصراع الكروي في الطريق إلى المونديال

ومن العام إلى الخاص، أخذنا نبحث في تاريخ كرة القدم في مصر، ودور الاحتلال البريطاني، مولد الأندية الشهيرة، وصعود أهل الحكم والقصر إلى المواقع والمناصب الكروية

أردنا أن نقدم نموذجًا مضيئا للبطولة التي تولد من رحم الهزيمة، فتوقفنا عند تجربة الدراويش في بطولة إفريقيا للأندية أبطال الدوري موسم 1969- 1970

ومن رحلة إلى أخرى، أبحرنا حتى وصلنا إلى جوهر الحكاية: مصر والجزائر

فالمسلسل الطويل والمزعج في التوتر الكروي بين البلدين الشقيقين، بلغ نقطة خطيرة تأثرت بتحريض من أهل السياسة ورجال الإعلام، إلا من رحم ربي.. وقادت إلى دهاليز ومتاهات لم نخرج منها حتى اللحظة

وفي تلك الأحداث الفارقة تسقط أقنعة، وتتضح حقائق، ويتبين العقلاء من مروجي الأكاذيب، ويكتشف الجمهور الحقيقة في الوقت بدل الضائع

وربما لهذا السبب كان منطقيًا أن نفرد مساحة كبيرة من الكتاب لمناقشة مباريات الحرير والحديد بين مصر والجزائر، التي دفعت البعض إلى التهور بالقول والفعل تحت لافتة تجليات الهوية الوطنية، والسقوط في فخ رفض العروبة، متناسيًا أنها جزء أصيل من هوية المصريين، وغافلا عن حقيقة أنها النظام الإقليمي الذي لا تستطيع مصر منه فكاكا، لأن مصالحها تمتد إليه، وليس بوسعها أن تتجاوزها

إن الكرة أرقى من الشوفينية التي يلصقها بها هذا الفريق أو ذاك، وأسمى من لعبة الأكاذيب التي شحنت العامة وأثارت الغوغاء

وإذا كان من المسلم به أن المال والسياسة هما أبرز المؤثرات في جمالية اللعبة وتوجهاتها، فإن مسرح كرة القدم العظيم، الممتد على مستطيل العشب الأخضر، بقي المغناطيس الذي يشدنا جميعا إلى هذا الملعب المدهش

ولن ننسى إلقاء الضوء على أصحاب المال والنفوذ ممن يبتذلون الفرحة ويقحمون أنفسهم بالاسم والصورة في مشاهد الانتصار الكروي، إعلام الأزمة الذي أوقعنا في تضليل فادح قبل أن نكتشف أزمة الإعلام

وإذا كانت الكرة هي عنوان الانتماء فإنها باتت أيضًا سؤال الهوية.. الوطنية والدينية على حد سواء. من هنا، أخذنا نقتفي أثر الدين في ملاعب الكرة، ونجوم اللعبة، وسلوكيات المشجعين. وفي أتون الحرب الحديثة التي تشاهد في المدرجات منقسمة بين مشجعي الفريقين بالأعلام والأبواق والزينة في ملحمة عصرية، أطلت قضايا الدين والأخلاق والطائفة لتضفي الكثير على المشهد الكروي وتفاصيله المذهلة

وما بين هذا وذاك، يجد البعض في كرة القدم نوعا من "الدين الجديد" الذي يملك أتباعا ومناصرين شديدي الولاء، في وقت يلمس الخبراء أعلى درجات التماس بين الدين واللعبة: طقوس تختلط بالركل والركض والتسديد.. والتشجيع

وبقدر ما لكرة القدم من بهجة، بقدر ما تحتفظ في استدارتها بقسط من اللعنات الغامضة

عن لغة الكرة ولعنتها سيدور هذا الكتاب، مستندًا بموضوعية وتجرد إلى كل ما توصلنا إليه من معلومات ووثائق، وكتابات وشهادات

أتمنى لكم قراءة ممتعة

من مقدمة كتاب "حروب كرة القدم"، دار العين للنشر، القاهرة، 2010

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

12 التعليقات على "حروب كرة القدم"

أكتب تعليقا