ديمقراطية كرة القدم

| |




أغرى نجاح كرة القدم كثيرين بالمقارنة بينها وبين عالم السياسة

يعرب الكاتب الصحفي فهمي هويدي عن أمله في إخضاع اللعبة السياسية إلى قواعد وقوانين الفرق الرياضية، ويقول إن "العوامل الرئيسية للنجاح واحدة في الحالتين، لكن تلك العوامل توظف في الرياضة ويتم تجاهلها في السياسة، فعنصر الكفاءة مثلا يتم التعامل معه بمنتهى الشدة والحزم في الرياضة، بينما الأمر ليس كذلك في السياسة"

وعن هذه النقطة يقول د. أسامة الغزالي حرب إن "أسباب النجاح الكروي والفشل السياسي هو أنه في فرق النوادي وفي الفريق القومي ليس هناك، في الغالب الأعم، إلا معايير الموهبة والكفاءة والمهارات لاختيارات اللاعبين، سواء على مستوى كل ناد، أو على المستوى القومي"، مشيرًا إلى أنه "ومن حسن الحظ أيضًا أنه لا يوجد توريث في الكرة، وإذا برز ابن أو قريب لأحد اللاعبين أو المدربين أو مسؤولي الأندية أو الاتحادات الرياضية، فإن عليه أن يثبت فعلا كفاءته وقدراته الحقيقية"

الشفافية عامل أساسي آخر في الرياضة، وهو نسبي في السياسة وأحيانا ينعدم تماما. ذلك أن النشاط الرياضي يمارس أمام الناس وتحت أعينهم. فهم يرون من أصاب ومن أخطأ، ويعرفون أسباب اشتراك البعض في اللعب وغياب البعض الآخر. أما السياسة فهي إن كانت فن الممكن عند البعض، فإنها أيضا مستودع الأسرار والألغاز، خصوصا في الدول غير الديمقراطية، فالمفاتيح كلها بيد السلطان


المساءلة قيمة ثالثة حاضرة بقوة في عالم الرياضة، وهي غائبة بالقوة نفسها في عالم السياسة. سنلاحظ هنا أن عالم كرة القدم تجري أغلب أحداثه ووقائعه على مرأى ومسمع من الرأي العام، بل إن الرأي العام كثيرًا ما يكون شريكا في بعض القرارات التي تتخذ بشأن اختيار لاعبين، أو تشكيل أجهزة، أو تقييم لأداء أفراد أو مؤسسات، بل إن مباريات الكرة نفسها لا يكتمل معناها إلا بحضور الجمهور، حيث التأييد والتشجيع جزء لا يتجزأ من اللعبة نفسها، غير أن تلك الشفافية تكون مفتقدة في النظم السياسية غير الديمقراطية. وذلك ما يفسر الفتور الشديد الذي ينتاب المشاهدين في لعبة السياسة، والحماس البالغ الذي يبديه المشاهدون في مباريات كرة القدم. وفي مباريات الكرة نفسها، يحدث الثواب والعقاب في التو واللحظة، بدءًا من الإنذار، وحتى الطرد من الملعب أمام جمهور المتفرجين، وذلك أمر كثيرًا ما يفتقد في السياسة

وبينما يؤكد فهمي هويدي "أننا نتصرف بمنتهي الجدية في الرياضة لأن سيف الحساب ينتظر الجميع، في حين أننا نلعب ونتدلل في السياسة لأن هراوة الأمن المركزي تهدد الجميع" ، يضيف د. أسامة الغزالي حرب أن من أسباب النجاح الكروي، والفشل السياسي هو أن الفريق القومي "الكروي" لا يحتكره ناد واحد، على عكس الفريق القومي "السياسي"، أي الحكومة التي يحتكرها حزب واحد، منذ ما يزيد على ثلاثين عاما

وفي هذا الجانب يقول الكاتب نفسه "إن عدد اللاعبين الذين شكلوا الفريق القومي المصري كان ثلاثة وعشرين لاعبا (يقارب عدد أعضاء الحكومة) ولكن هؤلاء اللاعبين الثلاثة والعشرين ينتمون إلى تسعة أندية (الأهلي: 6، والزمالك: 5، والإسماعيلي: 2، وإنبي: 3، والمنصورة: 2، والمصري: 1، حرس الحدود: 1، بتروجيت: 1، الاتحاد السكندري: 1)

أما لاعبو الفريق السياسي، "الحكومة"، فهم جميعًا ينتمون إلى حزب واحد، وهو أمر مستمر منذ ما يقرب من نصف القرن"


وقد يرى كثيرون أن كرة القدم هي الديمقراطية التي يبحثون عنها، أو هي حق من حقوق الإنسان التي لا يستطيع أحد أن يقترب منها، ففيها حق الحديث وحق الكلام وكثير من الحرية. ومع وجود الشفافية والمساءلة وتداول السلطة، تبدو كرة القدم مصدر سعادة المصريين وغيرهم من العرب، ففيها كل ما لا يجدونه في عالم السياسة . إنها شعوب محرومة من الإحساس بالانتصار والإنجاز فتلجأ إلى كرة القدم، محرومة من النزول إلى الشارع للهتاف ورفع الأعلام دون تنغيص أمني، فتخرج مفرغة كبتها وغضبها عقب مباراة كرة قدم 

في كرة القدم قواعد ولوائح وقوانين ومواقيت، أما في السياسة فإن القيادي أو الحاكم يعلم أن قوانين اللعبة بيده يستطيع التلاعب بها وقتما شاء ولمصلحة من أراد، لعلمه بغياب الرقابة المنظمة لقواعد اللعب، والجمهور المشجع، والنقاد القادرين على تحريك الجماهير، لتسير اللعبة على طول الوقت من طرف واحد

وينص قانون كرة القدم على أن زمن المباراة 90 دقيقة، تقسم على فترتين يطلقون عليها "شوطين"، كل شوط 45 دقيقة، مع وجود استراحة 15 دقيقة بين كل شوط. كما يدرك الحكم ضرورة حساب "الوقت الضائع" على مدار زمن المباراة؛ لأن ذلك جزء من مهامه ليحافظ على الوقت الذي ضاع أثناء تبديل اللاعبين أو إصابة لاعب أو تحذيرات وطرد أو خلافات حصلت بين اللاعبين

ويختلف الأمر لدى الحكام في ساحة اللعب العربي

إن وقت المباراة محسوب بالثانية في عالم الكرة، ولكن في عالم السياسة يمتلك الحكام العرب كل الوقت ليقولوا ويفعلوا ما يشاؤون، ليصير الوقت الضائع هو حياة الشعوب العربية ذاتها

في كرة القدم هناك ديمقراطية ووقت محدد والتزامات محددة، في حين يأتي الحكام العرب إلى الحكم وليست لديهم نية الخروج في الزمن المحدد، فيستمرون إلى أن يضع الموت نقطة النهاية

وفي السنوات العشر الأولى من الألفية الجديدة، تغيرت أساليب جماهير الكرة المصرية في مؤازرة فرقها، فظهرت روابط المشجعين، ومجموعات الألتراس، التي عرفتها الكرة الإيطالية في ستينيات القرن الماضي. وجرى استيراد مظاهر استعراض القوة والانتماء لفريق، لتتحول إلى مظهر خطير يعرف بما يسمى "كورتيج".. وهو تكوين تجمعات كبيرة تتحرك موحدة ومتحدة بأعلام ناديها ومرددة الهتافات، وهو مظهر مستورد من عصابات المخدرات في أميركا الجنوبية، ودخل شارع الكرة المصرية بدءًا من عام 2009، لتتواجه الجماعات المتحفزة ويقع المحظور،  مثلما حصل من اعتداء على مقر النادي الأهلي والممتلكات والمحال في الشوارع المحيطة بالنادي، ثم الرد بمحاولة الاعتداء على نادي الزمالك في 21 سبتمبر 2010 

وهذا الاعتداء بالذات دعا العقلاء إلى التحذير من أنه "حين يتواصل ويشتد مسلسل ترويع الآمنين ومداهمة البيوت والمحال وإحراق السيارات، لن نعرف وقتها من هو الأهلاوي ومن الزملكاوي.. لكننا سنبكي كلنا فقط على وطن أحرقه التعصب الغبي والأعمى لأندية كرة القدم"

وفي السنوات الأخيرة أيضا، انقرض "لقب كبير المشجعين"، وعلت أصوات جماعات المشجعين.. وباتت الألوان في المدرجات علامة، وأمسكت الأيدي بالإعلام، وتنوعت أحجامها، وأصبح كل جمهور يحتفي بفريقه لحظة دخوله أرض الملعب، فيما يسمى الدَخلة، وبهتافات وأغنيات جديدة.. وباتت مباريات المنتخبات مظاهرات وطنية تجسد حالة الانتماء وتشعل الحماس، وتثري أصحاب الأعلام. وشأن كل شيء ظهر أيضًا العلم المصري المصنوع في الصين وأصبح العلم بطلا.. وشأن صيحات المساواة بين الرجل والمرأة، غيَّرت الوجوه الجميلة في كأس الأمم الإفريقية 2006 من ملامح مدرجات الملعب المصري

إنها ثورة كروية ترسم ملامح ديمقراطية مفقودة في الشارع


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "ديمقراطية كرة القدم"

أكتب تعليقا