رغبات المشير أوامر

| |



كان من مظاهر اهتمام ثورة يوليو بالرياضة أن رجال الثورة تولوا مراكز القيادة في الاتحادات
وهكذا كان المشير عبد الحكيم عامر رئيسًا لاتحاد كرة القدم‏، وعلي صبري رئيسًا لاتحاد السباحة‏، وحسين الشافعي رئيسًا لاتحاد الفروسية‏، وأنور السادات رئيسًا لاتحاد تنس الطاولة، وعبد المحسن أبوالنور رئيسًا لاتحاد كرة السلة‏، وزكريا محيي الدين رئيسًا لاتحاد التجديف، والفريق علي علي عامر رئيسًا لاتحاد الرماية، والفريق أول صدقي محمود رئيسًا لاتحاد الإسكواش، واللواء عبدالله رفعت رئيسًا لاتحاد الكرة الطائرة، والفريق أول عبد المحسن كامل مرتجي رئيسًا لاتحاد المصارعة، وصلاح الدسوقي رئيسًا لاتحاد السلاح، ومجدي حسنين رئيسًا لاتحاد التنس‏[1].‏
ولنتوقف عند الساحرة المستديرة
كان المشير عبد الحكيم عامر هو نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه رئيسا لاتحاد كرة القدم. كان المشير مولعًا بكرة القدم لدرجة أنه وضعها تحت رعايته الخاصة، حين تولى رسميًا رئاسة الاتحاد المصري لكرة القدم يوم 10 فبراير عام .1958 ويمكن الرجوع لأقوال الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجي في تفاصيل الاهتمام البالغ للمشير بنادي الزمالك. والحق أن المشير لم يكن وحده من العسكريين الذين عرفتهم نوادي الكرة. فقد كان رئيس النادي الأهلي الفريق أول مرتجي وهو قائد القوات البرية التي شاركت في حرب 1967، والفريق أول سليمان عزت كان رئيس النادي الأوليمبي، وفي عهده فاز النادي الأوليمبي ببطولة الدوري العام لكرة القدم عام 1966 لأول وآخر مرة وكان إنجازا كبيرا. وفي ظل رئاسة المشير عبد الحكيم عامر لاتحاد الكرة فازت مصر بالمركز الرابع في دورة طوكيو الأوليمبية، وهو إنجاز لم يتحقق منذ دورة أمستردام الأوليمبية عام 1928 ولم يتحقق بعد ذلك
وفي عهد الثورة، كانت طلبات المشير الكروية أوامر!


في الموسم الكروي 1961- 1962 دعا النادي الأهلي نادي بنفيكا البرتغالي - وكان بطل أوروبا- للعب في القاهرة. وقدم عبده صالح الوحش مدير الكرة في الأهلي طلبا إلى إدارة النادي جاء فيه: "باعتباري مسؤولا عن كل شيء أطلب الاستعانة باثنين من اللاعبين من خارج الأهلي هما بدوي عبدالفتاح من الترسانة، ومحمد بدوي من المصري"
هنا، أطلت برأسها عبارة ذلك الزمان: "المشير عاوز كده"!


يقول عبده صالح الوحش: "فوجئت بمجلس الإدارة يطلبون مني أن أستعين بلاعبين من الزمالك، وأبديت دهشتي الشديدة لهذا الكلام وقلت: لقد انتهينا بالأمس القريب من مباراة الزمالك وفزنا عليهم 3- صفر واللاعب الذي أريده من الزمالك هو يكن حسين وكان موقوفا، وعندهم سمير قطب لاعب على درجة عالية جدا من الكفاءة، لكن في الأهلي رفعت الفناجيلي الذي لا يُبارى، فأنا لا أريد هؤلاء!
وطلبت أن أحضر اجتماع مجلس الإدارة لأناقش المجلس في وجهة نظره، وفي الجلسة سألت الحاضرين عن سبب رفضهم للاستعانة ببدوي عبدالفتاح ومحمد بدوي. وبعد مناقشات ومحاورات قالوا لي: "هذه رغبة المشير"!
ويقول الوحش: والحقيقة أنني كثيرا ما سمعت هذه الكلمة "دي رغبة المشير"، وكان المشير وقتها رئيسا لاتحاد الكرة، لكن كانت هذه هي المرة الأولى التي تواجهني هذه الكلمة.. كنت من قبل أسمعها فقط، لكن هذه المرة تتجسد أمامي واقعا عليّ أن أتعامل معه، ووجدتني أقول لأعضاء المجلس:
- "أنا دائما أسمع عن رغبة المشير، ولكن هذه أول مرة أشوفها"!
وطلبت من المجلس أن يهيىء لي فرصة الاجتماع بالمشير محمد عبدالحكيم عامر وأناقشه فيما يطلبه وأقنعه بوجهة نظري، فنظر إلى توفيق خشبة (وكيل النادي الأهلي) قائلا:
- "طب اسمع.. السيد محمد توفيق عبدالفتاح يشغل منصب وزير الشؤون الاجتماعية، وكان رجلا فاضلا - رحمه الله- وفي الموعد المحدد ضمنا اجتماع: مختار التتش، توفيق خشبة، محمد توفيق عبدالفتاح، وأنا.. وقلت له: "يا فندم ممكن أعرف السبب، بيقولوا كذا.. وكذا وأن هذه رغبة المشير؟!"
فرد قائلا: "هي بالفعل رغبة المشير": هو عاوز أحسن فريق يمثل مصر، وعاوز الجمهور كله يساند الأهلي!
وقلت له: بس أنا معاك في رقم واحد وهو أحسن فريق في مصر لابد أن يكون فيه محمد بدوي وبدوي عبدالفتاح، والبند رقم اثنين أن كل الجمهور يشجع مصر أنا معاك فيها أيضا، بمعنى أن الفرد الذي لا يشجع النادي الأهلي ضد نادي أجنبي لا أحب أن يحضر المباراة ولا أحب أن يشجعني؛ لأن الأهلي في هذه المباراة يمثل مصر
رد الرجل قائلا: "أنا معاك.. توكل على الله، وأنت بتعمل الصواب"
ويقول الوحش: ومن يومها بدأت علاقة بيني وبين توفيق عبدالفتاح تقوم على الاحترام المتبادل، المهم استطعنا أن نكسب 3-2
[2]


وخلال ستينيات القرن العشرين، وفي إحدى المباريات التي كان يحضرها المشير عامر، تقدمت اليونان على مصر بهدف في الشوط الأول ونزل المشير عامر غاضبا إلى حجرة الملابس وتحدث مع اللاعبين وطالبهم بالاستماتة في الملعب كي يفوزوا بالمباراة، وقال: أريد نضالا وكفاحا في الملعب! والتفت إلى المدرب قبل أن ينصرف عائدا على المقصورة قائلا: "عاوز حرب"
ولم يكذب المدرب خبرا ونفذ تعليمات المشير بحذافيرها، وطلب من اللاعب يوسف الدهشوري "حرب" – الذي أصبح في زمن آخر رئيسا لاتحاد الكرة- أن يسخن ليشترك في المباراة بناء على أوامر المشير!
ويقول عبدالكريم الجوهري المعروف باسم "الجوهري الكبير" إن المشير عبدالحكيم عامر كان يحذره قبل مباريات الأهلي والزمالك قائلا: لو أفلت منك الفناجيلي وسجل هدفا في الزمالك.. فسوف أحبسك!
ولم يكن أمام الجوهري الكبير سوى الامتثال لإرادة المشير عامر وتهديداته العسكرية
وفي عام 1963 أقيمت مباراة في كأس مصر بين الزمالك والقناة على ملعب الأهلي، وكان حكم المباراة هو العميد علي قنديل الذي كان أحد أعضاء منتخب مصر في نهائيات كأس العالم لكرة القدم في إيطاليا 1934، والحائز على وسام الرياضة من الدولة
ويروي الناقد الرياضي عبدالرحمن فهمي ما جرى وقتها فيقول:
"قبل نهاية المباراة شعر جمهور الزمالك بأن المباراة لن تنتهي لصالحهم فقام بإلقاء طوب وحجارة وزجاجات فارغة في الملعب، حتى تعذر على حكم المباراة بإدارتها، فطلب من رئيس فريق الزمالك ومن إدارييه المحافظة على النظام وتهدئة الجمهور، وإلا اضطر إلى إنهاء المباراة فورا واحتساب النتيجة في غير صالح الزمالك





ثار لاعبو الزمالك على الحكم علي قنديل، وكان أكثرهم ثورة اللاعب محمد رفاعي، وكان يومها مجندا كعسكري وفي الجيش. وكان علي قنديل برتبة عميد
وظهر عدد مجلة "المصور" بعد أيام وفيه عدة صور تدل على عدم الانضباط الخلقي والرياضي والعسكري، محمد رفاعي يمسك بتلابيب علي قنديل بيد، ويرفع يده الثانية إلى أعلى وكأنه سيهوي بها عليه صافعا إياه على وجهه!



أيامها كان محمد رفاعي هو الظهير الطائر أو الأسد في عرينه كما كان يطلق عليه الناقد الرياضي نجيب المستكاوي. لاعب مشهور بصلابته كمدافع يجيد الانطلاق إلى الأمام، حتى إنه عندما أصيب في العمود الفقري عام 1963 أثناء المشاركة في دورة البحر المتوسط في نابولي بإيطاليا، سارع المشير عبدالحكيم عامر إلى تسهيل إجراءات سفر اللاعب للخارج للعلاج والعودة للملاعب
يقول عبدالرحمن فهمي: "كان اتحاد الكرة يومها واقعا تحت تأثير نادي الزمالك، فرئيسه المشير عبدالحكيم عامر، ونائب الرئيس الفريق عبدالعزيز مصطفى، والوكيلان محمد حسن حلمي وحسن عامر. وكاد الأمر يمر بسلام، لولا أن اللواء عبدالله رفعت كحكم قديم وكإداري مسؤول وكضابط سابق يعرف اللوائح ويقدس النظام، وكرياضي قديم رفض هذا الوضع ودعا لاجتماع عاجل لاتحاد الكرة، فلم يستمع له أحد!
ولكن في أول اجتماع رسمي للاتحاد بعد ذلك، ولم يكن مدرجا هذا الموضوع الخطير في جدول أعماله أصر عبدالله رفعت على إثارته، وقال:
"أن يضرب عسكري عميدا في الجيش على الملأ في ملعب كرة وعلى صفحات الجرائد والمجلات فهو أمر خطير من ناحية البلد قبل أن يكون من ناحية الرياضة. أنا كرجل عسكري لا أقبل على جيش بلدي أن يرى هذه المهزلة أمام عينيه، ويصمت، وخاصة أن رئيس الاتحاد هو قائد الجيش"!
ونظر أعضاء الاتحاد بعضهم لبعض، ولم يتكلموا، وأصر عبدالله رفعت على اتخاذ إجراء ضد رفاعي من ناحية الرياضة – على الأقٌل- وهو ما يملكونها الآن، على أن يرفعوا توصية إلى إدارته في الجيش لمعاقبته فورا
ولم يعلق أعضاء الاتحاد، ولم يفتح أحد فمه بكلمة واحدة، وبعد يومين كان عبدالله رفعت في منزله، فدق جرس التليفون، وقال المتحدث:
- اللواء عبدالله رفعت موجود.. طيب استعد المشير حيكلمك



وبعد برهة – كما يروي عبدالرحمن فهمي- تحدث المشير قائلا:
- أنا وصلني كل الكلام، اللي قلته في اتحاد الكرة من يومين عبدالله يا رفعت.. أنت فاكر الحكاية فوضى؟! وظن الرجل أن المشير أخذ بوجهة نظره التربوية فقال له:
- ده برضه كان عشمنا يا فندم!
قال المشير: عشمك في إيه؟!
رد الرجل: عشمنا في سيادتك، أنا قلت إن سيادتك لا يمكن أن تقبل هذا الوضع الخاطىء ولا يمكن تقبل أن يتعدى عسكري على عميد في ملعب كرة مهما كان السبب!
وقال المشير: أنت مش عارف العسكري ده اللي بتقول عليه يبقى مين!
أجاب عبدالله رفعت: "أيوه يا فندم.. ده يبقى محمد رفاعي"
قال المشير: مش عارف رفاعي ده يبلعب لأي نادي؟
رد: لنادي الزمالك يا فندم
وسأل المشير: مش عارف نادي الزمالك ده يبقى رئيسه مين؟
قال: يبقى رئيسه المهندس حسن عامر يا فندم
قال المشير: ما تعرفش أن حسن عامر ده يبقى أخويا؟
قال: عارف يا فندم
ورد المشير قائلا: طيب ما دام أنت عارف.. تهاجم إزاي نادي الزمالك؟
قال اللواء عبدالله رفعت: أنا ما جبتش سيرة نادي الزمالك خالص يا فندم.. أنا بتكلم عن الأصول التربوية.. والنظام في القوات المسلحة
رد المشير: أنت حتعلمني النظام في القوات المسلحة يا عبدالله؟
أجاب الرجل: مش قصدي يا فندم.. بس لما يشوف الناس عسكري في الجيش بيضرب عميد في الملعب، واللي ما شافوش في الملعب شافه على صفحات الجرائد والمجلات، يبقى إيه الوضع؟
وبسرعة قال المشير متسائلا: وهو رفاعي كان لابس عسكري، وعلي قنديل كان لابس عميد في الملعب؟
وأجاب اللواء عبدالله رفعت قائلا: "لا يا فندم، بس كل القوات المسلحة على الأقل زملاؤهم عارفين. ثم من الناحية الرياضية.. كان.. يا فندم.."!
وقاطع المشير الرجل قائلا: أنت حتعلمني النواحي العسكرية.. والنواحي الرياضية كمان يا عبدالله رفعت"؟
رد الرجل: مش قصدي يا فندم.. بس!
قال المشير: لا بس ولا حاجة.. أنا بشرفي لولا أعرفك كويس كضابط ممتاز لكنت أمرت باعتقالك دلوقتي!
تساءل اللواء عبدالله رفعت مذعورا: "اعتقالي؟!"
أجابه المشير بسرعة: إيه مش مصدق.. تحب تجرب لك يومين؟ أنا بس راعيت ماضيك العسكري والرياضي، علشان كده باصدر لك أمر تنفذه فورا!
قال الرجل في امتثال: "اللي تؤمر بيه يا فندم"!
رد المشير مُنهيا هذا الحوار التليفوني الغريب والمثير في الوقت نفسه:
– أنا خففت عليك الحكم واكتفيت بأن لا تدخل أي ملعب في حياتك.. أنت فاهم.. مُحرم عليك دخول أي ملعب كرة ولا حتى كمتفرج.. لو دخلت ملعب يا عبدالله يا رفعت مش حيحصل لك طيب


ويختتم عبدالرحمن فهمي هذه القصة الغريبة فيقول: "ولم يدخل عبدالله رفعت أي ملعب كرة وهو عضو وهو عضو بلجنة الحكام الرئيسية التي تعين الحكام وتشرف عليهم.. لم يدخل أي ملعب منذ عام 1963 حتى نكسة 1967"
أما المباراة محل الأزمة فقد أعيدت بالحكم نفسه علي قنديل، على ملعب دمنهور، وفازت القناة على الزمالك بهدفين


هكذا تداخلت الخيوط بين كرة القدم ورجال الحكم


الهوامش

[1] حسن المستكاوي، الرياضة المصرية‏..‏ تاريخ ودولة ومستقبل ‏(2)‏: 16‏ ميدالية أوليمبية في زمن ممارسة الفرد..‏ وميداليتان فقط في عصر ما بعد الثورة‏، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 20 يوليو 2004
[2] رشاد كامل، حياة المشير محمد عبدالحكيم عامر، دار الخيَّال، القاهرة، 2002

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

19 التعليقات على "رغبات المشير أوامر"

أكتب تعليقا