أشهر عشرة بهلوانات في مصر

| |





كان ياما كان في سالف العصر والأوان.. بهلوان، يضع على وجهه كل الأصباغ والألوان


وبعد حياة مليئة بالعروض والمسرحيات، قرر هذا البهلوان أن يقدم عرضا خاصا له لوحده أمام مرآة. صبغ وجهه بخطوط زرقاء وبيضاء، ووضع على أنفه كرة حمراء.. وضع على رأسه قبعة طويلة مزركشة الألوان. لبس ملابسه الفضفاضة وانتعل حذاءه الطويل العريض، وأمسك في يده عصا صغيرة وتحرك بطريقة حلزونية مثل دون كيشوت الذي يحارب طواحين الهواء. رقص فوق السلك ولعب بالنار، وشرع في تقديم أحسن عروضه. ضحكت المرآة، ولم يضحك البهلوان

عن البهلوانات نتحدث

إنها سلالة الهوان التي أصبحت هذه الأيام تتصدر عناوين الصحف وأعمدتها، وحفلات المجتمع الراقي، وكواليس صناعة القرار السياسي، وملاعب كرة القدم، وحفلات توقيع الكتب، والاتحادات والنقابات.. وغيرها من الخيبات

والبهلوان في مصر خرج من حدود السيرك وانتشر وتكاثر وأصبح نجم الموسم في كل مكان. سار البهلوان فوق كل الحبال، وانتقل من حبل إلى حبل، مثل لاعبي السيرك تماماً، ولكن ليس لأداء حركات أكروباتية أو أراجوزية تسعد الجماهير، وإنما لطعن هذا والنيل من ذاك، وسط ضحكة أو ابتسامة تشبه خنجراً عُمانياً حاداً. بعضهم استغل منابر الإعلام وبعضهم الآخر اتخذ من الدعاوى القضائية سبيلاً، وفريق ثالث لجأ إلى التشهير والإساءة إلى الآخرين، والهدف في النهاية واحد: المكاسب الشخصية
ويبدو أنها لم تعد بلد شهادات كما كان يردد "دسوقي أفندي" وكيل المحامي أو عادل إمام، وإنما "بلد بهلوانات صحيح"
هؤلاء وحدهم يستطيعون التسلق والتملق والتزلف

لقد رأينا من بهلوانات العصر من يصفق لقدمي القيصر حتى عندما تكونان ملطختين بدماء الضحايا أهلنا.. ومن يبتهل إليه أن يُعينه على بني قومه الذين لم يفقهوا قط أن الحاكم هو القضاء والقدر، وكل ما عداه عدم بعدم

ربما لأن البهلوانات ملأوا الساحة، وتفوقوا على أشباههم الذين تحدث عنهم يوسف إدريس في مسرحيته "البهلوان"، فقد قررنا أن نختار منهم عينة.. والعينة بينة. عشرة نماذج قد تكفي للاستدلال على الظاهرة المؤسفة في عصرنا ومصرنا. لن نشير إلى أسماء، ولسنا مسؤولين عن تشابه هذه النماذج مع أكثر من شخص، فالقلم مسؤوليتنا.. والتشابه إلى حد التطابق مسؤوليتهم هم
(1)


أحد هؤلاء البهلوانات، رئيس تحرير

رجل وظيفته الشتم والردح لكل من تسول له نفسه ويفكر مجرد تفكير في معارضة السياسات القائمة أو ينادي بالإصلاح والتغيير. وبأسلوب لا يخلو من السوقية، تجده يتصدى للمهمة، وقد يتبرع بذلك حرصاً على إثبات الولاء لدى أهل الحكم. غير أنه ينسى أن أهم أدوات الصحفي هو موهبة الكتابة، وأمضى أسلحته دقة المعلومة وموضوعية الأسلوب. أما صاحبنا فهو لا يجد حرجاً في فرش الملاءة وانتقاء ما لذ وطاب من قاموس يمكن أن نسميه "المُغني في الكلام المُتدني"
يكفي أن نشير إلى أن من عاداته المزاح الثقيل بالأيدي مع الصحفيين والعاملين في مؤسسته. وذات مرة استخدم يده الثقيلة في ضرب أحد العاملين على سبيل المزاح السخيف، الأمر الذي أدى إلى سقوط الرجل - الذي كان يعاني متاعب في القلب- ونقله إلى المستشفى للعلاج. غير أن هذا لم يردع صاحبنا عن مواصلة تهريجه بالأيدي مع أبناء مؤسسته الصحفية. ويحكي أبناء المؤسسة الصحفية كيف كان هذا الرجل حريصاً على ضرب الساعي الذي يعمل لديه، وكان يعمد في مراتٍ كثيرة إلى أن يطلب منه الاستلقاء على الأرض ليضع الكرسي الخشبي القديم فوقه، ثم يجلس على هذا الكرسي بجسده الثقيل، فيما الساعي يجأر بالألم ويطلب منه الصفح ووقف "اللعبة" اليومية السخيفة التي يمارسها رئيس التحرير، حتى يستلقي على ظهره من الضحك

سخافة تلتقي مع السادية في منتصف الطريق
أيام زمان، كان يطالب زملاءه العاملين في صالة التحرير في مؤسسته الصحفية بأن يتركوا أقلامهم ويدعوا أوراقهم ويستغنوا عن عقولهم قليلاً - أو كثيراً- كي يتحفهم بآخر مقتنياته من الأغاني الشعبية التي يهواها سائقو الميكروباصات ومن لف لفهم. وفي أوقات فراغه، كان يتربص بأعداء سيده ولي نعمته رئيس التحرير السابق، حتى إنه اعتدى بالضرب على أحدهم كي ينال الرضا من جانب رئيسه. لم يتورع يومها عن الإساءة إلى زميله، لفظاً وفعلاً، لعل الرجل الكبير يجد في ذلك دليلاً على الطاعة العمياء

وبالفعل، أثمرت تلك الخطة، فإذا برئيس تحريره يرشحه لدى السلطات لخلافته، مطمئناً إلى أنه سيضع رجله في مكانه. إلا أن البهلوان طبق نظرية "ازرع رجلاً.. يقتلعك"

"ندالة"
هكذا وصفه رئيس تحريره الذي يقول في حسرة إنه "اكتشف" متأخراً حقيقة رجله السابق
واليوم، يطل علينا هذا البهلوان بكتابات ركيكة وأسلوب فج يعكس ضحالته، في مساحة احتلها بحكم وضع اليد، وقادها كالسيارة الملاكي، ينجرف ويتحرك بها تارة ويناور بها تارة أخرى. المهم أن يستمر عطف أولي الأمر ويواصل أداء وظيفته كبهلوان يرتدي الزي الرسمي

(2)
في كتابه "محاوراتي مع السادات" يقول أحمد بهاء الدين: "وفي صحفنا، لا تخلو صحيفة على الإطلاق من "محررين نشطين" يعكفون على كتابة التقارير إلى أصحاب السلطة مع اختلاف في المستويات: بدايةً ممن يرتفع مستواه على الكتابة إلى المباحث. وهي كتابات أثرَّت كثيراً في حياة الصحافة والصحفيين وعلاقات المهنة بالسلطة"

رحم الله أحمد بهاء الدين، فكأنه يتحدث عن بهلوان آخر، تم تعيينه مندوباً لصحيفته في وزارة الداخلية، فاختلط عليه الأمر وأصبح مندوباً للداخلية لدى صحيفته القومية

أوراق "الدشت" التي اعتاد الصحفيون كتابة موضوعاتهم عليها زمناً طويلاً، كان لها غرض آخر بالنسبة له. فقد دأب على كتابة التقارير عن زملائه والإبلاغ عن أي حوارات أو مواقف تظهر معارضة لرئيس التحرير الذي طال بقاؤه في منصبه بالمخالفة لكل القوانين، أو تفوح منها رائحة التحفظ على سياسات الحكم والحكومة. وبحبر أسود تماماً مثل قلبه، كان يكتب ويكتب عن سلوكيات زملائه، ويستغل مواسم انتخابات نقابة الصحفيين كي يلعب دور قلب الدفاع لحماية رئيس التحرير من شغب المشاغبين ومعارضتهم له. كان يستميت على الصناديق ويراقب بعينين ضيقتين زملاءه الناخبين، ويقود حملة لتلميع قائده، حتى إنه هتف ذات يوم في قلب نقابة الصحفيين: "خيانة.. خيانة" بعد اكتشاف تصويت عدد لا بأس به من صحفيي مؤسسته لصالح مرشح آخر غير مرشحه الأوحد

ودارت الأيام، وانتقل صاحبنا من الصحافة المكتوبة إلى الصحافة المرئية، مع أنه يفتقد القبول من حيث الشكل والموهبة من حيث المضمون، لكن يا لحظ "من كان الأمن خاله"
ولا يحتاج أحدهم لجهد كبير يذكر كي يلاحظ ضعف قدرات صاحبنا على الشاشة، فلا هو مذيع لبق ولا هو مقدم برامج ناجح، وإنما هو مجرد "رقيب أول"، وبالتالي فهو يتعثر ويتلعثم كلما فتح فمه، ويرتكب الكوارث إذا انطلق في حديثه مثل شاحنة ترتج على الطريق الصحراوي، فيقع في المحظور ويثير دعوات أصابها العفن بالتحريض والكراهية بين أبناء الوطن الواحد.. وأبناء الأمة الواحدة إن لزم الأمر

"اخرجوا إلى الشارع واقتلوا أي واحد منهم"
هكذا صرخ ذات يوم على شاشة التليفزيون، محرضاً على القتل والعدوان، لمجرد أنه سمع شائعة فآمن بها، ورأى أن الحل هو الفتك ب"الأعداء".. الذين كانوا في هذه المناسبة أشقاءنا
يا ليته يصمت ويتخلص من عباءة الأمن التي تلاحقه ليل نهار
(3)


بهلوان وألعبان آخر، قادر ببراعة منقطعة النظير على تقديم آيتين على الأقل من آيات المنافق "إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف"
فقد تعهد باعتزال مهنة الادعاء والتفرغ لعمل آخر.. إدارة محل للورود مثلاً
استبشرنا خيراً، فالرجل له سقطاته المهنية الكبيرة، ويهوى إطلاق الأحكام مع وصلة مزعجة من الزعيق والصراخ غير المبرر، لكنه على ما يبدو ابتلع وعوده وشرب فوقها كوباً من المياه المعدنية
ويبدو أن الفتى الذي يجيد التمثيل، يعرف جيداً أنه بحاجة إلى هذا المنبر الإعلامي كي يواصل حصد المكاسب الشخصية والعائلية.. وعن تلك المكاسب والغنائم حدث ولا حرج
وحين يجد الجد، ينسب المذكور إلى الرئيس مبارك قوله لمعاونيه "محدش يقرب من....". ولم لا، والعائلة كلها تهوى "تلميع" الصورة في الانتخابات والأمراض والأحزان.. لا فرق
وحكايات هذا البهلوان كثيرة، ومن ذلك حكاية تبنيه لاتهامات أوردتها صحيفتان محليتان دون أي سند أو دليل، عن سلوكيات لاعبي المنتخب واصطيادهم فتيات ليل في ليالي بطولة كأس القارات في جنوب إفريقيا عام 2009. وبعد أن شخط ونطر، وسخر قائلاً: "هو ده منتخب الساجدين"، وتكلم عن رائحة النجاسة، اكتشف في نهاية الأمر أن مصدر الرائحة أقرب إليه مما يتصور، فعاد نادماً ومعتذراً وبراءة الأطفال في عينيه، خاصة بعد أن قدم رئيس اللجنة المنظمة لبطولة كأس القارات ومونديال عام 2010 دانة جوردان اعتذاراً رسميا لبعثة منتخب مصر عن هذه الشائعات، فيما تلقى رئيس بعثة منتخب مصر خطاباً من شرطة جنوب إفريقيا تنفي فيه علاقتها بما نشر في صحيفتين محليتين

والأكيد أن أخلاقيات المهنة باتت ليلتها تبكي دماً، لأن المذكور تبنى معلومات وتقارير تفتقر إلى الدقة والمصداقية، وتجاهل من يخالفونه الرأي، ولجأ إلى سلاح الاستهجان، وخلط الرأي بالخبر، فكأن ما كان
وفي مناسبة أخرى، ارتدى ثوب الجنرال، وأخذ يوجه سهام انتقاداته إلى الجزائر أثناء السباق لانتزاع بطاقة التأهل إلى مونديال جنوب إفريقيا. أطلق صاحبنا الشرارة الأولى مبكراً ومنذ مباراة الجزائر ضد رواندا حينما صدح بدعائه الشهير "يا رب نكِّد على الجزائريين"، لتتوالى بعدها التصريحات النارية والتعليقات غير الرياضية التي تورطت فيها فضائيات مصرية وصحف جزائرية. وفي نهاية الأمر، أصبح المُحرِّض التليفزيوني المنتصر الوحيد في معركة تراشقٍ إعلامي وسياسي خسرناها جميعاً

لقد ابتدع هذا المحرِّض "إعلامه الخاص"، ذلك الذي تحل فيه الشتائم والكلمات النابية محل الوصف والتعليق، وتتم الاستعاضة عن نقل الأخبار ومتابعتها باختلاقها والتهويل من شأنها

ولا يخفى على أحد حقيقة أن نجومية هذا البهلوان تنبع من سياسة الأرض المحروقة التي تشهدها مصر، فلا يصعد إلا من يجيد التسلق أو يجد له ظهراً يحميه أو جهازاً أمنياً يدعمه أو مالاً يرفعه.. وفي ظل هذه المعادلة المبتورة، يصبح للصغار من النجومية نصيب، ويسهل استمالة الجمهور الطيب والمنبهر بالشخص على حساب المضمون، بكلمات جوفاء وشعارات زائفة

ولعل من عرفوا الفتى أيام دراسته وبعد تخرجه في الجامعة، يتذكرون كيف كان يجأر بالشكوى من إهمال شقيقه الأكبر له، وكان الشقيق في تلك الفترة يرفل في نعمة الكتابة الرومانسية في لندن على طريقة "قلبي برتقالة، أشطره نصفين.. نصف لي ونصف لك".. فلما تذكره الشقيق وأفاض عليه من الخير الذي ناله، تغيرت حاله وأحواله، فهجر الزوجة الأولى والابنة الصغيرة، وارتبط بأخرى تناسب المرحلة
بل إنه اخترع طريقة غريبة لتحية أصدقاء الأمس: السلام بالحاجبين
فهو يرفع حاجبيه عندما تشاء الظروف أن تقع عيناه على صديق أو زميل دراسة قديم، حتى يكفي نفسه مؤونة السلام والكلام مع من يعرفون ماضيه.. وحاضره

أما آخر أخبار الفتى فهو أنه يردد في جميع مجالسه جملته الأثيرة "محدش يشبهني"

وهذا من رأفة الله بعباده.. وحسن حظنا جميعاً

(4)

في ملاعب السياسة، هناك من يجيد التلون والتحول، حتى طلبت منه الحرباء تعليمها دروساً في التنكر وتغيير الجلد
فها هو الرجل القادم من رحم التنظيم الطليعي في عصر مضى، يقود حملة الدفاع عن سياسات تخالف قناعات الأمس. لقد كان أحد الصاعدين في التنظيم الطليعي الذي أسسه الرئيس جمال عبدالناصر عام 1962 كأحد تنظيمات الاتحاد الاشتراكي العربي لتطويره، وقياس الرأي العام ونقل اتجاهاته ومشكلاته، إلى أن قام الرئيس السادات بحله عام 1971
غاب صاحبنا زمناً عن الأضواء واختفى في أروقة الجامعة، قبل أن يعاود الظهور مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي مدافعاً ومنافحاً، حتى بايعه كثيرون كأفضل "مبرراتي" في البلد

وفي قلب أزمة عصفت بالموقف العربي إبان حرب تحرير الكويت عام 1990، تمت الاستعانة به لكي يتولى "التكييف" القانوني لقرار مشاركة دول عربية ضمن قوات التحالف الدولية في هذه الحرب. يومها تكفل قائد الثورة الليبية معمر القذافي على رؤوس الأشهاد بإهانة هذا البهلوان، الذي قرر في لحظةٍ ما تقليد الفنان عادل أدهم في دور "زكي قِدرة" وعبارته الشهيرة " ادبح يا زكي قِدرة.. يدبح زكي قِدرة، بيع يا زكي قِدرة.. يبيع زكي قِدرة، اهرب يا زكي قِدرة.. يهرب زكي قِدرة"

رجل لكل العصور، كأن الزيني بركات يعود إلى الحياة من جديد
يهوى استرضاء السلطان، وكبح جماح طموحه السياسي، إذ مازالت في القلب غصة من هزائم الماضي بعد قضية مراكز القوى في عام 1971
وعندما تولى رئاسة جامعة عريقة، تم اعتقال الطلاب من داخل الحرم الجامعي، ويومها أنحى باللائمة على الطلاب أنفسهم لمخالفتهم اللائحة
وهتف الطلاب ضده "يا.. يا.. هتروح فين يوم الحساب" بعدما وافق على شطب الطلاب المنتمين لقوى سياسية معارضة من كشوف المرشحين لانتخابات الاتحادات الطلابية
لكن الرجل أغلق عينيه وأصم أذنيه حتى لا يرى أو يسمع ما يؤرق ضمير رجل العلم والقانون. فهو يقدم نفسه دائماً كموظف مطيع مثالي يجيد تنفيذ التكليفات، حتى وإن اتهمه رجل الشارع بأنه أحد "ترزية" القوانين
إنه من النوع الذي يستدعي إلى الذاكرة فوراً مقولة وزير الإسكان الأسبق حسب الله الكفراوي "اللي بيقولوا لأه خلصوا"
بل إنه لا يتورع عن التصدي لكل من يرغب في ممارسة حقه الديمقراطي في الترشح خارج إطار الحزب الحاكم، ويشير كثيرون إلى أنه لم يجد بأساً في استنكار فكرة ترشح د. محمد البرادعي لمنصب الرئيس بعد أن أخذ عليه عدم تعرضه "
"للمرمطة" في مصر

ولم يكن أحد يعرف من قبل أن "المرمطة" شرط أساسي للترشح لمنصب الرئيس
حين قال إن مشروع قانون جرائم النشر يهدف إلى تحقيق مزيد من الحريات، كتب أحمد رجب في "1/2 كلمة" مردداً جملة صاحبنا، قبل أن يعلق بذكاء قائلاً: "انتهت النكتة"

يمكنك أن تجده متحدثاً عن كل شيء: أمن الخليج، الرياضة، موسم الحج، وإنفلونزا الخنازير
ويبدو أنه مفيد جداً للحكومة.. ضار جداً بنفسه

(5)

الرجل الذي كان يفترض به أن يكون باحثاً كبيراً، انتهى به الأمر سياسياً صغيراً
فلا الحصانة تنفع، ولا ضخامة اللقب تخفي الثقوب التي أصابت ثوب هذا الذي كان في طريقه إلى أن يصبح أستاذاً جامعياً مرموقاً، فإذا به ينزلق إلى متاهة التوزير، فيصير وزيراً يتقن لغة برقيات التهنئة إلى أصحاب المقام الرفيع من ساكني قصور الحكم، أكثر مما يجيد إدارة شؤون وزارته

تلغرافاته المُعلبة والمنتهية الصلاحية، كانت حديث الناس أيام توليه الوزارة، فكل نصر رياضي إنما من هو عند الحاكم، وكل هدفٍ نسجله تستحق أن نشكر عليها أبانا الذي في السلطة
لقد استسلم الرجل لنداء "نداهة" السياسة وغواية المنصب، فإذا به يستغني عن حلمه العلمي ومشروعه الفكري ورسالة الدكتوراه المهمة التي أنجزها في فرنسا، فيتضاءل تارة ويتضخم تارة أخرى.. يغيب بضعة أعوام بقرار، ثم يعود إلى الصورة بعدها بقرار ثان، كأنه أداة يسهل استخدامها وقت اللزوم

ومصيبة الأرنب أنه يخرج من قبعة الساحر، ليصفق الجمهور

(6)

هذا بهلوان طبق استراتيجية اتحاد الطلاب على الحياة، فحقق نجاحاً جعله الآن محمولاً على أكتاف أنصاره، فيما يضرب غيرهم أخماساً في أسداس متسائلين: من أين خرج لنا هذا البهلوان؟
والذين يعرفون هذا البهلوان يضحكون كثيراً حتى تدمع أعينهم عندما يتذكرون كيف استفاد هذا الرجل من تجربته الجامعية، ليس في مجال تحصيل العلم، وإنما في مجال تحصيل آخر. ومن بوابة لجنة الكشافة والرحلات اكتشف هذا الشاب طرقاً وألاعيب للتسلق والوصولية والاستفادة الشخصية.. فإذا خرج وصحبه من رحاب الجامعة إلى فضاء الحياة، سقط عدد من رفاقه تحت حافر تهمة تقاضي الرشوة أو "الزيس" في مغارة ماسبيرو المذهلة، أما هو فقد آثر السلامة، وبنى شعبيته بطريقة اتحاد الطلاب في كليته الذي كان أحد أعضائه لسنوات. التصق الرجل بمن أعلى منه منصباً وصار خادمهم المطيع، في حين لم يتقدم كثيراً في مهنته الأصلية التي أبقاها على الهامش وأجلسها على مقاعد البدلاء، مفضلاً عليها استرضاء رؤسائه في المبنى الكبير المترهل

ومن "بيت الطاعة" إلى بيت أصغر حجماً، ارتضى لسنوات أن يبقى رجل الظل لرجل أكبر وأكثر نفوذاً، حتى إذا حان الوقت كي يغادر الرجل الكبير المشهد، جاء بساعده الأيمن لكي يدير شؤون البيت، على رغم افتقار الأخير لأي إنجاز في هذه الصناعة، فإذا به يقتنص لقب صاحب البيت.. وليذهب أهل الدار إلى الجحيم
(7)
من بيته الريفي المتواضع كان يحلم بالمجد الذي ينتظره

من حق أي شخص ان يحلم. المهم هو كيفية تحويل الحلم إلى حقيقة. الأهم هو ما الذي سنفعله بتلك الحقيقة الجديدة
مشوار طويل قطعه في ميادين الرياضة، هذا الشاب القادم من الأقاليم، حتى أصبح من أشهر نجوم اللعبة. وبعد ممانعة، أقر بأن الوقت حان كي يترك الساحة لمن هم أصغر سناً وأكثر لياقة. وبعد الاعتزال، بدأ النزال. ومن بوابة الإعلانات والتوكيلات الرياضية صنع مزيداً من المال والتربيطات، حتى بدأ يشتهي مجداً آخر، فحاول مرة واثنتين حتى تحقق له ما أراد. ولأن الإعلام ليس له صاحب في بلادنا، وجدناه يطل علينا معلقاً وناقداً في الرياضة أولاً وغيرها تالياً. الغريب أنه يقول بملء فيه إنه يعد رمزاً كبيراً في الإعلام الرياضي، لأنه نجح في انتشال رجال الإعلام الرياضي، وساهم في رفع رواتبهم إلى الآلاف بعدما كانت بمئات الجنيهات
وهكذا الرمز.. وإلا فلا

المجموعة المحيطة به تقول إنه تغوَّل، ولم يعد قطاره قادراً على التوقف في أي محطة، كأنما أصابت المكابح مشكلة، وغابت القدرة على وقف هذا الاندفاع
لم يكتف بالشهرة في الصندوق الصغير، فإذا به يتطلع إلى حصة أكبر من الكعكة عبر دهاليز الحزب وكواليس الانتخابات
المشكلة أنه سقط في فخ النميمة والحكايات المذمومة، وسرعان ما صنع لنفسه أعداء أكثر مما ربح من الأصدقاء، ووَّرطته زلات لسانه مثلما أوقعت به شراهته إلى مزيد من النجاح. وبدأت التهم تلاحقه والشائعات تطارده، وهو لا يأبه لخصومه ويستخف بهم. غير أنه أخرج الجنيّ من القمقم، وفشل في إعادته إلى مكانه، فإذا بالجنيّ يقف أمامه عملاقاً، وهو يتضاءل ويصغر في ظل الحلفاء الذين انفضوا عنه وباعوه بأرخص الأثمان

"تهم كيدية". هذا ما كرره الرجل في معرض دفاعه عن نفسه ومصالحه، وكاد البعض يصدق ذلك لولا أن جانباً من هذه التهم مثبت بالصوت.. والصورة

موقف اضطر معه في النهاية إلى رفع راية الاستسلام طالباً الصفح ومنادياً بأن الصلح خير

والله يسلط دوماً بهلوانات على بهلوانات
وما بين حكماء يرون أنه أخطأ التدبير والتقدير، وشامتين يرون أنه "من أعمالكم سلط عليكم"، يقف الرجل أمام مفترق طرق، باحثاً عن مخرج من المصائب التي قلبت حياته رأساً على عقب، بعد أن ظن أن الدنيا شطبت اسمه من سجلات الأزمات

(8)

البعض قد يهوى القراءة، البعض الآخر قد يهوى السباحة، وفريق ثالث قد يفضل مشاهدة الأفلام
أما هذا الرجل فهوايته الأولى، وربما الوحيدة هي التنغيص على الآخرين وإثارة الضجيج حول أي شيء وكل شيء
"بتاع كله"
مهنته الأصلية محام، لكن القضاء العالي والنزيه يبدو بريئاً من إزعاج هذا الرجل الذي يسعى إلى إقامة دعاوى قضائية على الآلاف من عباد الله، ربما بسبب تصريح أو قرار، وربما أيضاً بسبب حوار تليفزيوني أو حتى مشهد سينمائي. وفي كل مرة، نراه يصرخ متحدثاً عن الملابس الداخلية لهذه أو تلك، ومحاسباً أي امرأة معروفة عما ظهر منها.. وما بطن
النتيجة لا تهم، فالمهم بالنسبة له هو المهم هو الضجة في حد ذاتها

وفي إحدى القضايا المثارة حديثاً، ظهر وسط الزحام بصوته الجهير كأحد رافعي الدعاوى في القضية بالأصالة عن نفسه، وطلب تعويضاً مقداره ملياري جنيه مع أن أحداً من اطراف القضية لم يوكله بها ولا علاقة له من قريب أو من بعيد بالقضية وأطرافها. ويتندر كثيرون بالحديث عن طرافة الدعاوى التي يرفعها أو البلاغات التي يقدمها للنائب العام وتكون في الغالب في موضوعات لا تعنيه وليس طرفاً فيها ولم يكلفه أحد بها.. وليس مستغرباً أن نجده مطالباً بتطليق كاتبة من زوجها وتقطيع أرجل ممثلة وطرد معلق رياضي. لم يسلم منه أحد، خصوصاً نجوم الفن والفكر والرياضة

تراه جالساً إلى مكتبه المكدس بأوراق قضايا وهمية، حريصاً على إبراز نفسه في ثوب المدافع عن القيم والأخلاق، في حين أن معظم القضايا التي تم توكيله للترافع عنها لا تخرج عن جرائم يكون فيها المتهم متورطاً حتى النخاع في مخالفات مهنية وأخلاقية جسيمة، أو حتى جرائم قتل تثير شبهاتٍ لا تحصى وعلامات استفهام لا تنتهي
زعيقه أمام عدسات المصورين في القضايا الكبرى التي لم يدع إليها أصلاً، وحديثه عن العفة والأخلاق، يتناقضان كثيراً مع دفاعه عمن أصابوا المجتمع بجراح الطائفية حيناً، والصدمات غير الأخلاقية حيناً آخر
الرجل - بحسب كثيرين- شبه عاطل عن العمل ويتكسب من خلال الدعاية لنفسه عن طريق إقحام نفسه في أي موضوع إعلامي أو شخصية مشهورة طلبا للشهرة
اسمه ليس على مسمى، والله أعلم
(9)


"ملك الحسبة"

حين نزلت قضايا الحسبة على أرض مصر المعاصرة، صعد نجم هذا الرجل بطريقة عجيبة غريبة

يفاخر الشيخ - كما يلقب- بأنه "التطور الطبيعي للحاجة الساقعة".. فهو الذي يقاتل للتفريق بين الأزواج وتكفير هذا وذاك، وهو الذي يصادر الأثاث ويقاضي الشعراء والمفكرين وأصحاب المؤلفات وكُتاب المقالات
حروبه ضد التفكير تقوده دائماً إلى التكفير
تراه يقود حملة ضد مثقفي مصر ورموز إبداعها، وضد كل فكرة من شأنها التجديد في الفكر والممارسة الإسلامية، بدءاً من إعادة تفسير النص الديني وصولاً إلى حظر ختان الإناث. كلما اختفت زوبعة من الزوابع التي يثيرها هذا الشيخ في الإعلام بسبب ملاحقته لهذا المفكر أو المثقف أو الفنان حتى يثير زوبعة أخرى

أدمن المزايدة على التحدث باسم الدين، بحيث يظهر بمظهر حامي الدين، بما يخفض من سقف الحريات أكثر فأكثر ويحاصر الإبداع والمبدعين
وعندما أراد بعضهم اصطياده بالسلاح نفسه وافتضاح أمره وطرق متاجرته باسم الدين عن طريق تقاضي مبالغ مالية مقابل الرقية الشرعية، أرغى وأبد، وعاد إلى مزاولة هوايته المفضلة: إقامة دعاوى قضائية ضد خصومه
لم يتورع هذا الرجل عن إقامة دعاوى قضائية حتى ضد غيره من علماء الدين رجالاً ونساء
الطريف أنه في برنامج تليفزيوني عرضته إحدى قنوات التليفزيون في مصر، اتصلت ممثلة معروفة بأدوار الإغراء التي تؤديها، وكان الشيخ حاضراً في الاستويو، فابتسم وتهلل وجهه قبل أن يقول: "..... تلميذتي، سلمولي عليها"
"فتح الله عليك يا عم الشيخ"
يومها تساءل البعض عن سر إعلان هذا الشيخ على الملأ بفرح طفولي أن هذه الممثلة تلميذته، وحكاية استشارته له باستمرار، وهذا يفتح الباب أمام أحد احتمالين لا ثالث لهما: إما أن الشيخ لا يرى أفلاماً أو حتى إعلانات الأفلام التي تقوم هذه الممثلة ببطولتها، أو أنه يرى أدوار الممثلة بصفة دائمة ويوافق على كل ما تقدمه
وكلا الأمرين مثير للاهتمام، خصوصاً إذا علمنا أنهما – كما قالت الممثلة- جيران وأبناء حي واحد
عادي.. في المعادي
والجيرة قد تزيل أسباب الحيرة


(10)


من خانة إلى خانة ومن ديانة إلى ديانة، تبدو هذه المرأة لغزاً كبيراً، وإن يكن هناك من يفسر الأمر ببساطة على أنه رغبة في الشهرة والاستئثار بالأضواء

سيدة في منتصف العمر، انفعالية إلى حد كبير، ترد على محاوريها بحدة، وترفع نبرة صوتها في الحديث، وتقاطع الرأي المخالف لها بصورة لا تخلو من استفزاز

تطوعت ذات مرةٍ للدفاع عن ضحية قضية شهيرة في التحرش الجنسي. وبعد النطق بالحكم، قالت إن هذا انتصار للفتاة وللمرأة المصرية، وليت كل البنات مثل هذا الضحية حتى يأخذن حقوقهن، ليعلم كل متحرش أن جزاءه ثلاث سنوات "ورا الشمس"، ثم ما لبثت أن تحولت من موقف الدفاع إلى الهجوم، فاتهمت الفتاة المجني عليها بحمل الجنسية الإسرائيلية، بل ودافعت عن السائق نفسه، لأنه حسن النية كان يبعد الفتاة عن سيارته، فلم يجد في يده إلا صدرها ليمسك به، وهو ينبهها قبل أن تصدمها سيارته المجنونة

ورددت عبر وسائل الإعلام غير ذلك من أقاويل، تبين للجميع لاحقاً أنها كاذبة وادعاءات ملفقة

هوايتها إثارة الغبار، وهي قد تهيل التراب على أي شخص أو إنجاز، لمجرد تسليط الأضواء عليها ولفت انتباه المراسلين وعدسات المصورين، فمن أجل التليفزيون.. كله يهون

الفتاة الدمياطية المحجبة، تحولت بقدرة قادر إلى حقوقية تطالب بإلغاء التقيد بالشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع باعتبارها "كلام فارغ". ثم ألقت بقنبلة لها دويها في المجتمعات الهشة: اعتناق دين آخر
دع عنك حكاية تغيير الدين هذه، فاعتناقها ديانة جديدة لا يعني بأي حال الضرر لديانتها الأولى أو الفائدة لديانتها الثانية، غير أن الأخطر في رأينا هو الفصام في الشخصية الذي أحاط بتصرفاتها من كل حدب وصوب
إذ لم يمض على خبر تنصرها الكثير، حتى عادت لتؤكد رفعها دعوى الخلع ضد زوجها؛ لأنها أصبحت "تبغض الحياة معه"، رغم أن "الخلع" ينتمي إلى الشريعة الإسلامية وليس المسيحية

تحدث البعض عن حصولها على أموال تبرعات مقابل تغيير قناعاتها الدينية، لكنها نفت ذلك، مع أنها شنت هجوماً حاداً على شخصيات بالاسم قيل إنهم هم من يقومون بدور الوساطة لأنها أرادت أن تحرقهم أمام من يدفعون، ولترفع الوسطاء من طريقها، لتحصل هي مباشرة علي التبرعات، فلا داعي للسمسرة في منتصف الطريق

وما أصعب أن تجد أمامك إنساناً لا يهمه سوى الجري وراء أهواء شخصية، من المال والشهرة والأضواء

في مناسبة حديثة، قامت من مقعدها غاضبة أثناء انعقاد مؤتمر، لتحتج في مداخلة حادة على عدم دعوتها للمشاركة والإدلاء برأيها في فعاليات مؤسسات المجتمع المدني بسبب موقفها الديني
إنها اللغة الوحيدة التي تتقنها: الصراخ، أما أبجدية هذه اللغة فيمكن اختصارها في كلمة واحدة: التقلب

........

انتهت الحكاية.. وبقي البهلوانات
ولا عزاء للمتفرجين

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

18 التعليقات على "أشهر عشرة بهلوانات في مصر"

أكتب تعليقا