أثرياء مصر زمان..والآن (17): الخمسة الكبار







خمسة أسماء مصرية نجحت في الوصول إلى قائمة أغنى أغنياء مصر والعرب

هؤلاء الخمسة قد يكونون بالفعل الأغنى وفق الأرقام والتقديرات الرسمية لأعمالهم ونشاطهم المالي والتجاري، مع أن البعض قد يشير إلى أن ما يظهر من جبل الجليد ليس سوى جزءٍ يسير منه

ومن يتأمل قائمة مجلة "أريبيان بزنس" للعام 2008 التي ترصد حركة الثروة واتجاهاتها في المنطقة، يمكنه أن يلاحظ وجوداً مصرياً لا بأس به على تلك القائمة، مع قناعتنا طبعاً بأنها لا تعبر تماماً عن الثروات الحقيقية في مصر والعالم العربي. فهناك العشرات بل المئات من الأثرياء العرب ممن لم تستطع هذه المجلة المتخصصة الوصول إلى بيانات أو معلومات عن حجم ثرواتهم، إما لأنها لم تمتلك الوقت أو لأنها لم تمتلك معلوماتٍ كافية

القائمة التي نشرتها المجلة في منتصف ديسمبر 2008، تظل في هذا السياق تقديرية، إذ إن المجلة نفسها تؤكد أنه لم تتح لها الفرصة لمعرفة كافية حول ممتلكات معظم الأسماء التي أوردتها في تلك القائمة، لأن تقييم الثروة أمرٌ غاية في الصعوبة ويخضع للكثير من المعايير ولأن موضوع التقييم معقدٌ وشائك، كما أن الإفصاح والشفافية أمران نفتقدهما في المنطقة، ما يزيد من صعوبة المهمة
في المركز الثالث والعشرين من قائمة أغنى أثرياء العرب، وبثروة تقدر بـ 3,2 مليار دولار تأتي عائلة ساويرس التي تسيطر على حصة تزيد عن 50 في المئة في ثلاث شركات، هي أوراسكوم للاتصالات وأوراسكوم الفنادق وأوراسكوم للمقاولات. ويقود نجيب ساويرس شركة أوراسكوم للاتصالات ويدير سميح شركة الفنادق، في حين يتولى ناصيف أعمال قطاع العقارات

وكانت أوراسكوم للإنشاء والصناعة وهي أكبر شركة للبناء في مصر من حيث القيمة السوقية، قد أعلنت أن أرباحها الصافية في الربع الثالث من العام 2008 قفزت بنسبة تقترب من 300 في المئة مسجلة ما مجموعه 205.1 مليون دولار لكنها لم تصل إلى مستوى توقعات السوق. كما أضافت أن إيرادات الأشهر الثلاثة ارتفعت 75 في المئة محققة ما قيمته إلى 991.9 مليون دولار. وزادت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والمصاريف واستهلاك الدين 152 في المئة لتبلغ 307.2 مليون دولار، في الوقت الذي تراوحت توقعات ثلاثة محللين من بنوك استثمار، بينها بلتون فاينانشيال والمجموعة المالية هيرميس أن يتراوح صافي أرباح الشركة ما بين 248 مليون و285 مليون دولار

بدأت حياة أنسي ساويرس العملية في صعيد مصر حيث أسس شركة للمقاولات عرفت في البداية باسم لمعي وساويرس. وكانت هذه الشركة هي تميمة الحظ التي فتحت عليه أبواب عالم البيزنس حيث انفرد أنسي بالشركة عام 1950 واتسع نشاطها بشكل غير مسبوق حتى جاءت قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961 لتؤدي إلى تأميم الشركة

في عام 1966 غادر أنسي إلى ليبيا، وهناك احترف بيزنس التوكيلات والمقاولات واستمر يمارس نشاطه حتى عام 1975. ومع بداية عصر الانفتاح الاقتصادي، عاد إلى مصر ليستثمر خبرته الواسعة في مجال المقاولات فأقام شركة "أوراسكوم" للمقاولات التي استطاعت أن تعمل في الظل وتحصل على بعض المقاولات الصغيرة من "فم الأسد"، وكان أسد المقاولات في ذلك الوقت هي شركة عثمان أحمد عثمان

غير أن نجاح العائلة الأكبر جاء بقيادة الابن نجيب ساويرس، وذلك في مجال الاتصالات، لتبدأ مظلة عائلة ساويرس في الامتداد داخل مصر وخارجها

في المركز الرابع والثلاثين من قائمة أغنى أثرياء العرب، وبثروة تصل إلى 2,2 مليار دولار، يأتي محمد شفيق جبر رئيس مجموعة أرتوك غروب المصرية للاستثمار والتنمية


ولد شفق جبر الذي يعد الابن الوحيد من الذكور بين أشقائه لوالده الدبلوماسي المصري عادل جبر، الذي سبق له العمل في الهند واليونان ولديه شقيقتان. اتجه إلى البيزنس منذ نعومة أظفاره ليلتحق بالعمل في الشركة التي كونها والده عقب تركه العمل بالحقل الدبلوماسي التي تم تأسيسها عام 1971 بمساهمة عمه ووالده لتلقى رواجاً في فترة السبعينيات أثناء مرحلة الانفتاح الاقتصادي. بدأ نشاط الشركة في الاستثمار في مواد البناء والتعاون مع الشركات الأجنبية ومشروعات توليد الطاقة وتحلية المياه، إلى أن تطورت لتصبح شركة قابضة للاستثمارات

توسعت شركته في مجالاتٍ مختلفة، بينها السيارات والطيران وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات فضلاً عن البنية الأساسية "المياه - المطارات - محطات الطاقة"، وكذا الصناعات الثقيلة ومنتجات الصلب والمعدات الهندسية والمنتجات الاستهلاكية، ودور النشر والتنمية العقارية والبترول، واستقراء النتائج الرياضية والخدمات المضافة عن طريق أحدث التقنيات


ويتقاسم شفيق جبر المعايير نفسها المتعامل بها داخل نادي الأثرياء العرب. فبالإضافة إلى تولي القيادة من والده وتحمله مسؤولية نمو الشركة المصرية للاستثمار والتنمية، كان محمد شفيق جبر مؤسس ورئيس الغرفة التجارية الأمريكية في مصر ورئيس مجلس الأعمال العربي ورئيس مجلس المستشارين للبنك الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكل هذه المناصب ليست سوى شيء متواضع مقارنة بالمناصب التي أسندت إلى هذا الملياردير


وبالإضافة إلى كل تلك المناصب فإن محمد شفيق جبر هو عضو في المبادرة من أجل السلام والتعاون في الشرق الأوسط ، وكان شريكاً لـ"إعمار" الإماراتية في شركة إعمار مصر بقيمة 4 مليارات دولار، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق لإنهاء هذه الشراكة


مجموعة Artoc شركة استثمارية تطورت بسرعة منذ تأسيسها لتنشأ مؤسسات تجارية تحت مظلتها في جميع أنحاء العالم. وتعمل الشركات التابعة والمؤسسات الفرعية لها تحت ستة أقسام، تشمل، قسم السيارات، قسم النشر، قسم مشروعات المرافق والمشروعات الهندسية الخاصة، قسم المنتجات الاستهلاكية وقسم العمليات الدولية

وفي المركز السادس والأربعين لقائمة أغنياء العرب، وبثروة تبلغ 1.5 مليار دولار، نجد أحمد عز أو إمبراطور الحديد كما يطلق عليه في مصر، والذي حقق ما يقارب 25 مليار جنيه مصري منذ بداية نشاطه في مجال الحديد عام 1989. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد سيطر عز على 60 % من سوق الحديد في مصر وأكثر من 50 % من جملة الحديد المصري المطروح في الأسواق العالمية. وتمتعت شركاته بإعفاء ضريبي استمر 10 سنوات حقق خلالها أرباحاً صافية وصلت إلى 15 مليار جنيه مصري

إمبراطورية عز الحديدية لم تكتف بذلك. فشركات رجال الأعمال الجدد مثل عز ومحمد أبو العينين وفريد خميس تحصل على مليون وحدة حرارية بأقل من دولار. أما عز - أمين التنظيم بالحزب الوطني الديمقراطي رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب- فقد تمكن عبر نشاطه المتزايد من تحقيق أرباح بلغت 5 أضعاف الأصول المدفوعة لشركات الحديد الأربع التي يملكها..أو على الأقل، هذا هو ما تشير إليه ميزانية شركات عز المنشورة. ويعتبر محللون اقتصاديون أن خطوة نشر الميزانيات رغم أهميتها فإنها جاءت لتغطي على عمليات ضرب شركة الحديد والصلب الحكومية تمهيداً لخصخصتها لصالح إمبراطور الحديد أحمد عز

تضم شركات عز شركة العز لصناعة حديد التسليح – التي تأسست عام 1994 بالمنوفية - برأسمال مصدر ومدفوع قدره (911.9 مليون جنيه)، مستفيداً من مزايا قانون الاستثمار رقم (43) لسنة 1974 وتعديلاته المثيرة للجدل، وكذلك قانون تنمية المجتمعات العمرانية الجديدة لسنة 1979. وبعد تأسيس هذه الشركة تأسست 3 شركات تابعة لها وهي:
أولاً، مصانع عز للدرفلة (مصانع العز للصلب سابقاً) التي تأسست عام 1986 مستفيدةً من قانون الانفتاح، ثم عدَّلت أوضاعها بعد انتهاء فترة الإعفاءات الضريبية مستفيدةً من قانون الاستثمار الجديد رقم (8) لسنة 1997، ويملك أحمد عز 90.73 % من أسهمها. ثانياً، شركة العز لصناعة الصلب المسطح (العز للصناعات الثقيلة سابقاً) التي تأسست عام 1998 بنظام المناطق الحرة مستفيدة كذلك من قانون الاستثمار الجديد ويمتلك فيها أحمد عز 75.15 % من أسهمها. ثالثاً، شركة عز الدخيلة للصلب (الإسكندرية) التي كانت من سنواتٍ قليلة من ممتلكات قطاع الأعمال العام وكانت قد تأسست عام 1982، وعبر عمليات غامضة -كما تقول مجلة "أريبيان بيزنس" في تقريرها- استحوذ أحمد عز عليها عام 1998 وامتلك الآن 50.28 % من أسهمها، بعد أن كانت حصته فيها في ديسمبر كانون أول من العام 2007 نحو 53.52 %
تعمل في صناعة الحديد والصلب في مصر 19 شركة، منها واحدة فقط مملوكة للقطاع العام هي (شركة الحديد والصلب المصرية) التي بدأت منذ عام 1955، وبقية الشركات مملوكة للقطاع الرأسمالي الخاص. وتستحوذ الشركات الخاصة على نحو 90 % من إجمالي إنتاج ومبيعات السوق، وتستأثر شركات أحمد عز بحوالي 60 % من الطلب المحلي وأكثر من 50 % من الطلب الخارجي

وأحمد عز من مواليد يناير كانون ثانٍ عام 1959. دخل جامعة القاهرة وحصل على بكالوريوس هندسة واشتهر بأنه كان شاباً رومانسياً يحب الموسيقى الغربية. بدأ حياته عازفاً ضمن فرقة موسيقية بأحد فنادق القاهرة الشهيرة كما روى رجل الأعمال رامي لكح في دراسة أعدها معهد كارنيغي الأمريكي عن المقربين من جمال مبارك. والحقيقة أن أحمد عز كان يعزف الدرامز في فرقة "طيبة" التي أنشأها عام 1976 الشقيقان مودي وحسين الإمام. وطبقاً لرواية النائب طلعت السادات كان عز من أسرة مستورة في وضعها المالي تمتلك ورشة للحدادة، تطورت لتصبح محلاً لبيع الحديد


بدأ أحمد عز نشاطه الاقتصادي حينما تقدم للمهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان والتعمير آنذاك بطلبٍ للحصول على قطعة أرض في مدينة السادات لإقامة مصنع لدرفلة الحديد، كما بدأت استثمارات عز مع مشروع سيراميك الجوهرة، وأخذت صور أحمد عز تظهر للمرة الأولى على صفحات جريدة "الأهرام" في مطلع عقد التسعينيات

زاد ظهور عز إعلامياً ليتحدث عن استثماراته وظهر لأول مرة بجوار جمال مبارك في مؤتمر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 1996. منذ ذلك التاريخ حرص عز على الحفاظ على علاقته بجمال مبارك، وكان طبيعياً أن يكون من أوائل المساهمين عام 1998 في جمعية جيل المستقبل والتي بدأ بها جمال مبارك رحلة صعوده السياسي، ولم يفارقه عز بعد ذلك في أي محطة منها. من 1998 حتى 2000 جنى أحمد عز ثمار استثماراته وعلاقته وأصبح وكيلاً لاتحاد الصناعات
تعرضت شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب الدخيلة عام 1999 للانهيار ونقص السيولة بسبب سياسات الإغراق التي سمحت بها الحكومة للحديد القادم من أوكرانيا ودول الكتلة الشرقية فتقدم عز بعرض للمساهمة في رأس المال، وبالفعل تم نقل 500ر543 سهم إليه، واشترت شركة العز لحديد التسليح 9.9% من شركة حديد الدخيلة. وبعد شهر واحد تم إصدار ثلاثة ملايين سهم لصالحة بقيمة 456 مليون جنيه. بعد ذلك وفي شهر ديسمبر من السنة نفسها أصبح عز رئيساً لمجلس إدارة حديد الدخيلة على أساس ملكيته لـ27% من أسهم الدخيلة

بدأ عز مرحلة التزاوج مع السياسة عام 2000 عندما رشح نفسه لعضوية مجلس الشعب عن دائرة منوف مستنداًً على أصوات عمال مصانعه بمدينة السادات، وفي فبراير شباط 2002 ظهر عز قوياً في الحزب الوطني وأصبح عضواً في الأمانة العامة للحزب الوطني ضمن الموجة الأولى لانخراط رجال الأعمال الجدد في مجال العمل السياسي، وبعدها أصبح رئيساً للجنة التخطيط والموازنة في مجلس الشعب
في سبتمبر أيلول 2002 انعقد المؤتمر العام للحزب وأصبح عز عضواً في أمانة السياسات، ولم يكن مجرد عضو عادي بل كان من المسيطرين والمحركين الأساسيين، كما قال الدكتور أسامة الغزالي حرب بعد خروجه من الحزب

في عام 2003 سافر أحمد عز مع جمال مبارك إلى الولايات المتحدة، وفي عام 2004 حصل على منصب أمين العضوية وهو أخطر منصب داخل الحزب الوطني، وكان يشغله قبله كمال الشاذلي

في عام 2005 قام عز بتمويل حملة الرئيس مبارك الانتخابية، وحصل بعد ذلك على منصب أمين التنظيم والذي كان أيضاً يشغله كمال الشاذلي. تراوحت أسعار الحديد في عام 2001 من 1200 جنيه للطن حتى ارتفعت إلى 3600 جنيه في مارس آذار 2007 ووصلت إلى 7700 جنيه في 2008 (أحمد عز.. الصعود السريع للقمة، جريدة "اليوم السابع"، 23 مايو 2008)

وفي المرتبة الثامنة والأربعين من قائمة أغنى أغنياء العرب، نجد طلعت مصطفى بثروة قيمتها 1,5 مليار دولار. وإذا كان كثيرون ممن هم على قائمة الأغنياء قد تأثروا بالأزمة المالية العالمية، فإن العام 2008 كان أكثر صعوبةً بالنسبة لطلعت مصطفى، حيث مثل نجله هشام طلعت رجل الأعمال البارز وعضو مجلس الشورى المصري أمام محكمة بتهمة الاتفاق والتآمر مع ضابط الأمن السابق محسن السكري على قتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، والتي عُثِرَ عليها مقتولة في دبي في شهر يوليو تموز 2008
وتعد مجموعة طلعت مصطفى واحدة من أهم شركات الأعمال في مصر، ولها من الخبرة أكثر من عشرين عاماً في التطوير الصناعي. تمتلك الشركة فندق ومنتجع "فور سيزون"، وفي العام 1995 بدأت أعمال بناء فندق النيل بلازا، وعام 1996 بدأت أعمال بناء فندق شرم الشيخ، وأخيراً وفي العام 1998 بدأت ببناء لؤلؤة الإسكندرية وسان ستيفانو. ويشغل حالياً نجله الأكبر طارق (مواليد 1952 وخريج قسم الهندسة المدنية بجامعة الإسكندرية 1975 وهو أيضاً رئيس لجنة الإسكان في مجلس الشعب) منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب، خلفاً لشقيقه هشام، ويشغل الشقيق الثاني هاني طلعت مصطفى (مواليد 1955 وخريج قسم الهندسة المدنية بجامعة الإسكندرية 1978) منصب رئيس مجلس إدارة شركة الإسكندرية للإنشاءات، وهي أكبر شركات المجموعة والشركة الأم

وفي المركز التاسع والأربعين وبثروة قدرها 1,4 مليار دولار، يطل علينا اسم فايز صاروفيم المعروف بالفرعون المصري، وهو رجل أعمال متمسك بسياسات متشددة، وهي الطريقة التي كدس بها 1.5 مليار دولار، بشراء مخزون بشركات كبيرة، والسيطرة عليها في الأوقات الجيدة والسيئة
وفايز صاروفيم نجل مزارع القطن المصري الثري حصل على شهادته من جامعة كاليفورنيا وهارفارد. في الثلاثين من عمره أسس بنك فايز صاروفيم وبنك الاستثمار، في العام 1958، برأسمال مليون جنيه حصل عليها من والده


واليوم، تدير الشركة استثمارات محافظ لشريحة واسعة من الزبائن، بالإضافة إلى خطط معاشية، ومؤسسات، وهبات بقيمة إجمالية تصل 34 مليار دولار. أدار صاروفيم –الذي يعيش في هيوستون بولاية تكساس الأمريكية- صفقاتٍ تسويقية ليحصل على حساباتٍ رئيسية مبكراً، وربح عقود إدارة لصناديق المعاشات التقاعدية في شركة موبيل، وجنرال الكتريك وفورد

وفي عام 2008 مرت صناديق التقاعد العمومية الأمريكية بأسوأ سنة في تاريخها، وهو ما دفعها للضغط على حكومات الولايات لدعمهم. في نهاية شهر سبتمبر أيلول 2008 بلغ معدل الخسارة في صناديق المعاشات 14.8 بالمئة
خطوة صاروفيم الكبرى كانت بتقديم منح رايس الجامعية، كما أقام متحف هيوستون للفنون بـ 300 مليون دولار كهبة أيضاً. ثروته كدست بناءً على مراهنات على شركات كبرى كفيليب موريس وبروكتور آند غامبل بسياسة البيع والشراء التي يبيعها ببيع الخسارة ومضاعفة الأرباح، وهي عكس سياسة المستثمرين الآخرين

يعتقد صاروفيم –وهو أبٌ لخمسة أبناء- بأن الشركات الثلاث التي تتربع على القمة في مجال الصناعة سوف تدر أرباحاً كثيرة، وهو يراهن على مخزون الشركات وعلى الرؤية الواضحة للنمو المستقبلي. كما أنه يستثمر على المدى الطويل مع زبائنه، ويقلب فقط خمسة بالمئة من محافظه سنوياً. وبالرغم من نجاحه فإنه مر بأوقات عصيبة، ومن ذلك مثلاً عندما خسر نحو 475 مليون دولار في عام 1992 عندما خفض عملاق التبغ الأمريكي فيليب موريس أسعار علب السجائر الخاصة به

ومن رحم هؤلاء وغيرهم، تُولَدُ وتُسطَرُ كل يومٍ فصولٌ جديدة في كتابٍ ضخم اسمه: قصة الثروة والأثرياء في مصر

| | تابع القراءة »

أثرياء مصر زمان..والآن (16): مليونيرات المعونة الأمريكية



دخلت مصر عصر التضخم الموجع منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، ولعل هذا-إلى جانب الديون الخارجية- كان أثقل ما تركه الرئيس السادات من إرثٍ اقتصادي للرئيس مبارك
غير أنه لاح في الأفق بعد سنواتٍ قلائل قرص إسبرين خارجي اسمه: المعونة الأمريكية
إذ إنه مع إبرام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 تدفقت المعونة الأمريكية على مصر، وكانت تقدم على شكل برامج سنوية لإعادة تأهيل البنية الأساسية المدنية. بدأ التطبيق عام 1983 بتخصيص 200 مليون دولار للاستيراد السلعي، وقد تميز البرنامج بميزة مغرية هي وجود سعر ترجيحي للدولار، فالدولار يساوي جنيهاً ورجل الأعمال الذي يستورد بضائع قيمتها مليون دولار يسدد مليون جنيه ويتم السداد على فترات تمتد من 3 إلى 7 سنوات، وهو ما ساعد رجال الأعمال على الاستفادة من فرق السعر
كما منح البرنامج أولوية توريد السلع للشركات القائمة بتنفيذ البرامج الأخرى في مختلف التخصصات. وهكذا توفر لهؤلاء التحويل ذو الشروط الميسرة وتوزيع السلع بسهولة وأيضاً شروط سداد سهلة، ما أدى إلى ظهور طبقة جديدة سماها البعض مليونيرات المعونة الأمريكية، من أمثال مصطفى البليدي وإلهامي الزيات وغيرهم
وتصدر هؤلاء قوائم الأغنياء في مصر، إلى جانب أسماء مثل د. أحمد بهجت - صاحب قناة دريم الفضائية ودريم بارك ودريم لاند وشركة جولدي للأجهزة الكهربائية- ود. عبد المنعم سعودي – الذي بدأ بتجارة وتجميع السيارات اليابانية وخصوصاً من ماركة "سوزوكي" ثم امتد نشاط عائلته إلى مجالات المنسوجات والإنشاءات وغيرها- ومحمد نصير، ومحمد منصور، وإبراهيم كامل، وحسين سالم، وحمزة الخولي، ومحمد شتا، وآل غبور، ومحمد فريد خميس، وآل الهواري، ومحمد جنيدي، وحسن راتب، وحسام أبو الفتوح
في غضون ذلك، كان العالم يتغير، لتتغير معه مصر
ففي السنوات الخمس الأولى من عهد مبارك، استمرت مصر في الاقتراض من الخارج حتى بلغ إجمالي الديون الخارجية ٤٥ مليار دولار، أي بزيادة قدرها ٥٠% في خمس سنوات وهو معدل، رغم خطورته، أقل بكثير من معدل زيادة الديون في عهد السادات
في ١٩٩٠ كان مبلغ خدمة الديون المستحقة على مصر قد ارتفع إلى ٦ مليارات دولار أي ما يمثل ٥٤% من قيمة جميع صادرات مصر من السلع والخدمات. وفي ظل تطورات حرب الخليج نتيجة الغزو العراقي للكويت في أغسطس آب 1990 ومشاركة مصر في تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة لتحرير الكويت، حصلت مصر على إعفاءات كبيرة من ديونها. أعفيت مصر أولاً من جانب الولايات المتحدة ودول الخليج من ديون قدرها ١٣.٧ مليار دولار، ثم دعيت مصر إلى عقد اتفاق في مايو أيار ١٩٩١ مع الدول (نادي باريس)، أسفر عن إعفاء مصر من ٥٠% من ديون أخرى على مراحل
ترتب على هذا أن انخفضت ديون مصر الخارجية من ٤٧.٦ مليار دولار في يونيو حزيران ١٩٩٠ إلى ٣٤ ملياراً في فبراير شباط ١٩٩١ ثم إلى ٢٤ مليار دولار في منتصف ١٩٩٤ أي نصف ما كانت عليه في منتصف ١٩٩٠
ومع تعاظم الثروة لدى البعض في مصر، ظهر نوعٌ من التزاوج بين الثروة والسلطة، فأصبح من المألوف أن يصبح نجوم البيزنس نجوم سياسة أيضاً، مثل محمد أبو العينين وطلعت السادات ورامي لكح
في 18 يناير كانون ثانٍ 1995 ألقى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل محاضرته الشهيرة والأخيرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب. بدت المحاضرة التي نُشِرَت لاحقاً في كتاب محاولةً مبكرةً لمناقشة أعراض أزمةٍ اتضحت ملامحها تدريجياً
وربما يذكر من حضروا تلك المحاضرة – أو من قرأوا نصها لدى نشرها لاحقاً- كيف صدمهم هيكل بعرض تقريرٍ وضعته مجموعة دولية عن المؤشرات الطبقية الجديدة في مصر (حتى عام 1995)، إذ قال:
"والصورة تشير إلى ما يلي:
- في مصر 50 فرداً ثروة كل واحد منهم ما بين 100 إلى 200 مليون دولار وأكثر
- وفي مصر 100 فرد تتراوح ثروة كل منهم ما بين 80 إلى 100 مليون دولار
- وفي مصر 150 فرداً تتراوح ثروة كل واحد منهم ما بين 50 إلى 80 مليون دولار
- وفي مصر 220 فرداً تتراوح ثروة كل واحد منهم ما بين 30 إلى 50 مليون دولار
- وفي مصر 350 فرداً تتراوح ثروة كل واحد منهم ما بين 15 إلى 30 مليون دولار
- وفي مصر 2800 فرد تتراوح ثروة كل واحد منهم ما بين 10 إلى 15 مليون دولار
- وفي مصر 70 ألف فرد تتراوح ثروة كل واحد منهم ما بين 5 إلى 10 ملايين دولار
ويتابع هيكل في محاضرته قائلاً: "وإذا أخذنا الأرقام الخمسة الأولى من هذا الجدول فإننا في مصر أمام حوالي ألف فرد استطاعوا في العشرين السنة الأخيرة أن يصبحوا أصحاب ثروات هائلة لا تتناسب مع الحقائق الاقتصادية أو الحقائق العلمية السائدة في البلد. وقد جاءت هذه الثروات الهائلة فى معظمها من عمليات تقسيم وبيع الأراضي والعقارات وما يتصل بها، ومن التوكيلات التجارية التي لا يعرف أحدٌ حسابها، ومن احتكار بعض السلع كالأسمنت والحديد والسكر واللحوم (بما فيها اللحوم الفاسدة)، ثم إن بعضها – وهو ليس قليلاً – جاء من عمولات تجارة السلاح
"ولقد كنا نقبل -ونسعد ونبارك- لو أن هذه الثروات نتيجة لعملية الإنتاج بالمنطقة والرأسمالي السليم القائم على الاستثمار وقبول مخاطره والقائم على احترام القوانين والتزام ضوابطها، والقائم على دفع الضرائب والرضا بتكاليفها
"لكن الواقع الحي أمامنا أنه – في معظم الأحيان وباستثناء لا تزيد نسبته على عشرة في المئة فقط- لم يكن الأمر هو الاستثمار ومخاطره وإنما الاستغلال ونفوذه، ولم يكن القانون وضوابطه وإنما الدوران حوله والاستهتار به، ولم تكن الضرائب العادلة في تكاليفها وإنما الضرائب على أضعف الطبقات قدرة على أدائها وأقلها فرصة في الهرب أو التهرب منها!" (محمد حسنين هيكل، باب مصر إلى القرن الواحد والعشرين، دار الشروق، القاهرة، 1996)
ثم يظل من المفارقات أن مصر - وهي واحدة من البلدان الموضوعة في قوائم الدول الفقيرة- تستورد أكبر نسبة من سيارات "مرسيدس" في العالم بالقياس إلى عدد سكانها، طبقاً للبيان السنوي (عام 1993) لشركة السيارات الألمانية ذاتها
الإيقاع المتسارع لأصحاب الأعمال الجدد دفع العديد من البنوك – نتيجة الرغبة في الاستثمار، أو الخضوع لضغوط أهل النفوذ، أو بسبب شبهات فساد- إلى فتح خزائنها لمنح قروضٍ، كان بعضها دون ضماناتٍ كافية للسداد
وطبقاً لما جاء في النشرة الاقتصادية لوزارة الاقتصاد عام 2000 فإن جملة ما منحته البنوك من قروض يصل إلى 207 مليارات دولار منها نحو 20 ملياراً تعثر أصحابها في سدادها بنسبة 6% تقريباً، ما جعل بنوك القطاع العام تزيد من المخصصات رغم مركزها المالي لمواجهة الديون المشكوك فيها إلى 27 مليار دولار طبقاً لتقرير البنك المركزي عن الفترة من يوليو تموز إلى سبتمبر أيلول عام 1999
وفي دراسة للدكتورة سلوى العنتري مدير البحوث بالبنك الأهلي المصري تكشف أن القطاع الخاص يحصل علي 52% من القروض بلا ضمانات من الجهاز المصرفي استناداً على سلامة المركز المالي. وتشير الدراسة إلى أن أكبر 20 عميلاً يحصلون على 10% من جملة التسهيلات والقروض الممنوحة من البنوك، وأن 250 رجل أعمال حصلوا على 36% من جملة التسهيلات والقروض للقطاع الخاص وأن نسبة القروض المتعثرة تعدت نسبة 20% من إجمالي القروض
وقد رصد د. حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي بأكاديمية السادات أن 36 مليار دولار خرجت من مصر أو هربت منها أثناء عام 1998 فقط، منها تحويلات بنكية وشهادات إيداع دولية وتحويل عمليات استيراد منها 25 مليار دولار في صورة خفية
وهكذا بدأ هروب رجال وسيدات أعمال بملايين الدولارات من أموال البنوك أو ضحايا شركات توظيف الأموال: هدى عبد المنعم، أشرف السعد، جورج إسحق حكيم، محمد الجارحي، رامي لكح، وآخرون
وكلهم كانوا مليونيرات، وإن يكن ذلك من المال العام
وظهر في ربوع مصر رجال أعمال أنشأوا دولة نفوذ خاصة بهم داخل كل محافظة، تم توريثها إما سياسياً أو عائلياً أو مالياً وحزبياً. ففي الإسكندرية، يبرز اسم محمد فرج عامر رجل الأعمال وعضو الشورى بالتزكية ورئيس مجلس إدارة نادي سموحة الرياضي. ومن هؤلاء أيضاً عبد السميع الشامي في محافظة الغربية، والنائب بلال السيوي في محافظة مطروح، ورجل الأعمال وعضو مجلس الشورى محمد عبد المنعم الشهير بأحمد الكاجوجي في محافظة أسوان، وغيرهم (طغاة المحافظات.. رؤساء بدون قرار جمهوري، جريدة "اليوم السابع"، 30 أكتوبر 2008)
على أن أياً من أصحاب تلك الأسماء التي سبق ذكرها لم يكن ضمن قائمة أغنى الأثرياء في بر مصر، في مطلع الألفية الثالثة

| | تابع القراءة »

أثرياء مصر زمان..والآن (15): جيل السداح مداح



في عام 1950 كان أحمد عبود باشا ومحمد أحمد فرغلي باشا بالإضافة إلى الأمير محمد عبد المنعم، يتصدرون قوائم الأغنياء، مع وجود آل البدراوي وعاشور وآل سراج الدين
والأمير محمد عبد المنعم (1899-1979) هو الابن الأكبر للخديو عباس حلمي الثاني. وُلِدَ في قصر عابدين في القاهرة، وكان ولي عهد أبيه. تزوج من الجميلة نسل شاه، وله قصرٌ شهير في المنيل. رأس اللجنة الأوليمبية المصرية في الفترة بين 11 مايو أيار 1934 و18 يناير كانون ثان 1938. وتولى رئاسة مجلس الوصاية على الملك أحمد فؤاد الثاني من 26 يوليو تموز 1952 إلى 18 يونيو حزيران 1953 عندما تم إعلان الجمهورية برئاسة محمد نجيب. ظل في مصر حتى مات عن 80 عاماً
وإضافة إلى الأسماء السابق ذكرها، فقد برز بشكل رسمي اسم الملك فاروق الذي ورث عن أبيه ثروة طائلة
وفي العدد الصادر من مجلة "المصور" في 5 ديسمبر كانون أول عام 1952 نطالع قوائم دقيقة لثروة فاروق الحقيقية. ففي مجال الأطيان والأرض الزراعية تبين أن مجموعها 24 ألفاً و73 فداناً و16 قيراطاً، وكان لفاروق دخلٌ آخر يحصل عليه من ريع الأوقاف يقدر بنحو مليون و365 ألف جنيه.. هذا بخلاف دخلٍ سنوي كبير يقدر بحوالي 300 ألف جنيه يستولي عليه بصفته ناظراً على عددٍ من أوقافٍ أخرى يبلغ عددها 14 وقفاً
أما دخل فاروق من الأسهم التي كان يملكها في الشركات فيبلغ ثلاثة ملايين و398 ألفاً و145 جنيهاً. وكان فاروق يملك 71 سيارة خاصة به غير السيارات الملكية "الحمراء" والسيارات المخصصة لرجال الحاشية والقصر، ومن هذه السيارات الخاصة بالملك السابق سيارات كاديلاك ومرسيدس ورينو وكورد وفيات ولينكن وفورد وشيفروليه وجيب ليموزين وتوربين للسباق. أما اليخوت واللنشات فيبلغ عددها عشرين قطعة، قدر ثمنها بنحو 58 ألف جنيه. وهناك ممتلكات أخرى تتمثل في الأثاثات التي ملأت قصري الطاهرة والبستان واستراحات وادي الرشراش والغردقة والمعمورة
وفي أعقاب قيام ثورة يوليو 1952 وتنازل فاروق عن العرش لابنه الملك أحمد فؤاد الثاني، عادت قوائم أغنى أغنياء مصر لتخلو من اسم الحاكم، فالملك الصغير لم يكن يمتلك الكثير
وأدت القرارات والإجراءات التي اتخذتها الثورة مثل الإصلاح الزراعي ومصادرة أموال وممتلكات أسرة محمد علي، إلى تقليص قوائم الأغنياء التي انتهت تماماً بعد صدور قرارات التأميم، حيث صارت الدولة تمتلك كل شيء
وعلى استحياء، برزت أسماء لأثرياء منخرطين في العمل الوطني، من عينة التاجر العصامي والبرلماني سيد جلال (1901-1987)، الذي لم يكن فقط "ابن بلد" كما شاع عنه، ولا كان فلاحاً أصيلاً فقط، ولا كان تاجراً أو رجل صناعة كبيراً، وكفى.. ولكنه، في الأساس، اشتهر بأنه أحب شيئاً وحيداً، كان هو المفضل إلى قلبه، وهو استصلاح الأراضي البور، وتحويلها، بضربة من يده، إلى أرض حية، تبعث على الفرح والبهجة
ومن مجرد ساعٍ في شركة أجنبية لتجارة الغلال يملكها يوناني، إلى وكيل الشركة، قبل أن يعمل مستقلاً في الاستيراد والتصدير وتشييد المصانع المنتجة. وكان سيد جلال يقترب من سن الستين حين اشترى شركة غارقة في الديون هي شركة الصناعات المتحدة في شبرا الخيمة، ليتمكن من الوفاء بديونها وتحويلها إلى شركة تحقق أرباحاً
أما على الصعيد البرلماني، فقد خاض الأب الروحي لدائرة باب الشعرية معارك عدة لاستصدار قوانين وتشريعاتٍ مختلفة، مثل استغلال النفوذ، ومحاكمة الوزراء، وخفض الإيجارات الزراعية. ولعل أبرز إنجازاته هو نجاح حملته لمكافحة البغاء العلني، وهو ما أسفر عن إلغاء البغاء عام 1947
وحين توفي، كتب المهندس عثمان أحمد عثمان مؤسس شركة "المقاولون العرب" مقالاً قصيراً نشرته جريدة "الجمهورية" في 7 يناير كانون ثانٍ 1987 تحت عنوان "سيد جلال.. الإنسان..ابن البلد.. المدرسة"، قال فيه "لم يكن سيد جلال رجلاً عظيماً بماله وبما حققه، ولكن عظمته في أنه كان يعطي دون أن يتوقف عن العطاء"
انتهى عقد الستينيات في القرن العشرين، والمصريون لا يشعرون بفارق هائل بين أغنيائهم وفقرائهم، في ظل وضعٍ عام تسير فيه القاطرة ببطء شديد.. لكنها تسير. بل إن البعض يجادل بأن مصر بدت في نهاية ذلك العقد أكثر تصنيعاً بكثير مما كانت في بدايته، بالرغم من تراجع المعونات الخارجية ثم نشوب حرب يونيو حزيران ١٩٦٧
وجاء عصر السادات
كانت ديون مصر الخارجية عند وفاة عبد الناصر خمسة مليارات دولار، لكنها تضاعفت بسرعة في ظل الضغوط الاقتصادية ثم حرب أكتوبر تشرين أول 1973. وفي عام ١٩٧٥ قال السادات إن حالة الديون خطيرة ووصف الاقتصاد المصري بأنه بلغ درجة الصفر، ولكنه برر ذلك بقوله: إن أحداً لم يخبره من قبل بخطورة الأمر، كما ذهب إلى أن الأرقام التي عُرِضَت عليه كان يظن أنها بالدولارات ثم تبين له أنها بالجنيهات الإسترلينية
كانت مصر مطالبة بدفع ٢٠٨٤ مليون دولار في ١٩٧٥وحدها سداداً لأصل وفوائد الديون قصيرة الأجل التي كانت تشكل نحو ثلث إجمالي القروض المصرية وكانت أسعار فوائدها تتجاوز أحياناً ١٥% وكان المبلغ المذكور يعادل ٧٨% من حصيلة الصادرات المصرية كلها في ذلك العام
في تلك الفترة، حاول الرئيس أنور السادات إنشاء طبقة أو شريحة رأسمالية عن طريق سياسة الانفتاح الاقتصادي والقوانين التي سُنَت على عجلٍ للتحول تدريجياً من القطاع العام إلى القطاع الخاص. وكان من نتاج هذه السياسة ظهور طبقةٍ طفيلية استغلت صلتها بالسلطة في تحقيق ثراءٍ غير مشروع. وظهرت مجموعاتٌ حققت ثرواتٍ مالية سريعة عن طريق الاتجار في العملة وتهريب المخدرات، كما نشأت طبقة من الأثرياء الجدد في مصر، الذين أُطلِقَ عليهم وصف أثرياء الانفتاح
وفي ظل ما أطلق عليه أحمد بهاء الدين وصف "انفتاح السداح مداح"، وقعت ثلاث ظواهر مهمة، فقد انتشرت الرأسمالية العائلية، واختلطت السياسة بدوائر المال والأعمال، وبالتالي تطورت أشكال الفساد وآلياته. ويعلق الأديب والروائي يوسف القعيد على تلك الفترة بأنها فترة "المظليين" الذين ينقضون من السماء على المواقع ليحتلوها أو ليدمروها
الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، يقول في كتابه "خريف الغضب" في صفحة 328 بعنوان "النهب المنظم": "إن مصر في تلك الحقبة أصبحت مفتوحة للوسطاء والسماسرة والأجانب بحللهم الأنيقة وأحذيتهم اللامعة ومواكبهم الفخمة، وتم تطويق القطاع العام خاصة في مجال انتزاع صفقات السلاح، وتم فتح الباب على مصراعيه أمام الوكلاء لكل شيء من كل حدب وصوب (الانفتاح)، حتى وقف المستشار الفذ ممتاز نصار في مجلس الشعب عام 1980 يصرخ "إن مصر بها الآن 17 ألف مليونير .. ربما 7 آلاف منهم حصلوا على أموالهم بدون فساد، وحوالي 10 آلاف حصلوا على أموالهم بدون سند ومبرر قانوني"
ووقف أنور السادات يوماً ما يخطب في الشعب، ويقول: "لا..للأحقاد وترويج الإشاعات ضد الناجحين..نحن بلد مؤسسات..وكل من يخرج عن القانون يحاسب بمؤسسات الدولة"، لكن البعض كان يشير في أسى إلى أغنياء مصر الجدد: عصمت السادات -شقيق الرئيس السابق نفسه- ورشاد عثمان، وتوفيق عبد الحي، وثلاثتهم خضعوا في أوقاتٍ لاحقة للتحقيق على يد جهاز المدعي العام الاشتراكي
فقد أثيرت اتهامات بشأن أموال عصمت السادات، وسط شبهاتٍ بأنه أساء استغلال اسم الرئيس لتحقيق مكاسب وأرباح طائلة
وفي أعقاب حادث المنصة في 6 أكتوبر تشرين أول 1981، تبين أن حجم الثروة التي كوّنها عصمت في عهد أخيه الرئيس السادات، تمثل إمبراطورية ضخمة. فقد اتضح أن ممتلكات هذا الشقيق الذي لم يكن له حظٌ كبير من التعليم، تشمل أراضي زراعية، وأراضي بناء، وفيلات وعمارات، ومحال تجارية ومصانع ومخازن وورش، وسيارات ركوب ولوريات نقل، ووكالات للاستيراد والتصدير، وشركات للمقاولات، وأن هذه الشركات والعقارات كانت تمتد من أقصى شمال الجمهورية إلى أقصى الجنوب
ألقي القبض على عصمت السادات وتم الحجز على أمواله المنقولة، وحققت معه أكثر من 22 لجنة من جهاز المدعي الاشتراكي الذي كان يترأسه عام 1982 المستشار عبد القادر أحمد علي. وصدر حكمٌ بمصادرة أموال عصمت السادات وأبنائه تنفيذاً لحكم نهائي صادر من محكمة القيم في 12 فبراير شباط 1983 برئاسة المستشار أحمد رفعت خفاجي نائب رئيس محكمة النقض
بدت حيثيات الحكم كأنها إدانة لعصرٍ بأكمله
فقد أدانت محكمة القيم من قالت إنهم: "انقلبوا كالثعالب الضالة يتصيدون ضحاياهم ويمتصون دماءهم ويخربون اقتصاد مصر ويلتهمون من خيراتها ويفسدون الحياة السياسية في البلاد، لا هم لهم إلا السطو والنهب وجمع المال والاستيلاء علي الغنائم مسلحين بالجشع والأنانية وحب الذات ومتخذين الحيلة والنصب والوساطة والرشوة وفرض الإتاوات بالإرهاب والتهديد ركاباً إلى إثمهم وعدوانهم بغرض الكسب السريع، دون اكتراث بأحكام القانون ودون النظر إلى أنهم بذلك يخرجون على مبادئ القيم ويخالفون أبسط قواعد الأخلاق، ذلك أنهم نفوس لهثت وراء الثراء فداست بأقدامها كل القيم الإنسانية والانسان أيضاً، مما يصدق عليهم وبحق أنهم عصابة المافيا التي ظهرت في مصر ونشرت فسادها في أرجاء البلاد"
وقالت المحكمة أيضاً: "في الوقت الذي يعيش فيه أفراد الشعب تحت وطأة الحاجة، ظلت هذه الفئة الطفيلية تسرح وتمرح دون رادع إلى أن استطاعت بوسائلها الخبيثة تكوين ثروات طائلة تقدر بالملايين من الجنيهات بالنسبة لكل واحد منهم، كل ذلك بعد أن انقضوا على كل ما هو محرم، فارتكبوا من الأفعال الضارة بالمجتمع ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، إذ تخشبت قلوبهم، وتكلست ضمائرهم، ولم يرحموا مصر وهي تشكو وتئن من اقتصادٍ مرهق يعيش أغلب الناس فيه تحت حد الفقر، معتقدين أنهم بمنأى عن مخالب القانون وأنيابه، وأنهم أسياد مصر وفوق المحاسبة ومتناسين أن الله يمهل ولا يهمل وأن يوم الحساب لا ريب فيه، فسطوة القانون قائمة ولا أحد فوق المساءلة ولا أحد فوق القانون"
ورصدت المحكمة الأموال التي أصدرت قراراً بمصادرتها على الوجه التالي:
الأب عصمت السادات أكثر من 23 مليوناً
محمد أنور عصمت السادات أكثر من 21 مليوناً
طلعت عصمت السادات أكثر من 59 مليوناً
جلال السادات أكثر من 19 مليوناً
نادية عصمت السادات أكثر من مليون جنيه
وكان المجموع الكلي أكثر من 124 مليون جنيه
وتعد قضية رشاد عثمان الشهيرة بالإسكندرية مثالاً صارخاً لتلك الطبقة التي نشأت في عهد السادات
إنها قصة عامل ميناء بالإسكندرية كان يتقاضى 30 قرشاً، إلى أن حقق المدعى الاشتراكي معه فيما بعد في أموال وممتلكاتٍ بلغت قيمتها 300 مليون جنيه
حكم رشاد عثمان الإسكندرية بوعدٍ شفوي من السادات له الذي قال له ذات مرةٍ: "الإسكندرية أمانة في رقبتك يا رشاد"، فقد تصرف في عروس الثغر باعتبارها إقطاعية ورّثها له الرئيس. وتحول رشاد عثمان من تاجرٍ بسيط إلى أشهر مليونير في مصر الثمانينيات، بعد أن قفزت ثروته فجأة بفضل مخازن الأخشاب التي أخذ يمتلكها، ودوره في الجمرك وميناء الإسكندرية، حتى أصبح مالك المدينة
بدأ رشاد عثمان نشاط أعماله التجارية في الإسكندرية منذ عام 1964 وذلك في تجارة وتوزيع الأخشاب في السوق المحلية من خلال شركات القطاع العام. وفي عام 1972 أسس أولى شركاته وهي "شركة القاهرة للنقل بالسيارات". وفي ظل سياسة الانفتاح أسس "شركة رشاد عثمان للأعمال البحرية" وذلك في عام 1978. وفي غضون فترة وجيزة، نجحت هذه الشركات توسيع قاعدة أنشطتها لتمتد إلى الملاحة والسفن التجارية، والاستثمار العقاري. كما استغل رشاد صلته القوية بعثمان أحمد عثمان صهر السادات في الحصول على أموال وممتلكات مختلفة، بينها شقتان بالمعمورة أهدى واحدة منها إلى صديقه الوزير واحتفظ بالأخرى لنفسه
ولم تسقط دولة رشاد عثمان إلا بعد عامين من رحيل الرئيس السادات. وقد انتهى على الرغم من كل ما كان يتمتع به من نفوذٍ إلى المحكمة، حيث صرخ في قفص الاتهام بأعلى صوته "الله ينتقم منك يا عثمان"
أما رجل الأعمال توفيق عبد الحي فقد فر في 18 فبراير شباط 1982 إثر الإعلان عن ضبط صفقة استيراد دواجن فاسدة (1426 طناً) كانت على وشك التوزيع على منافذ البيع، بجانب قضايا مالية أخرى، بعد أن حصل على ما لا يقل عن 15 مليون دولار من ثلاثة بنوك كبرى بلا أي ضمانات أو مستندات
وتوفيق عبد الحي، عضو الاتحاد الاشتراكي وقيادي التنظيم الطليعي وعضو الحزب الوطني، وأحد المقربين إلى "المعلم" عثمان أحمد عثمان صهر الرئيس الراحل أنور السادات، هو ابن جيل السبعينيات و"فتى التنمية الشعبية المدلل". وإذا كانت محكمة أمن الدولة العليا قد برأته في 28 إبريل نيسان 1994، فإنه ظل متخوفاً من العودة إلى مصر، خصوصاً أنه أُدرِجَ على قوائم الممنوعين من السفر إلى الخارج، بقرارٍ سابق من المدعي العام الاشتراكي
وفي حديثه مع "المصري اليوم" بتاريخ 29 أكتوبر تشرين أول 2006، قال توفيق عبد الحي إن "الرئيس السادات أصدر قراراً بمنح "إيريك" قرضاً من بنك التسليف الزراعي وقعَ عليه نائب الرئيس ورئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني حينئذ حسني مبارك وبفائدة ٣% فقط بغرض إنشاء منافذ توزيع، وكنت باعمل كل حاجة بدعم من السادات وعثمان"
على أن أبرز مليونيرات عصر السادات كان صهره وصديقه المقرب: عثمان أحمد عثمان
ففي عهد السادات، كبرت شركة "المقاولون العرب" وتضخمت، وتحولت إلى "شركة الوزراء"، على حد وصف ديفيد هيرست مراسل صحيفة "غارديان" البريطانية، إذ كان يعمل لدى عثمان في وقتٍ من الأوقات - حسب قول الجريدة البريطانية- 30 وزيراً ومستشاراً ومحافظاً ومسؤولاً، شغلوا مواقع حساسة
مجلة "فورتشن" الأمريكية وضعت عثمان أحمد عثمان في الترتيب رقم (65 مكرر) ضمن قائمة عام 1988 لأغنى أغنياء العالم، بثروةٍ قدرها 1.5 مليار دولار، ووصفته بأنه "أكبر البنائين في مصر منذ عصر الفراعنة"
((The 1988 Billionaires Ranked by Assets, Fortune magazine, 12 September 1988
ولعل عثمان أحمد عثمان هو أول ملياردير في مصر، على الأقل وفق الأرقام الرسمية المعلنة والموثقة في مجلات مالية متخصصة. وربما لا ينافسه على أسبقية اللقب سوى مصريين جمعوا ثروتهم في الخارج، أولهم محمد عبد المنعم فايد - المعروف باسم محمد الفايد- مالك متجر "هارودز" ونادي فولام لكرة القدم في بريطانيا، والمولود في 27 يناير كانون ثانٍ 1933
شارك عثمان و"المقاولون العرب" في بناء مدن جديدة، مثل مدينة العاشر من رمضان،‏ ومدينة السادات،‏ ومدينة الملك خالد،‏ ومدينة العبور،‏ ومدينة ‏15‏ مايو.‏ كما كان السادات في حاجة إلى عثمان كي يتولى توسعة قناة السويس بعد تطهيرها من الألغام، بهدف استثمارها كممر رئيسي للملاحة الدولية. والعلاقة بين السادات وعثمان أحمد عثمان وصلت إلى مستوى المصاهرة، بعد أن تزوج نجله محمود عثمان من جيهان (نانا) ابنة السادات في 2 يناير كانون ثانٍ 1977

في المقابل، كان المهندس عثمان أحمد عثمان، يؤكد أنه ليس الأغنى في مصر، مشيراً إلى أن ثروة أشرف مروان –زوج منى جمال عبد الناصر- بلغت في منتصف السبعينيات بأكثر من ٤٠٠ مليون دولار، وأنه لا يمتلك ١٠% من الذي يمتلكه مروان
وفي عهد السادات، أخذت الهوة بين الأغنياء والفقراء تتسع أكثر، وبدا ذلك جلياً في انتفاضة 18 و19 يناير 1977. وبالرغم من وعود الرخاء الاقتصادي، والتشديد على مفهوم السلام بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل، فإن الاقتصاد المصري ظل يعاني من مشكلات الديون الأجنبية
عندما اغتيل السادات في 6 أكتوبر ١٩٨١، كانت ديون مصر الخارجية قد زادت إلى ثلاثين مليار دولار، أي أن إجمالي مديونية مصر الخارجية تضاعف أثناء حكم السادات نحو ستة أمثال ما كانت عليه الحال قبل توليه السلطة
ومن هذه النقطة تحديداً بدأ عهد مبارك

| | تابع القراءة »

أثرياء مصر زمان..والآن (14): أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيس





ارتبط اسمه بالعصر الذهبي لحافلات النقل العام في مصر

إنه عبد اللطيف أبو رجيلة

ابن مدينة إسنا الصعيدية، المولود في أم درمان في السودان، والذي تعلم وعمل في البداية في القاهرة، واكتسب الخبرة العلمية والعملية في لندن وروما، فكانت الصفقة الأولى في إيطاليا، ثم حقق الشهرة والنجاح في القاهرة من جديد، قبل أن يتوزع نشاطه بعد التأميم بين إيطاليا والسودان، لتنتهي الرحلة في مصر وسط الحسرة على الحلم الضائع

رحلةٌ زاخرة بالتفاصيل المثيرة

بعد التعليم الأولي في السودان، جاء أبو رجيلة إلى القاهرة، والتحق بالمدرسة السعيدية الثانوية. وفي الجامعة التحق بكلية التجارة، وكان يعول نفسه بممارسة عمل تجاري على نطاق ضيق مع بعض أقاربه
عمل عبد اللطيف أبو رجيلة بعد تخرجه في بنك مصر، وأخذ يتعلم ويستفيد من تجربة أستاذه: طلعت حرب
كان أبو رجيلة يعتبر نفسه تلميذاً في مدرسة طلعت حرب -الذي لم يصل يوماً إلى قائمة أغنى أغنياء مصر بالرغم من دوره الاقتصادي الكبير- وكان يؤمن بأن النجاح، كهدف، ينبغي أن يسبق جمع الثروة، لدى أي رجل أعمال، وأن المال يجب أن يجري في مشروعات طول الوقت، ولا يتكدس في البنوك لحظة واحدة!
بدأ رحلة الاستيراد والتصدير برأسمال متواضع: 34 جنيهاً

اشترى أبو رجيلة آلة كاتبة ومكتباً وطوابع بريد، وعيّن موظفاً ليعاونه بمرتبٍ لا يزيد عن خمسة جنيهات في الشهر، وانطلق في مشروعه الجديد

يقول في حديثٍ له مع سكينة السادات (مجلة المصور، مارس آذار 1959): "كانت السنة الأولى في هذا العمل سنة كفاح بل سنة حرب، واجتزت معارك السنة الأولى، وبدأت معارك السنة الثانية، وبعد ثلاث سنوات أخرى، سارت سفينة العمل في الطريق الصحيح، وبدأت تتجه إلى بر الأمان
"ومضيت في طريقي هذا حتى غمرتني الملايين كما يقولون، وما زلت – وأنا في غمرة ملاييني- أذكر رأسمالي العظيم الذي تدفقت منه هذه الملايين. لقد كانت أربعة وثلاثين جنيهاً عظيمة حقاً، لأنها أنبتت أضعاف أضعافها، كأنها الحبة المباركة التي وصفها القرآن الكريم بأنها أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة"

عملٌ شاقٌ ونجاح وصعود، ثم إفلاس وهبوط. كانت ثروة أبو رجيلة كلها في موانيء إيطاليا ممثلة في كميات كبيرة من البضائع، وضاع كل شيء في غارات الحرب العالمية الثانية التي طالت بالدمار الأغلب الأعم من الأراضي الإيطالية. أصبح وفق تعبيره الساخر "على الحديدة"، لكنه لم يعرف اليأس، وعاود الصعود إلى القمة (مصطفى بيومي، عبد اللطيف أبو رجيلة "إمبراطور الأتوبيس"، سلسلة رواد الاستثمار، مركز إعداد القادة لإدارة الأعمال، وزارة المالية، مصر، 2008)

عاش أبو رجيلة في إيطاليا سنواتٍ طويلة قبل ثورة يوليو 1952، وتزوج من إيطالية تدعى لندا، كانت صديقة دراسة لابنة أسرةٍ مصرية تعيش هناك. ويشير أبو رجيلة إلى أن لندا صعيدية إيطالية مثلما هو صعيدي مصري، فهي من منطقة كالابريا Calabria جنوب إيطاليا
ظل أبو رجيلة من العازفين عن الزواج إلى أن التقى المرأة التي تعلق بها قلبه فتزوجها، ولكن لم يرزقهما الله بأطفال

عاد إلى مصر للمرة الأولى عام 1949 قبيل نهاية عام 1949، بعد انقطاع تجاوز 12 عاماً. اشترى قطعة أرضٍ في وسط القاهرة، تبلغ مساحتها ستة آلاف متر تحيط بها شوارع سليمان ومعروف وشمبليون وعبد الحميد سعيد، كما اشترى مزرعةً تبلغ مساحتها 400 فدان حدائق في منطقة عين شمس، لكنه عاد إلى إيطاليا من جديد في نهاية عام 1952، بعد شهورٍ قليلة من ثورة يوليو
استدعاه عبد اللطيف البغدادي، وزير الشؤون البلدية عام 1954، وطلب منه أن يتولى أتوبيس القاهرة، فوصل المرفق على يديه إلى مستوى غير مسبوق من النمو، والنظام، والنظافة، والكفاءة في الأداء، وبلغ حداً لم يكن يتخيله أحد، وكان ينقل ١٣ مليون راكب شهرياً، من خلال شركة كانت تضم ٤ آلاف موظف

ولا بد أن الذين عاشوا تلك الأيام، يذكرون جيداً، كيف كان مرفق النقل الداخلي في العاصمة وقتها، على يد الرجل، ثم كيف أصبح الآن، وكيف تحول الأتوبيس من وسيلة لنقل المواطن، إلى أداة لتعذيبه!

بعد عامين من بدء العمل، كان لدى خطوط القاهرة أكثر من 400 سيارة أتوبيس تقدم خدمات راقية وبكفاءة، وفق مواعيد منضبطة- ولم يكن الزمن الفاصل بين كل سيارتين في الخطوط المزدحمة يتجاوز ثلاث دقائق- ينفذها سائقون ومحصلون ومُدرَبون. وكان هناك تفتيشٌ صارم يحول دون الاستهانة بالراكب والإساءة إليه وإهدار وقته، وجراجات حديثة لإيواء السيارات وصيانتها في ورشات متطورة
بنى أبو رجيلة أكبر جراجين في مدينة القاهرة، أولهما عند مدخل القبة على مساحة 13 فداناً، وثانيهما بالقرب من نفق الجيزة، فضلاً عن جراج ثالثٍ كان مِلكاً لشركة أمنيبوس العمومية بشارع إسطبلات الطرق في حي بولاق، اشتراه أبو رجيلة لينضم إلى شركته العملاقة

وكان أبو رجيلة يتخفى ويركب الأتوبيس مرة كل شهر، ليرى كيف يتعامل موظفو شركته مع الركاب، واحتد ذات مرةٍ على سائق تجاوز محطة من المحطات المقرر له أن يقف فيها

كانت أنظف حافلات في مصر، كما نراها في فيلم "الكمساريات الفاتنات" بطولة إسماعيل ياسين وعبد السلام النابلسي ونجاح سلام.. وبالفعل كان أبو رجيلة - الذي سُمي علي اسمه المدرب محمود عبد المنعم الذي كان يعمل لديه في جراج الأميرية، فأصبح مشهوراً باسم محمود أبو رجيلة - يعين مُحَصِلات في أتوبيساته ويختارهن بدقة وعناية لجذب الركاب من شركتي مقار وسوارس المنافستين له، وبسبب هذا تم صنع هذا الفيلم

ونقرأ عند سامي شرف، الذي عمل سكرتيراً للمعلومات لدى الرئيس جمال عبد الناصر أنه بعد ثورة يوليو 1952 عرض المليونير المعروف أبو رجيلة على والد عبد الناصر أن يعينه بمرتب كبير عضواً في مجلس إدارة إحدى شركاته للأوتوبيس. ولما علم عبد الناصر بهذا العرض قال لوالده: "يا والدي دول عايزينك عضو مجلس إدارة.. إزاي وإنت راجل بتاع بوستة وتلغراف؟! دول عايزين يشتروني من خلالك". ورفض جمال هذا العرض كما رفضه الحاج عبد الناصر حسين (سامي شرف، سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر.. شهادة سامي شرف، الفرسان، القاهرة، 2005)

وحين تولى عبد اللطيف أبو رجيلة رئاسة نادي الزمالك عام 1956، حصل النادي على بطولة الدوري لأول مرة في تاريخه، منذ نشأ عام ١٩١١. وفي تلك الفترة ارتفعت ميزانية النادي من 6000 جنيه إلى 18000 جنيه ودخل الزمالك مرحلة جديدة انتعش فيها وتوسعت المنشآت بشكلٍ ملحوظ
تبرع أبو رجيلة بمبلغ كبير لبناء مقر نادي الزمالك في ميت عقبة عام 1958، بعد أن كان الزمالك مجرد ثلاث غرف ومدرج خشبي مكان مسرح البالون وإلي جواره نادي الترسانة مكان السيرك القومي على فرع النيل الصغير بالعجوزة. وعندما بدأ الإعداد لبناء الاستاد حدث عجز في الميزانية المقررة للبناء، فلجأ أبو رجيلة إلى طريقة ذكية

فقد كانت هناك شركتان تتنافسان على توريد البنزين والسولار إلى أسطول شركة أتوبيسات القاهرة التي يمتلكها عبد اللطيف أبو رجيلة، فبادر إلى الاتصال بقيادات هاتين الشركتين في محاولة لتخفيض سعر البنزين ونجح في تخفيض المبلغ بمقدار 50 مليماً في سعر اللتر، ليتوفر من خلال الملاليم مبلغ وصل إلى أكثر من عشرة آلاف جنيه، ليتم بناء مدرجات الدرجة الثالثة في النادي، ويفتتح ملعب الزمالك بلقاء مع فريق دوكلا براغ التشيكي في مباراةٍ امتلأت فيها مدرجات الزمالك عن آخرها، وانتهت بفوز الزمالك بثلاثة أهداف نظيفة

جعل أبو رجيلة من مقر النادي قطعة من الجنة، وسط حقول ميت عقبة ومنازلها العشوائية آنذاك. وعندما أدخل المياه إلى نادي الزمالك لم ينسَ أن يمد المياه لسكان ميت عقبة الفقراء مجاناً على نفقته
بعد حرب فلسطين عام 1948، لم يتردد في تقديم الدعم للجيش المصري، وكتب في مذكرةٍ رفعها للوزيرين عبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم، رداً على اتهاماتٍ باطلة وُجِهَت إليه: "لا شك أنه يعز على أي مواطن صالح أن يجد نفسه موضع التشكيك والاتهام، وخصوصاً إذا كان هذا المواطن من رجال الأعمال الذين يعتمدون على الثقة باسمهم"

وعندما طلبت منه وزارة الحربية تمويل صفقات الأسلحة التي كان الحظر مفروضاً عليها بعد الحرب، بادر بالاستجابة. وعندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي عام 1956، بادر إلى وضع حافلات شركته تحت تصرف القوات المسلحة وتكفل بمسؤولية تموينها ودفع أجور سائقيها
وفي 26 أغسطس آب 1957، كتب إقراراً قدمه إلى الحكومة المصرية، جاء فيه:
"بما أنني سبق أن تقدمت إلى السلطات المختصة في إيطاليا بطلب تحويل إيراداتي إلى مصر ولكن هذه السلطات رفضت هذا الطلب بحجة أنني لم أقم باستيراد باقي المبالغ المطلوبة لي من وزارة الحربية والناشئة عن العقود التي أبرمتها معها بشأن استيراد أسلحة من إيطاليا والتي كنت مُموِلاً فيها
"وبما أنني قد أعدت السعي للموافقة على إجراء هذا التحويل في صورة بضائع أقوم بتصديرها إلى مصر وقد قمت فعلاً باستيراد ماكينات لأعمال الطرق في حدود مبلغ خمسة وثلاثين ألف جنيه في عام 1955. وما زلت أسعى لإتمام هذا التحويل في صورة بضائع على نطاق أوسع وقدمت بذلك طلباً إلى السلطات الإيطالية والمصرية لاستيراد بضائع في حدود مئة ألف جنيه بدون مقابل
"وبما أنني سبق أن أثبتُ في إقرارات الضريبة على الإيراد العام إيراداتي في الخارج
"وإظهاراً لتعاوني الكامل فإني أقرر بموجب هذا أنني على استعداد لتحويل جميع إيراداتي في إيطاليا إلى مصر. وإذا لم ينجح مسعاي في ذلك فإني سأطلب من السلطات المصرية معاونتي لدى السلطات الإيطالية للحصول على هذا التحويل"
والإقرار واضحٌ في دلالته على موقف رجل أعمال يملك حساً وطنياً عالياً، ويضع المصلحة العامة فوق مصالحه الشخصية
غير أن كل ذلك لم يشفع له في شيء، حين عصفت به قرارات التأميم، في مطلع الستينيات، فانتقل للإقامة في روما وهو يقترب من سن الخمسين. وأثناء سنوات غربته، قدم أبو رجيلة تجربة ناجحة في الخرطوم، واستدعى بيت خبرة بلجيكي الجنسية ليضع حلولاً عملية لمشكلة المرور التي تعاني منها العاصمة السودانية

عاد إلى مصر في منتصف السبعينيات، وعاش بقية عمره حزيناً على إهدار تجربته، كفرد، وإهدار تجربة بلد بكامله، وهي تجربة كانت في مطلع الخمسينيات لا تزال تتلمس الطريق، وقد كانت هناك بدايات قطاع خاص ينمو، وبدايات أحزاب تتحرك، فجاء مَن وأدها في مهدها، لنعود إلى المربع الأول!

كانت وصية عبد اللطيف أبو رجيلة أنه لا نجاح لهيئة النقل بمعزلٍ عن محاربة الرشوة والسرقة والإهمال والتسيب. وظل يردد بثقةٍ أن أزمة المواصلات في القاهرة يمكن أن تُحل قبل أن ينتهي من قهوته

لكن قهوته انتهت، وهو رحل، لتبقى مشكلة المرور والنقل في أعناقنا جميعاً

| | تابع القراءة »

أثرياء مصر زمان.. والآن (13): عبود باشا.. صانع الملوك








ينتمي أحمد عبود باشا إلى جيل فرغلي باشا ذي الوردة الدائمة في عنق الجاكيت "ملك القطن"، وسيد ياسين "ملك الزجاج"، وإلياس أندراوس "ملك البورصة" وغيرهم
غير أن أحمد عبود، يختلف عن أقرانه بأنه مليونير عصامي بدأ من القاع.. أو تحته قليلاً
ومن مجرد فتى يملك أبوه يملك حماماً شعبياً في حي باب الشعرية، أصبح رجل أعمال يملك إمبراطورية ضخمة من صناعة السكر والصناعات الكيميائية والورق والشحن والقطن، تبلغ قيمته 100 مليون دولار (مجلة تايم الأمريكية، عدد 10 يناير 1964)
يا لها من رحلة جمعت بين الاستثمار والسياسة..والفساد
ظل أحمد عبود يساعد والده في إدارة الحمام الشعبي حتى تخرج في المهندسخانة. عمل بعد تخرجه بأجر شهري لا يتجاوز خمسة جنيهات في وابورات تفتيش الفيكونت الفرنسي هنري غابرييل الشهير بالكونت دي فونتارس بأرمنت، وفُصِلَ منه بعد فترة ليعمل مع أحد مقاولي الطرق والكباري بفلسطين، وكان ينفذ بعض العمليات للجيش الإنجليزي. وفي تلك الفترة تعرف إلى مدير الأشغال العسكرية للجيش الإنجليزي ونشأت بين عبود وبين ابنة هذا الضابط الإنجليزي المهم قصة حب انتهت بالزواج
وهنا جاء التحول الكبير في حياة هذا المهندس الشاب، حيث ترك العمل لدى المقاول واشتغل بالمقاولات. وبمساعدة حميه أسندت إليه معظم أشغال الجيش الإنجليزي في فلسطين ومدن القناة حتى تكون لديه رأسمال استطاع به أن يشتري معظم أسهم شركة ثورنيكروفت Thornycroft
للنقل بالسيارات بالقاهرة، ثم شركة بواخر البوستة الخديوية، حتى ظهر اسمه في عام 1935 في ذيل قائمة أغنياء مصر أيامها
كان عبود أحد أولئك الذين استفادوا من ظروف الحرب العالمية الثانية ليحقق ثروة طائلة من أرباح أسطول السفن الذي كان يملكه، في ظل ارتفاع أجور النقل ارتفاعاً خيالياً. وهكذا اشترى معظم أسهم شركة السكر والتكرير المصرية التي كان يملكها رجل أعمال بلجيكي يدعى هنري نوس. وعندما مات هنري نوس أسندت إدارة الشركة إلى ابنه هوغ، لكن عبود العضو البارز في مجلس إدارة الشركة استغل هذه الفرصة وأوعز لأصدقائه الإنجليز ليقوموا بتجنيد الابن رغم أنفه، وتم ذلك فعلاً ويذهب هوغ نوس ليشارك في الحرب ولا يعود منها، فقد قتل في إحدى المعارك. وخلا الجو لعبود لينفرد بإدارة شركة السكر رئيساً والعضو المنتدب لها، وظل رئيساً لمجلس إدارتها حتى تم تأميمها في عام 1961


وكانت لأرمنت عند عبود هوى خاص، حتى إنه اشترى تفتيش الكونت الفرنسي دي فونتارس (6000 فدان) الذي كان يعمل أجيراً فيه – بعد هجرة الكونت إلى البرازيل- واشترى أيضاً قصره بأرمنت (سراي عبود)، وكان أحد قصور الخديو إسماعيل إذ بناه لاستضافة أوجيني إمبراطورة فرنسا أثناء زيارتها لافتتاح مصنعه بأرمنت الذي واكب افتتاحه افتتاح قناة السويس في نوفمبر تشرين ثانٍ عام 1869

اشترى عبود المكان الذي بدأ فيه رحلته موظفاً صغيراً، بكل ما فيه من منشآت ومنازل ومخازن وحظائر بمبلغ 60 ألف جنيه، وسجل هذه الأملاك باسم ابنته الطفلة مونا. كان عبود أثناء زياراته السنوية القصيرة لأرمنت يقيم في القصر المذكور مع شقيقه مصطفى الذي بنى مسجد أرمنت العتيق. وللاستمتاع بالأيام القلائل التي يقضيها مع زوجته وابنته، بنى المليونير حماماً للسباحة وملاعب للغولف والبولو والإسكواش والتنس


أقام عبود في حديقته لاحقاً قصراً - بكلفة 30 ألف جنيه بخلاف قيمة الأثاث والمفروشات- صممه مهندس إيطالي ويعد من التحف المعمارية المميزة، تزوجت فيه ابنته مونا من المهندس المصري محمد علي حسين الذي ترأس مصلحة الميكانيكا والكهرباء في وزارة الأشغال، وكان عضواً بمجلس إدارة شركة سيمنز الألمانية

وقد اشترت شركة السكر هذا القصر من الحراسة بعد التأميم. وبعد إلغاء الحراسة اشترى القصر الاقتصادي المصري مصطفى الزناتي أحد أبناء قرية الضبعية إحدى قرى مركز أرمنت والتي ضُمت أخيراً إلى مركز الأقصر
امتدت إمبراطورية عبود باشا الذي أصبح أغنى أغنياء مصر إلى دائرة السياسة والرياضة والسياحة، وكان يملك معظم أسهم شركة الفنادق المصرية، إضافة إلى شركات الأسمدة في عتاقة والكراكات المصرية، وغيرها من شركات الصناعات الكيميائية، والتقطير، والغزل والنسيج التي أنشأها قرب نهاية أربعينيات القرن العشرين

وفي تلك الفترة الزمنية، كتب مقالاً صحفياً تحت عنوان "كيف تصبح مليونيراً" قدم فيه نصائحه وخلاصة تجربته، وافتتح المقال بقوله: "ليس النجاح من الأسرار، ولكنه أولاً وقبل كل شيء توفيقٌ من الله، فقد تجتمع في شخصٍ كل مؤهلات النجاح من شهاداتٍ وجاه وشخصية قوية، لكن سوء الحظ يلازمه فلا ينجح في أي عملٍ يقوم به، بينما ينجح من هو أقل منه في الكفاءة والجاه، وأضعف منه شخصية"!
وبلغ من نفوذ عبود أنه أجبر طلعت حرب مؤسس بنك مصر وأشهر أعلام النهضة المصرية على الاستقالة من بنك مصر في 14 سبتمبر أيلول 1939 الذي أسسه بعرقه وجهده

فقد اشترك عبود وفرغلي باشا ملك القطن في تنفيذ سياسة قوامها سحب ودائعهما من البنك بمعدل نصف مليون جنيه يومياً حتى بلغ السحب ثلاثة ملايين جنيه، كما هددت الحكومة التي يترأسها حسين سري - صديق عبود باشا- بسحب ودائع الحكومة فاضطر طلعت حرب للاستقالة حتى لا يهتز مركز البنك وترك إدارته لحافظ عفيفي طبيب الأطفال، وهو صديق أثير للإنجليز ولعبود

في 13 يناير كانون ثانٍ 1944، أقام النادي الأهلي بالجزيرة حفلة شاي تكريماً لكل من أحمد عبود باشا وعبد الحميد عبد الحق، بمناسبة تبرع عبود باشا بثلاثة آلاف جنيه لإتمام إنشاء حمام السباحة بالنادي، وتقديراً لما قدمه الثاني للنادي والهيئات الرياضية الآخرى. ووقف رئيس النادي أحمد حسنين باشا – رئيس الديوان الملكي- وألقى كلمة استهلها بقوله: "إني بعد أن حنيت رأسي للراحل الكريم جعفر ولي باشا (رئيس النادي الأهلي سابقاً) أرفع رأسي بالشكر للرجلين الكريمين الأستاذ عبد الحميد عبد الحق وزير الشؤون الاجتماعية السابق وأحمد عبود باشا". ثم أشار إلى ما كان من اعتماد الوزير عبد الحق ثلاثة آلاف جنيه مساهمة في إنشاء حمام السباحة في النادي الأهلي، وإلى تبرع عبود باشا بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه أخرى للغرض نفسه

تولى أحمد عبود باشا رئاسة النادي الأهلي لمدة 15 عاماً (19 فبراير شباط 1946-19 ديسمبر كانون أول 1961) فاز فيها دائماً بالرئاسة بالتزكية، وكانت تلك الفترة من أزهى عصور الأهلي، حيث حصل خلالها على تسع بطولات متتالية للدوري من 1947 حتى 1956 (حسن المستكاوي، النادي الأهلي (1907 - 1997) بطولة في الرياضة والوطنية، 1997). وطوال فترة رئاسته النادي الأهلي، كان عبود باشا ينفق على النادي من جيبه الخاص رافضاً أية إعانة من الحكومة. وهو الذي بنى حمام السباحة من جيبه الخاص، وهدم مدرج الدرجة الثالثة القديم وبنى المدرج الحالي.. ثم بنقوده ونفوذه اقتطع الجزء الكبير من نادي الفروسية ليطل النادي على كورنيش النيل

وحكاية مباراة بورسعيد مشهورة، إذ أبدى أمين شعير مدير الكرة بالأهلي انزعاجه لعدم استطاعة صالح سليم كابتن الفريق اللحاق بالمباراة رغم قوة فريق المصري البورسعيدي في تلك الأيام؛ لأن صالح كان سيؤدي امتحاناً في كلية التجارة ينتهي في الواحدة ظهراً في حين أن المباراة في بورسعيد في الثالثة ظهراً. وما إن علم عبود باشا بالأمر حتى أرسل سيارته إلى الجامعة لتأخذ صالح بعد الامتحان مباشرة إلى المطار، حيث كان في انتظاره عبود باشا وأخذه معه في طائرته الخاصة إلى بورسعيد ليلحق بالمباراة (عبد الرحمن فهمي، تعالوا نصحح التاريخ، جريدة الجمهورية، 5 مارس آذار 2007)
أُبعِدَ أحمد عبود باشا عن رئاسة النادي الأهلي بعد شهورٍ من زيارة جمال عبد الناصر ومعه ملك أفغانستان للنادي الأهلي في أكتوبر تشرين أول 1960 إذ صدرت قوانين يوليو الاشتراكية، فلم يكمل عبود مدته كرئيس للنادي الأهلي وترك منصبه في 17 أكتوبر تشرين أول 1961
وقد أنشأ عبود باشا عام 1939 أكبر وأعلى عمارة في مصر كلها في ذاك الوقت، وكانت تتكون من 13 طابقاً، وكان الناس يزورونها ليروا هذا البناء الشامخ في شارع المدابغ الذي أصبح فيما بعد اسمه شارع شريف في وسط القاهرة، وهي تقع على ناصية شارعي شريف وقصر النيل، وأطلق عليها اسم عمارة الإيموبيليا

كان لاعبو الأهلي يذهبون كل أسبوع إلى مكتب عبود باشا بالعمارة، منهم صالح سليم وعبد الوهاب وطارق سليم وميمي الشربيني وعادل هيكل وسعيد أبو النور وفؤاد أبو غيدة ومروان كنفاني وعوضين.. ويذهب معهم أحياناً أصدقاؤهم من لاعبي الزمالك نبيل نصير وعلي محسن ورأفت عطية وعلاء الحامولي
كان عبود باشا يشترط على من يسكن العمارة أن يكون أهلاوياً، لكنه لم يشترط ذلك بالنسبة للموسيقار محمد عبد الوهاب الذي كان يجهر بزملكاويته هو وأم كلثوم
خصص أحمد باشا عبود شقتين في عمارة الإيموبيليا للمغتربين من لاعبي الأهلي وقام بتوظيف بعض اللاعبين كموظفين بشركة البوستة الخديوية، وهي أكبر شركة ملاحة وبواخر في الشرق الأوسط في ذاك الوقت ومقرها في العمارة نفسها، ومنهم فؤاد أبو غيدة ومروان وسعيد أبو النور وأحمد زايد وعوضين وغيرهم، وتم الاستغناء عن خدماتهم بعد تأميم عمارة الإيموبيليا وباقي ممتلكات عبود باشا

عددٌ كبير من الفنانين كانوا يسكنون العمارة وبعضهم لهم مكاتب فنية منهم عبد الحليم حافظ. أما السكان فكان بينهم نجيب الريحاني، وليلى مراد وأنور وجدي بعد زواجهما، وأسمهان وأحمد سالم بعد زواجهما أيضاً، وكاميليا، وعبد العزيز محمود، وكمال الشيخ، وهنري بركات، ومحمود المليجي، وماجدة الصباحي، وماجدة الخطيب ومحمد فوزي وزوجته مديحة يسري وغيرهم



وكان لعبود باشا معاركه مع الصحافة

ومن ذلك أن الصحفي محمد توفيق دياب كتب في صحيفة "الجهاد" في فبراير شباط 1932 ضد عبود باشا، وبدأ الجولة بمقال يحمل عنواناً يقول: "المبرقعون المصريون في شركة ثورنيكروفت" ثم أتبعه بمقال آخر يحمل عنواناً يقول: "اقرأوا واعجبوا أيها المصريون... عبود باشا يملك أكثر من ٥٢% من شركة ثورنيكروفت وسوارس المندمجتين". وتحدث دياب عن مشاركة عبود باشا في تعلية خزان أسوان. ولم يكن مستغرباً أن تنتهز حكومة إسماعيل صدقي باشا الفرصة وتحرض عبود باشا على أن يتقدم ببلاغ ضد "الجهاد"، مطالباً بتعويض مدني قدره عشرون ألف جنيه
وانتهى الأمر بأن قدمت حكومة صدقي بلاغاً إلى النائب العام ضد توفيق دياب؛ باعتبار أن ما ورد في مقاله ينطوي على طعن واضح في هيئة نظامية وهي البرلمان، ولكن دياب ظل على إصراره وواصل الهجوم على الحكومة حتى انتهى الأمر إلى محاكمته في قضيتين إهانة البرلمان والطعن في عبود باشا
وفي يوم الاثنين ٢٧ فبراير شباط عام ١٩٣٣ صدر الحكم بحبس توفيق دياب لمدة ثلاثة أشهر وغرامة خمسين جنيهاً. ولأنه قد سبق أن حكم عليه في ٣١ مارس آذار ١٩٣٢ بالحبس ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ فقد أصبح هذا الحكم واجب النفاذ مع صدور الحكم الثاني

وفي نوفمبر تشرين ثانٍ 1933 تولى الوزارة عبد الفتاح يحيى باشا خلفاً لإسماعيل صدقي وخلفه أيضاً في رئاسة الحزب. وبعد أيام من عمر وزارته أثيرت أزمة تتعلق بوزير الأشغال العمومية عبد العظيم راشد باشا، الذي اتًهِمَ بأنه أسند إلى أحمد عبود بعض المقاولات بالأمر المباشر، مخالفاً بذلك القوانين واللوائح المعمول بها


ونشرت الصحف - وبالذات جريدة "السياسة" التي كان يرأس تحريرها د. محمد حسين هيكل- الأنباء مزودة بالتفاصيل، بل إن د. هيكل كتب سلسلة مقالاتٍ ساخنة تحمل عنوان "نزاهة الحكم". (د. محمد حسين هيكل، مذكرات في السياسة المصرية (الجزء الأول)، دار المعارف، القاهرة، 1977، ص 357-360). وصل الأمر إلى إحالة الموضوع للنيابة ثم إلى القضاء، ولكن عبود الذي كانت تربطه بالمندوب السامي البريطاني مصالح واسعة لم تهزه الأزمة، حيث تدخل المندوب السامي لدى الملك فؤاد الذي ضغط على رئيس الوزراء لتقديم استقالته، فاستقال رئيس الوزراء الذي ذكر في كتاب استقالته أنه قدمها بناء على رغبة الحكومة البريطانية دون تفريط في حقوق البلاد
ولا بد أن نشير إلى أن طائرة أحمد عبود الخاصة لعبت دوراً مؤثراً في حادث 4 فبراير 1942
فقد عاد مصطفى النحاس باشا على متن هذه الطائرة من الأقصر لتشكيل الوزارة التي جاءت في أعقاب الإنذار الإنجليزي للملك فاروق ومحاصرة الدبابات لقصر عابدين
وبالرغم من أن عبود بنى مدرسة ثانوية في أرمنت وكوم أمبو على نفقة شركة السكر ومستوصفاً للعلاج، فإنه لم ينجح في اختبار الشعبية أمام منافس وفدي
وكان عبود النائب عن أرمنت في البرلمان عن حزب الوفد عام 1942 قد رشح نفسه عن دائرة أرمنت مرة أخرى لبرلمان 1945 ضد أبو المجد بك الناظر، القطب الوفدي المعروف وأحد أبطال ثورة 1919
طلب زعيم الوفد مصطفى النحاس من أبو المجد الناظر التنازل لصالح أحمد عبود باشا، فأرسل له برقيته المشهورة:
"شاورت نفسي وأهلي فأبوا"
وسقط عبود ونجح الناظر
كان الاقتراب من قصر عبود في أرمنت جريمة لا تغتفر، لهذا كانت جماهير أرمنت تهتف في الانتخابات: يسقط عبود الزاني، يحيا أبو المجد بك الناظر
وعندما ثار الفلاحون في أرمنت على أحمد عبود وحاولوا اغتياله على سلم يخته، طالت الرصاصات مفتش تفتيشه عبد الرحمن عرفات فاغتالته


تدريجياً، بدأ عبود باشا يشعر بالقلق على الاستقرار السياسي في مصر، وهو ما يمس بالضرورة مصالحه المالية والاقتصادية
ويقول محمد حسنين هيكل (ثورة يوليو خمسون عاماً: السؤال الأول ملك تحت الحصار!، مجلة وجهات نظر، عدد يوليو 2002):
"ولم يكن الملك فاروق وحده المصاب بالقلق لما آلت إليه الأحوال ـ بل كان هناك غيره أصيبوا بالأرق إلى جانب القلق، لأنهم أصحاب مصالح حقيقية في مصر يخشون عليها ويحرصون على ضمانها، ولذلك كان اقترابهم من السياسة ـ منطقياً..وفي الظروف الطارئة فإنه أصبح حيوياً ـ وكان أول هؤلاء هو المالي الكبير أحمد عبود (باشا)

"كان عبود (باشا) رجلاً عالي الكفاءة في مجال الأعمال، وكان يقول عن نفسه إنه "يلمس التراب فيحيله ذهباً" ـ غير أنه كان يعرف أن تحويل التراب إلى ذهب يحتاج إلى حماية تسبق وتجاري وتلاحق حركة الذهب! ـ وهنا كانت في حاجة إلى القرب من السلطة إلى أي درجة يستطيع بلوغها
"[وقلت مرة لعبود (باشا): "إنه رجلٌ يستحيل عليه أن يكون ملكاً لأنه لا يحوز المواصفات اللازمة ـ لكنه يحلم بمقدرة صنع الملوك لأنه يحوز المصالح المُلزمة، وذلك وضعٌ شديد الخطر على البلد وعليه أيضاً!
"وقد سمعني الرجل مطرقاً برأسه متأملاً!]"
ولا يفوت هيكل أن يقول: "كان القصر (حتى أيام الملك فؤاد) يشك في توجهات عبود (باشا) ومساعيه، ولعل ذلك في جزءٍ منه كان يرجع إلى التناقض الطبيعي بين "الملوك" و"الأثرياء". والأثرياء في أوطانهم خصوصاً عندما يزيد الثراء وتتجلى مظاهره، فإن الغنى القديم والموروث ـ يحس بنوع من الغيرة إزاء الغنى الطارئ الذى يعلن عن نفسه متباهياً وأحيانا مستفزاً!"
وبناء على حسابات المصلحة، مال عبود باشا إلى حزب الوفد ، ربما لاعتقاده أن ذلك الحزب هو القادر أكثر من غيره على توفير "الاستقرار" السياسي على الأقل بهيبة الشرعية
وتحفل الوثائق البريطانية عام 1944 بتفاصيل جهود يقوم بها عبود باشا في لندن لتجنب السماح للملك بإقالة النحاس باشا. وفي رسائل عدة بتوقيع رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية تلك الأيام مجموعة رسائل يقول فيها بيتر سكريفنر إن عبود باشا قَدَّم نفسه باعتباره مكلفاً من النحاس باشا شخصياً
ولعل من المهم أن نشير إلى أنه طوال السنوات التي تلت إقالة حكومة النحاس باشا وحتى عام 1948، كان عبود باشا يتصل ويدعو لعودة الوفد إلى الحكم، لكنه عندما بدأ يتحرك عملياً في ظروف مواتية لأفكاره، ظهر أن مرجعه فى الوفد هو فؤاد سراج الدين باشا، وكان اللقاء بين الرجلين نتيجة عددٍ من العوامل المتشابكة
يلخص هيكل في مقاله المذكور تلك الأسباب قائلاً: "فالمالي الباحث عن "الاستقرار السياسي" ويجده في الوفد ـ لا يرى أمامه في هذا الحزب ـ مع نهاية الأربعينيات ـ غير فؤاد سراج الدين (باشا)
"ثم إن المالي الراغب في العمل السياسي من وراء الستار، يجد أرضية مشتركة مع نجم طالع، حتى وإن كان يمارس نفوذه في الوفد من وراء الستار
"يضاف إلى ذلك أن الوفرة في الثروة جامع بين الاثنين ـ ثم إن مشروعات رأس المال تستطيع أن تلتقي بسهولة مع مشروعات النفوذ السياسي، خصوصا عندما تكون السياسة في صالونات "الأوبيسون" وبعيداً عن سرادقات الفراشة التي لا تفرق بين مهرجانات فيها أو جنازات!
"كذلك فإن فؤاد سراج الدين (باشا) اقترب لبعض الوقت ـ ولم يبق طويلاً ـ من تقليد أن أبناء كبار الملاك الزراعيين في الريف يستكملون وجاهة المدن بعضوية مجالس إدارة الشركات المالية والصناعية، وهنا فإن شركات عبود (باشا) مقصد وموقع
"وهكذا فإنه طوال عام 1948 كان أحمد عبود باشا يراهن على حزب الوفد ـ وفي داخل حزب الوفد، فقد كان موضع رهانه هو موقع فؤاد سراج الدين باشا. وأكثر من ذلك فإن عبود (باشا) رفع قيمة الرهان، ووصل إلى حد وضع الرصيد كله على رئاسة فؤاد سراج الدين لوزارة وفدية يباركها النحاس باشا ويرعاها من بعيد"


وتُظهر ملفات وزارة الخارجية البريطانية (5187 بتاريخ 21 يناير كانون ثانٍ 1950) ـ أن ذلك التقرير المستفيض من السفير البريطاني وصل إلى وزير الدولة البريطاني وقتها هكتور ماكنيل الذي علق عليه بخط يده يوم 25 يناير بما نصه:
"إنني أشعر بالقلق وأنا أقرأ التقارير الأخيرة من سفيرنا في القاهرة، خشية أن يبدو موقفنا وكأن لدينا شيئاً من التعاطف مع الملك، إن عودة النحاس إلى الحكم تؤكد إلى جانب علامات أخرى شعوراً لدى الناخبين معادياً للقصر، ومع اعتقادي بأن نسبة المشاركة في التصويت ضئيلة جداً، فإن ما يمكن استخلاصه منها هو أن الطبقات ذات الوزن في مصر لم تعد على استعداد لهضم تصرفات فاروق وهذه ظاهرة مهمة

ثم يضيف وزير الدولة هكتور ماكنيل إلى ما سبق فقرة تستحق التأمل:
"إن السفير يحسن صنعاً لو نسق خطاه مع عبود (المليونير أحمد عبود باشا)، نحن نعلم أن عبود نصاب (Crook)، ولكن ميزة الرجل أنه لا يخفي حقيقته سرا، ثم إنه رجل بارع جدا فيما يقوم به، ومع أن مصالحه هي التي تحركه، فإنه يبقى أنفع لنا وسط هذه الفوضى في القاهرة. وفي كل الأحوال فإن علينا أن نبقى بعيدين لبعض الوقت، ونترك الأمور لتفاعلاتها في مصر، ونقوم نحن بِطَي أشرعتنا Trim Our Sails
إمضاء: هـ. ماكنيل!"


وتتحدث أخبار عام 1952 عن أن وزارة أحمد نجيب الهلالي (أول مارس آذار 1952- 2 يوليو تموز 1952) الذي اشتهر بالصلابة في الحق والاعتزاز بالنفس والعداء للقصر، أسقطها عبود باشا لأنها لم تأتِ على هواه وطالبت شركاته بالضرائب. وبحسب مجلة "تايم" الأمريكية، فإن الهلالي كان يدرس 140 اتهاماً بالتهرب من الضرائب ضد عبود باشا، كانت حكومة الوفد قد ألغتها قبل تشكيل وزارة الهلالي
(What Happened to Hilaly, Time magazine, 14 July 1952)

ويقول تقرير لمراسل المجلة الأمريكية إن كريم ثابت – المستشار الصحفي السابق للملك فاروق- عرض على السفير الأمريكي جيفرسون كافري دعم الوفد لمشروع قيادة الشرق الأوسط الذي تتبناه وزارة الخارجية الأمريكية لمواجهة السوفييت، مقابل ممارسة واشنطن نفوذها لإقناع الملك فاروق بإقالة حكومة الهلالي وتعيين حكومة وفدية جديدة. والسبب هو أن حملة مكافحة الفساد التي يقودها الهلالي كانت تقترب من كبار رموز الوفد أكثر فأكثر
مصادر ومراجع مصرية أخرى تذهب إلى القول بأن عبود اتفق مع مستشاري الملك فاروق على رشوة الملك بمليون فرنك لإقالة وزارة نجيب الهلالي التي جاءت لتنقب في ملفات الفساد ورفعت شعار "التطهير قبل التحرير"
أقيل الهلالي، ليشكل عبود باشا من قصره في أرمنت وزارة جديدة برئاسة صديقه حسين سري باشا، الذي كان نائب رئيس مجلس الإدارة في شركتي السكر والأسمدة اللتين يملكهما عبود. وهكذا دفع عبود رشوة مليون فرنك ليتخلص من خمسة ملايين دولار ضرائب (مصطفى بيومي، أحمد عبود "الاقتصادي العصامي"، سلسلة رواد الاستثمار، مركز إعداد القادة لإدارة الأعمال، وزارة المالية، مصر، 2008)


وما هي إلا أيام، حتى قامت ثورة 23 يوليو 1952 لتتغير الخريطة السياسية والاقتصاية في مصر
وفي 15 أغسطس آب 1955، وقعت أول مواجهة بين الثورة المصرية والرأسماليين، إذ جرى فرض الحراسة على شركة السكر، التي يمتلكها أحمد عبود باشا


وبعد صدور قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961، آثر عبود الهجرة إلى أوروبا لإدارة أعماله بجزء من أموال تمكن من تهريبها إلى هناك. وكان قد علم أو أحس بأن الدولة مقبلة على التأميم، وكانت بالصدفة المحضة كل بواخره في عرض البحر ما عدا باخرتين واحدة في ميناء السويس وأخرى بالإسكندرية، فأصدر تعليماته بسفر باخرة إلى جدة وأخرى إلى بيروت في انتظار أوامر أخرى، ثم اتصل لاسلكياً بباقي بواخره في عرض البحر بعدم العودة إلى الإسكندرية الآن، ثم استطاع أن يحول أمواله السائلة بالبنوك إلى بنوك سويسرية بطريقة أو بأخرى، ثم سافر إلى نابولي في إيطاليا ليستدعي بواخره واحدة بعد الأخرى ليبيعها هناك. وأصبحت لديه أصولٌ سائلة تكفيه هو وابنته الوحيدة
مارس عبود باشا نشاطه التجاري في أوروبا، وحقق نجاحاً كبيراً كتاجر ومستشار اقتصادي، إلى أن وافاه الأجل المحتوم في لندن في مطلع يناير كانون ثانٍ 1964 بعد أن هزمته أمراض القلب والكُلى
اسم عبود باشا وثراؤه لم يشفعا لورثته: أحمد عبود محمد علي ونادية محمد علي وأولاد ابنته الوحيدة مونا وابنة شقيقته زينب محمد شوقي، الذين حصلوا على حكم نهائي في يناير كانون ثانٍ 2006 بعد رحلة تقاضٍ استمرت ٣٠ عاماً باسترداد عقارهم المهجور بجليم بالإسكندرية البالغة مساحته ٤٤٠٠ م٢ والذي يتجاوز ثمنه ٥٠ مليون جنيه


غير أن العقار الذي تسيطر عليه رئاسة الجمهورية لم يعد إلى الورثة، رغم أنف القانون

| | تابع القراءة »

أثرياء مصر زمان.. والآن (12): دموع ملك القطن



ينتمي محمد أحمد فرغلي باشا ملك القطن، إلى أسرةٍ من أصولٍ صعيدية، فهي من مدينة أبو تيج ونزحت إلى الإسكندرية واستقرت بها. كانت أسرته محسوبة من الصفوة، حيث الثراء المادي والاقتصادي، بل إن الشارع الذي وُلِدَ فيه حمل اسم أسرته: شارع فرغلي
توارثت الأسرة العمل التجاري، فالجد والابن من بعده يعدان من كبار تجار الحبوب، وكانا يتاجران في القطن على الجانب المحلي وحده، ولا يخوضان تجربة التصدير إلى الخارج

تلقى محمد أحمد فرغلي تعليمه في مدرسة الجيزويت الفرنسية، ثم التحق بكلية فيكتوريا ذائعة الصيت، وكان من أبرز أصدقائه فيها أمين عثمان الذي اغتيل عام 1946. سافر فرغلي بعد ذلك إلى إنجلترا لاستكمال دراسته في مدرسة لندن للدراسات الاقتصادية، لكن مرض الأب اضطره إلى العودة إلى الإسكندرية، لتحمل أعباء العمل التجاري للعائلة

كان رأسمال الأب في تلك الفترة يقترب من 30 ألف جنيه، وهو رقمٌ كبير آنذاك، لكن طموح الابن تجاوز ذلك بكثير. بعد فترة حاول العمل مستقلاً لمدة عامين، إذ أنشأ مزرعة لتربية الخنازير فوق أرض مستصلحة تبلغ مساحتها 900 فدان كانت تملكها العائلة في منطقة أبو الشقوق بالقرب من المنصورة. ثم استدعاه أبوه، فقرر تصفية مشروعه الذي حقق من ورائه ربحاً صافياً يقترب من ثلاثة آلاف جنيه، وهو رقمٌ ضخم بمقاييس عشرينيات القرن الماضي
وتحت إلحاح الابن محمد، سرعان ما بارك الأب تحول جزء من نشاط الأسرة التجاري إلى مجال تصدير الأقطان، الذي كان حكراً على الأجانب
تكبدت الصفقة الأولى في مجال تصدير القطن خسارة فادحة، تزيد على أربعة آلاف جنيه، غير أن محمد تعلم من التجربة جيداً
بدأت رحلة "ملك القطن" - الذي توفي والده عام 1927- مع التصدير بحصةٍ لا تتجاوز 0,25 % من إجمالي المحصول المصري من القطن. وبعد ما يزيد قليلاً عن عشر سنوات، كان محمد أحمد فرغلي يصدر 15 % من جملة المحصول. وبهذه النسبة كان يحتل المركز الأول في قائمة المصدرين، فضلاً عن أن نجاحه مَثَل دافعاً لأن يقتحم مصريون آخرون مجالاً كان مغلقاً دونهم (مصطفى بيومي، محمد أحمد فرغلي "ملك القطن"، سلسلة رواد الاستثمار، مركز إعداد القادة لإدارة الأعمال، وزارة المالية، مصر، 2008)
في عام 1935، انتُخِبَ محمد أحمد فرغلي وكيلاً لبورصة مينا البصل، وكان أول مصري ينهي سيطرة الأجانب الطويلة على المناصب القيادية. وفي مقابلة مع الملك فؤاد بعد انتخابه، ودعه الملك مخاطباً بكلمة "بك". ولما كان نطق الملك سامياً لا عودة فيه، فقد حاز محمد أفندي فرغلي رتبة البكوية. وفي عام 1941، في ظل وزارة حسين سري، حصل فرغلي على رتبة الباشاوية
غير أن محمد أحمد فرغلي باشا عاش كثيراً من الأزمات والمحن
ففي عام 1934 أدى ارتفاع أسعار القطن في بورصة نيويورك إلى توريده كميات كبيرة كان متعاقداً عليها بأسعار كلفته خسارة قدرها 600 ألف جنيه. غير أن حصوله على قرض من البنك الإيطالي بقيمة 100 ألف جنيه دون ضمان، أنقذه من ضائقةٍ مالية شديدة
وعاد الخط البياني إلى الصعود السريع حتى جاءت الأزمة الثانية عام 1949. وخلال السنوات الفاصلة بين الأزمتين، كان فرغلي قد أصبح من كبار المساهمين في عدد كبير من الشركات وعضواً في مجالس إدارات عدد من البنوك والمؤسسات الاقتصادية، وتوسعت شركة فرغلي للأقطان في أعمالها حتى وصلت أرباحها السنوية إلى ما يزيد عن مليون جنيه
وفي الأزمة الثانية، عجز صغار ومتوسطو التجار عن توريد الكميات المطلوبة في التوقيتات المحددة لمجموعة شرائية عملاقة تم الاتفاق بشأنها بين محمد أحمد فرغلي وعلي يحيى وآخرين. للإفلات من الحصار الذي يهددهم، لجأ هؤلاء التجار إلى تصعيد الأمر بالشكوى إلى الحكومة، وكانت المفاجأة في فتوى وزارة المالية بإمكان تسليم التجار لأقطان لا تطابق المواصفات
ويروي ملك القطن في مذكراته (محمد أحمد فرغلي، عشت حياتي بين هؤلاء، الإسكندرية، 1984) كيف اتفق كبار المصدرين على تحرك مضاد، وفوضوا علي يحيى بالسعي إلى استمالة الملك والحصول على دعمه، وكان إلياس أندراوس باشا هو الوسيط، وطالب بأن يحصل الملك على ربع مليون جنيه، أما الحاشية، أو ما كان يطلق عليها الأوركسترا، فحصة أفرادها من الرشوة 25 ألفاً
يؤكد فرغلي أن الملك فاروق مارس ضغوطاً على الحكومة الوفدية حتى تراجع وزير المالية زكي باشا عبد المتعال عن موقفه. وبفضل الحيلة والتلاعب، التف كبار مصدري القطن على مجلس الدولة ورئيسها آنذاك عبد الرزاق السنهوري باشا، مع أن فتوى مجلس الدولة جاءت لمصلحة صغار التجار، ولكن بعد فوات الأوان. انتقلت القضية بعد ذلك إلى ساحة المحاكم وظلت مستمرة نحو 20 عاماً، ليكسبها في النهاية فرغلي باشا ومن معه
يقول محمد أحمد فرغلي باشا بوضوح رجل أعمال لا ينكر اللجوء إلى سلاح الرشوة: "انتهت هذه الأزمة عام 1950 بعد ضجةٍ إعلامية كبيرة على صفحات الصحف، وفي المنتديات العامة، ولقد كسبت بعض الصحف نتيجة مساندتها لنا آلاف الجنيهات، كما كسب المحامون مبالغ طائلة وسميت هذه العملية أيامها بعملية "الكورنر"
ولم تكن تلك واقعة الرشوة الوحيدة التي كان تاجر القطن الشهير طرفاً فيها. فقد حدث في دائرة مينا البصل بمحافظة الإسكندرية أن رشح أحمد فرغلي نفسه. يومها دفع فرغلي باشا أكبر رشوة انتخابية وهي جنيه مصري كامل لكل من يمنحه صوته. وكان مندوب الباشا يعطي الناخب نصف ورقة الجنيه فإذا خرج من اللجنة الانتخابية وأعلن أنه انتخب الباشا حصل على نصف الورقة الآخر. وكان مندوب الباشا داخل اللجنة يعطي الناخب ورقة تؤكد أنه نفذ المطلوب، وانتخب تاجر القطن
ولم ينجح الباشا بل سقط أمام مرشح الوفد رغم الجنيهات الكثيرة التي دفعها؛ لأن الوفد في ذلك الزمان كان يكسب في كل انتخابات لم تمتد إليها يد التزوير في النتائج
وفي عام 1951، تعرض فرغلي باشا لأزمة ثالثة، دفعته إلى البكاء أمام زوجته
فقد تعاقد على بيع ربع مليون قنطار من القطن بسعر ثمانية جنيهات للقنطار، لتصل قيمة الصفقة إلى مليوني جنيه. بعد أن تم التعاقد، رفض خبراء البورصة القطن الذي قدمه فرغلي لأنه ليس مطابقاً للمواصفات. وعندما احتج المُصدِر الكبير على القرار، تشكلت لجنة ثانية أيدت ما وصلت إليه اللجنة الأولى
ويعترف محمد أحمد فرغلي بأنه دفع خمسة آلاف جنيه لأحد كبار الصحفيين ممن يملكون داراً صحفية، ليكتب مقالاً موقعاً باسم فرغلي باشا، حمل عنوان "إني أتهم"، يتهم فيه مندوب الحكومة في البورصة بالتحيز
ولم ينقذ فرغلي باشا من المحنة الثالثة سوى حريق القاهرة
ففي أعقاب حريق القاهرة الذي شب في 26 يناير كانون ثانٍ 1952، سقطت الحكومة الوفدية، وتشكلت وزارة جديدة قبلت القطن الذي سبق رفضه، وبدلاً من خسارة المليونين، حقق فرغلي ربحاً جديداً
ثم وقعت ثورة يوليو 1952 التي أعادت رسم ملامح مصر سياسياً واقتصادياً
في لقائهما الأول، قال محمد أحمد فرغلي للرئيس جمال عبد الناصر: "يا رفعة الرئيس، كيف لا أؤيد تغييراً يسعى إلى تحقيق الأفضل. لقد كنت أتوقع مثل هذا التغيير، بدءاً من عام 1949، وكان كل خوفي أن تقع السلطة في أيدي الإخوان المسلمين، فيعودوا بالمجتمع إلى الوراء"
غير أن الثورة حملت معها رياح التأميم الذي يرى الباشا أنه تم بطريقة عشوائية، أما فرض الحراسة على أموال ممتلكات الأغنياء فهي في تصوره أقرب إلى الأعمال الانتقامية التي تنتهك كرامة الإنسان
قًدِرَت قيمة شركات فرغلي بمبلغ مليوني جنيه، على الرغم من أن قيمتها الحقيقية تزيد عن ذلك بأربعة أضعاف. أما أول مرتبٍ شهري حصل عليه بعد فرض الحراسة على أمواله، فلم يزد عن جنيهين ونصف الجنيه
في الستينيات، تلقى محمد أحمد فرغلي عرضاً للعمل كمستشار في أحد البنوك الإنجليزية في لندن براتب يصل إلى 25 ألف جنيه بالإضافة إلى مسكن سيارة وسائق، لكنه رفض العمل خارج مصر
ووافق ملك القطن على العمل مستشاراً لمؤسسة القطن في مصر، بمرتبٍ يعادل مجلس الإدارة، غير أن المجلس في اجتماعه للموافقة على التعيين، رفض المرتب المقترح، وقرر ألا يزيد عن 100 جنيه
وهكذا تعامل رجال الثورة مع القطاع الخاص الوطني، فكان.. ما كان

| | تابع القراءة »

أثرياء مصر زمان.. والآن (11): مولد أغنياء الحرب





ضرب الكساد الكبير الولايات المتحدة - والعديد من دول العالم- في أكتوبر عام 1929 نتيجة للانهيار المالي الضخم في بورصة الأوراق المالية في نيويورك، والمعروف باسم "الثلاثاء الأسود"، وانتهى في أوقاتٍ متفاوتة - بحسب كل بلدٍ- ما بين ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي

اعتبر خبراء الاقتصاد تلك الأزمة أكبر كسادٍ اقتصادي يضرب العالم في القرن العشرين، ونظروا إليه في القرن الحادي والعشرين كنموذج على المدى الذي يمكن أن ينهار به الاقتصاد العالمي

كان لهذه الكارثة الاقتصادية آثارها القوية على الاقتصاد المصري، باعتبارها إحدى المستعمرات التي تدور فى فلك إنجلترا إحدى دول المركز، وأيضاً لارتباط العملة المصرية بالجنيه الإسترليني. ظهرت أولى آثار الأزمة الاقتصادية في مصر على شكل انخفاضٍ رهيب في أسعار القطن وصعوبة بالغة في تسويقه
وليس مثل القطن من محصولٍ زراعي لعب دوراً خطيراً في التأثير على تاريخ مصر الاقتصادي
ويتعين أن نشير إلى أن القطن شغل 22.4 % من المساحة المنزرعة عام 1913، مقابل 11.5 % عام 1879، وزاد محصول القطن من مليون و818 ألف قنطار إلى 6 ملايين و250 ألف قنطار بين عامي 1884 و1908، كما ارتفعت قيمة الصادرات القطنية من 6 ملايين و424 ألف جنيه إلى 17 مليوناً و91 ألف جنيه أثناء الفترة نفسها، وهو ما يمثل 67 % من مجموع الصادرات عام 1884، و83 % عام 1906
والشاهد أن مصر بمدنها وريفها قد تأثرت بشدة بهذا الكساد العالمي، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، ومن ذلك أحوال المعيشة والزواج والطلاق والتعليم والصحة والتبشير والبطالة والإجرام والبغاء والمخدرات (علي شلبي، أزمة الكساد العالمي الكبير وانعكاسها على الريف المصري (1929-1934)، دار الشروق، القاهرة، 2007)

والأكيد أن الأزمة الاقتصادية خنقت الأسواق، وأدت إلى إفلاس كثيرين نتيجة استمرارها بضعة أعوام، الأمر الذي حال دون صعود وجوه جديدة من الأثرياء ورجال المال والأعمال
وبالرغم من مضي 15 عاماً على القائمة السابقة لأغنى أغنياء مصر، فإن القائمة الحديثة لهؤلاء الأغنياء لم تشهد تغيراً يذكر، وإن اختلف الترتيب، وأضيفت وجوهٌ قليلة إلى نادي كبار الأثرياء
وهكذا أظهرت قائمة منتصف الثلاثينيات الترتيب التالي لأغنى أغنياء مصر:

1- الأمير أحمد سيف الدين، ووصلت ثروته إلى ستة ملايين جنيه، وأقر مجلس البلاط الملكي منحه مرتباً شهرياً قدره ألف جنيه، في أعقاب هروبه من المصحة في إنجلترا في خريف 1925 وذهابه إلى الآستانة
2- محمد بك ابن محمود خليل باشا، وقدرت ثروته بنحو ثلاثة ملايين جنيه
3- الأمير عمر طوسون
4- آل البدراوي وعاشور

كان والد محمد محمود خليل (1877- 31 ديسمبر 1953) يشغل وظيفة مهمة في الديوان الخديوي، وكانت أمه يونانية. وجد نفسه يسعى بين القصور ويشاهد أعمال الفنانين، ويسمع الموسيقى بآلاتها الغربية مع الفرق التي كانت تزور قصر الخديو الجديد

التحق بمدرسة الليسيه فرنسيه بالقاهرة ثم سـافر إلى باريس عام 1897 ليـدرس القـانون بجـامعة السوربون. وبعد إتمام دراسته عاد ليعمل وكيلاً لمجلس الشيوخ المصري ثم أصبح رئيساً لهذا المجلس في الفترة من 8 مايو أيار 1938 إلى 9 سبتمبر أيلول 1942، كما تولى منصب وزير الزراعة عام 1937


ويعد متحف محمد محمود خليل وحرمه - الذي افتتح رسمياً في 23 يوليو تموز 1962 وأعيد افتتاحه بشكله الجديد في أكتوبر تشرين ثانٍ 1995- واحداً من أهم المتاحف في مصر. وهو في الأصل قصرٌ لصاحبه، جمع فيه مختارات من أعمال فنانين كبار قادوا الحركة الفنية في أوروبا خاصة في فرنسا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبخاصة للمدرسة التأثيرية وإعلامها مثل ماتيه وغوغان، إضافة إلى مجموعة من التماثيل البرونزية والرخامية والجصية لكبار مثالي القرن التاسع عشر كأعمال رودان وكاريو وباري وهوردون

كان محمد محمود خليل باشا قد التقى في عام 1903 راقصة مغمورة تدرس الموسيقى بمعهد كونسرفتوار بارشرا اشتهرت باسم "زورو" واسمها الحقيقي إميلين لوك. أحبها، وكانت عاشقة للفنون والاقتناء، فاختلطت عنده العاطفة مع عشقه لاقتناء كنوز الفن. تزوجها في العام نفسه، وعادا إلى مصر حيث أقاما في قصره بالجيزة عام 1915


حدث أنه عندما كان في باريس عام 1903 أن دفعت إميلين 400 جنيه كاملة في لوحـة "الفتاة ذات رباط العنق الأبيض" The One With The White Tie للفنان بيير-أوغست رينوار، وعندما راجعها محمد محمود خليل في الأمر أجابته ضاحكة: سوف يقدر التاريخ قيمة هذه اللوحة. ويتجاوز سعر هذه اللوحة الآن 50 مليون دولار

شارك في تأسيس جـمعية محبي الفنون الجميلة مع الأمير يوسف كمال وأصبح رئيساً لها بين عامي 1924 و1925. أصبح رئيسـاً للجنة الاستشارية للفنون الجميلة بوزارة المعارف عام 1927. وفي عام 1928 استطاع محمد محمود خليل أن يقنع الملك فؤاد بضرورة إقامة متحف للفن الحديث فعهد إليه الملك بهذه المهمة، فكان يسافر إلى فرنسا لاقتناء اللوحات للمتحف بصحبة سفير مصر في باريس مع مدير الفنون الجميلة بوزارة المعارف

أقيم المتحف في البداية بقصر تيجراي بشارع إبراهيم باشا ثم انتقل إلى قصر موصيري بشارع فؤاد عام 1930 ثم إلى قصر البستان عام 1935، ثم إلى قصر الكونت زغيب بجوار قصر هدى شعراوي الإسلامي الطراز، حتى هدمت مباني القصرين في عهد الدكتور عبد القادر حاتم وزير الثقافة والإعلام في مطلع ستينيات القرن الماضي، وموقعها أصبح موقفاً للسيارات يطل على ميدان التحرير بعد فشل مشروع الفندق السياحي الذي كان من المقرر إقامته في هذا الموقع

في عـام 1937 أشـرف على الجناح المصري بمعرض باريس الدولي، وبه عرض الكثير من أعمال الفنانين المصريين في ذلك الوقت. وفي عام 1949 أقيم معرض بباريس عُرِضَت به مختاراتٌ فنية من المتاحف المصرية والفرنسية وبعض لوحاتٍ لفنانين مستشرقين من مجموعته. أشرف على هذا المعرض فنانون مصريون وفرنسيون، وكان محمد محمود خليل رئيساً للجانب المصري

وربما جاز القول إنه لولا أن محمد محمود خليل باشا قد خلّد نفسه بالمتحف الذي يحمل اسمه لما تذكره كثيرون في تاريخنا المعاصر

وشهدت القائمة عودة الوجوه الملكية من جديد، إذ احتل الملك فؤاد ملك مصر المركز الأول بشكلٍ غير رسمي، حيث نجح في في تنمية ثروته بحكم مركزه. كما انضم إلى القائمة حاكم مصر السابق الخديو عباس حلمي الثاني الذي عزله الإنجليز عن العرش عام 1914، وإن لوحظ أن ثروته تركزت خارج مصر

وأدى اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إلى ظهور طبقة جديدة من الأثرياء أطلق عليهم أثرياء الحرب، حيث كان معظمهم من التجار الذين يمتلكون مخازن كبرى بها بضائع توقف استيرادها فقفزت أسعارها، ولم يكونوا مؤهلين للمال الذي حصلوا عليه، فاندفعوا في أعمال ومشروعات دفعت رسامي الكاريكاتير في معظم المجلات إلى تناولهم بالسخرية. في الوقت نفسه، شهدت مصر هروب عدد من الأغنياء وخاصة من اليهود وتصفيتهم أعمالهم، في أعقاب وصول القوات الألمانية إلى حدود مصر الغربية واقترابها من العلمين


في كتابه "تطور الحركة الوطنية المصرية 1882-1956" (دار شهدي للطبع والنشر والتوزيع، 1957)، يقدم شهدي عطية الشافعي أحد أبرز قادة الحركة الشيوعية المصرية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين رؤيةً مهمة. يقول الكاتب تحت عنوان "سيطرة كبار رجال المال": "وفي ظل الاستقلال الاسمي الذي فازت به مصر، ظهرت نواةٌ بارزة من كبار الماليين المصريين، المتصلين أوثق اتصال بالشركات الأجنبية، برؤوس الأموال الاستعمارية. إذ رأت هذه الشركات أنه من الخير لها أن تعين من بين أعضاء مجالس إدارتها بعض مستوزرين سابقين، وبعض كبار الموظفين ليستخدموا جهاز الدولة في خدمة هذه الشركات. كما أن بعض أثرياء التجار المصريين أمثال فرغلي، وعلي أمين يحيى، رأوا من صالحهم التعاون مع رؤوس الأموال الأجنبية لتحقيق مزيدٍ من الأرباح. ومن ثم برزت فئةٌ جديدة شاركت كبار الملاك الحكم تحت سيطرة السراي والاستعمار"

ويضيف شهدي عطية قائلاً: "هذه الفئة وأمثالها من كبار الماليين المتصلين أوثق اتصال بالاحتكارات الأجنبية اجتهدت أول الأمر أن تنشيء لها أحزاباً مستقلة، كحزب الاتحاد عام 1925 الذي كان يرأسه يحيى إبراهيم باشا (من كبار الماليين) ونشأت باشا، ثم حزب الشعب الذي كوّنه صدقي باشا 1931، ولكن هذه الأحزاب فشلت فشلاً ذريعاً. لقد نشأت في أحضان السراي وبقوة البوليس ورجال الإدارة، فلم تنجح في تضليل أحد، وسرعان ما كانت تذبل وتموت بمجرد خروجها من الحكم. ومن ثم اتبع كثيرٌ من كبار الماليين سياسة جديدة، هي البقاء خارج الأحزاب تحت يافطة المستقلين وتحت طلب السراي والاستعمار، كلما أراد انقلاباً جديداً"

غير أن نجمي المجتمع في تلك الفترة كانا رجلي مال وأعمال اتسم نشاطهما بالعمل المؤسسي: المهندس العصامي أحمد عبود باشا، وسليل عائلة التجار محمد أحمد فرغلي باشا

| | تابع القراءة »