كتاب الرغبة (22): امرأة الفاليوم

| |









هذه رواية مهداة إلى الدموع التي تملأ العينيّن من دون أن تسيل
وهي وقفة مع نساءٍ يشغلُ الزمن مركزَ وعيهن
في رواية هيفاء بيطار "نساء بأقفال" (الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت؛ منشورات الاختلاف، الجزائر، 2008) نتابع معاناة النساء المتدثرات بوحدةٍ قاسية، وتمزقهن بين الرغبات وقيود المجتمع
والمرأة دُرةٌ غافية، تخشى أن تصبح بمرور الوقت محض محارة وقشرة كلس اسمها المؤلم: عانس
و"العانس"، ليلة تتوكأ على عصا الخريف كي لا تتعثر أو تتبعثر
اللافت للانتباه أن الكاتبة – وهي طبيبة اختصاصية بأمراض العين وجراحتها- تتبنى فكرة أن الجنس لدى هؤلاء النساء مرتبطٌ بالكبت والحرمان، فيما تبدو ممارسته في سياق العمل الروائي فعل انتقام من سلطة ذكورية تسن قوانين شرف خاصة بالمرأة، مقابل مفاهيم أكثر تساهلاً وتسامحاً مع الرجل


دعونا هنا نشير إلى أن هيفاء بيطار تقول في أحاديثها الصحفية إنها ما كانت لتكتب لولا الطلاق، فقد كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، وفي بداية مشوارها المهني كطبيبة عيون في اللاذقية ولها طفلة وحيدة لم تكمل عامها الأول حين رفعت دعوى طلاق، لاستحالة الحياة الزوجية، وغرقت في خضم معاناتها مع المحاكم الروحية المسيحية التي حكمت عليها بالهجر مدة سبع سنوات، عاشت خلالها ملتهبة الغضب والرفض والإحساس بالظلم والقهر. غير أن هذه التجربة جعلتها تتحول تدريجياً إلى كاتبة غزيرة الإنتاج
ولعل اهتمام الكاتبة بقضية قمع رغبات المرأة التي تأخر عنها قطار الزواج، أوقعها في فخ إهدار تقنيات السرد وعناصر الرواية، حتى خرجت "نساء بأقفال" أقرب إلى المحاضرة المطولة - إن لم نقل الخواطر المستفيضة- مع استرسال يشوبه بعض التكرار في الدوران حول المعنى نفسه. صحيح أن الرواية اجتهدت في كشف مكنون المرأة التي يصفها المجتمع بالعانس، لكنها بدت كأنها تصفية حساب مع الرجال، إذ لم نجد في هذه الرواية على امتداد 160 صفحة نموذجاً واحداً سوياً أو ناضجاً للرجل
هنا، كل النساء ضحايا، وكل الرجال بأنياب




الأخطر من ذلك هو حشو الرواية حشواً بكمٍ هائل من الصور الجنسية، قد تفيد في رفع معدلات توزيع الكتاب، لكنها لا تخدم الفكرة الأساسية للرواية، ولا تضيف للغة الإبداع الروائي سوى تفاصيل يراها البعض صادمة عن الفعل الجنسي الخالي من أهم مكوناته: الحب

صور قد تضايق قطاعاً من القراء هنا، لذا ننصح بالتوقف عند هذه النقطة لمن ليس مستعداً للغة صادمة وتفاصيل قد تكون مقززة لهؤلاء

الشخصية المحورية في الرواية هي ناديا، التي تشعر أن قطار الزواج فاتها فترفع راية التمرد
"في الخمسين تمزقُ النساء عذرية الصمت، وينتهكن عفته" (ص 57)
منذ اللحظة الأولى، تضعنا الروائية في الصورة لندرك حجم الضغوط التي تتعرض لها ناديا
"كانت ألف فكرة وفكرة تتقاطع في عقل ناديا، وقد بدا عليها أنها تدشن أكبر ثورة فكرية في حياتها. كانت تشعر أن تزاحم الأفكار وتصارعها أشبه بساحة معركة. ضغطت براحتيها بقوة على صدغيها كما لو أنها تمنع انفجار جمجمتها وكزَّت على أسنانها وهي تردِّد: كفى، كفى، رأسي سينفجر من ضغط الأفكار" ( ص 5)
الضغط يشمل المكان أيضاً، فهي "تحدق في الأثاث الأبدي حولها، أثاث يذكرها كل لحظةٍ بعمرها، نصف قرن" (ص 5). تغوص ناديا في زمنها المعلّب، وهي تشعر بالخسارة، إذ غمرها "إحساس ساحق بأنها خسرت حياتها" (ص 6) والسبب؟
سؤالٌ قاتلٌ مثل التخثر الدموي، إجابته تنهش القلب كذئب أغبر
"لقد عاشت حياتها في توق أبدي لحصول أشياء حقيقية، غنية، في توق لإشباع عواطفها والإحساس بالامتلاء والغنى والمشاركة والفرح، لكن هذا التوق ظل حبيس قلبها وتحوّل مع الزمن إلى شعور ثقيل ضاغط يصعب احتماله، ثم تبلور هذا الشعور وكشف عن حقيقته المخزية: البغض لكل ما حولها" (ص 6)
وفي عزلة الجسد، تنفجر في العتمة كرة الضجيج
"انتفضت من مكانها كمن لسعتها الحقيقة المُرّة: ضاع عمرك يا ناديا" (ص 6)


وفي غرفة امرأةٍ تصارع الكبت، فإن الخيال خارج عربدة الستائر ممنوع
هناك أمورٌ لا نجرؤ على أن نبدأها، خشية أن تصبح كابوساً مزمناً
يتوالى شريط الذكريات الأليمة
"لا تنسى أبداً المرة الأولى التي ضبطت والدها يتفرج على فيلم جنسي فاحش، رجل يضاجع ثلاث نساء سحاقيات، شعرت أن قلبها يهوي، لا بل أحست أنها تسمع صوت ارتطامه باالبلاط، وقفت في الرواق المعتم تتفرج على والدها وقد أدار ظهره لها، وعلى الفيلم في الوقت ذاته، ومشاعر طافحة بالكره والاحتقار له تنفجر في كيانها كله
كيف، كيف يسمح لنفسه أن يتمتع بحقوق ويقوم بأفعال يُحرّمها على غيره، بأي حق بأي حق؟!!" (ص 9)
هنا المفارقة
"والدك يحدق بك بنظرةٍ مؤنبة إذا عرف أنك تتحدثين هاتفياً إلى زميل لك في العمل. يذكرك أن سمعتك العطرة أساس وجودك وقبولك في مجتمع النفاق، وفي الليل ينصرف إلى متعته مستمتعاً بأفلام الجنس، وحين يقفل شيفرة هذه المحطات تشعرين تماماً أنه يقفل حزام العفة الوهمي الضاغط بقوة على حوضك وما بين فخذيك" (ص 9)
عذراء في الخمسين، تخلّف كل مساء جسدها غافياً على قشرة الألم


أما قرار المرأة التي تقول إن "صديقها الوحيد الفاليوم" لأنه "يجعلها تطفو، يجعل الحياة مشلولة وبطيئة، الأهم يُعفيها من التفكير" (ص 53)، فكان الثورة على قيود تكبلها، لتعيش حياتها كما تشاء. "ستدشنين حرية جنسية، ستمارسينها بالطول والعرض" (ص 10)، "حيث سيكون كل شيء عبثياً ومتحللاً من ثقل أخلاق مقيتة لم يكن لها من فعل في حياتها سوى سحق روحها وسجنها في بئر الحرمان" (ص 8)
وكتم الرغبات قد يلقي بنا في هاوية العادات السيئة
إنها تندم على أنها "حنَّطت جسدها في حزام العفة غير المرئي من أجل الحصول على زوجٍ لم يأتِ" (ص 8)
لسان حالها يقول: متى ستذوب صلابة نهديّ؟ إن هذا الجفاف المتراكم على شفتيَّ المسترخيتين، أضناه النعاس
"استدعت الرجال المحتملين لمغامرتها الجنسية إلى ذهنها، ستدشن حريتها مع أحدهم" (ص 11)
والمرأة تبحث دوماً عن عِرق قرنفل يطرق القلب
"ومن بين العديد من الرجال المحتملين لتدشين ثورتها الجنسية مع أحدهم، رجحت كفة ثلاثة... طبيب الأشعة الذي قصدت عيادته منذ ثلاث سنوات لتجري صورة لثدييها، كي تطمئن على سلامتهما، يومها نظر إلى ثدييها بدهشة وقال: لا أصدق أن عمرك سبعةٌ وأربعون عاماً، فثدياك لشابة في العشرين" (ص11)، "لكنها لم ترد بكلمة، وتظاهرت أنها لم تنتبه لما قال، لكن حين أمسك نهدها وهرسه في آلة الأشعة، خنقت صرخة ألم، فاقترب منها، وربت على ظهرها بطريقةٍ جعلت شرارة رغبة عنيفة تنفجر من أعماقٍ سحيقة، لكنها سرعان ما قمعتها، كما قمعت مشاعر عنيفة طوال عمرها" (ص 12)
تدور في مسارات حلزونية حائرة، وهي زهرة مبللة.. على بُعد لمسة
"أكثر ما كان يؤلمها ويُشعرها بالمهانة كون الرجال الذين يتوددون لها بطريقة لطيفة أو وقحة يشعرونها صراحة وبفظاظة ووقاحة أنها محرومة، ومكبوتة كبتاً مزمناً تفضحه عيناها، يُشعرونها أنهم يمنون عليها بفضِّ عذريتها ومضاجعتها، سنّحن عليك بمضاجعة! كم تمقت هذا الشعور الذي يوصلونه إليها كل مرة كما لو أنهم المخلص، كما لو أنهم النعمة التي ما بعدها نعمة لتحريرها من الكبت الجنسي" (ص 12)
الرجل الثاني الذي قفز إلى خيالها كعشيق محتمل هو مصفف الشعر الذي لاحظت نظرات الشهوة التي كان يرسلها لها عبر المرآة. "وذات مرة أسقط عمداً ملقط شعر في فتحة قميصها، علق الملقط في الثلم بين نهديها، فمد يده لالتقاطه لكنها أبعدت يده بغضب وقالت: سأعيده لك. تأسف لسلوكه وقال إنه لا يقصد، فردت: أعرف أنك لا تقصد. لكنها تعرف قصده تماماً، بل أمكنها أن تقرأ أفكاره دون حاجتها للنظر إلى وجهه" (ص 12)
ثم خطر لها زوج صديقتها الذي طلقت منه بسبب خياناته المستمرة لها. شعرت بأنها منقادة للغواية، فقد "كان رجلاً جميلاً، وذا حضور آسر، وكان يقول لها كلما التقاها، يا مجنونة عيشي حياتك ولا تبالي بهؤلاء الجهلة الساديين الذين يسرقون عمرك... الجنس فرح لا يعادله فرح، لا تحرمي نفسك يا غبية" (ص 13- 14)
ترجح كفة الطبيب، فتتأنق وتبرز مفاتنها قبل أن تقصده في اليوم التالي بداعي إجراء فحص بالأشعة لثدييها. "لبست حمالة نهدين من الدانتيل والساتان كانت راكنة منذ سنوات طويلة بانتظار هذه اللحظة، اضطرت أن تغسل حمالة النهدين كي تطرد رائحة عطر الزمن". التقط الطبيب إشاراتها، ولم يهدر وقته، فقد "داعب نهديها بجرأة أثناء التصوير ودعاها للغداء في مزرعته" (ص 14)
وفي الموعد المحدد، أقلها بسيارته إلى المزرعة، وظل يلامسها بجرأة أقرب إلى الفظاظة، كأنه يُشعرها بأنها لا تعني له سوى مغامرة عابرة. كادت أن تتراجع، غير أن قرارها بفض عذريتها كان أكبر من أي شيء


وبدأت مغامرة الغور والانغمار
"تساءلت وهي مستسلمة لقبلاته النهمة وأصابعه العصبية تعرّيها، ألا يمكنه أن يكون لطيفاً وإنسانياً أكثر" (ص 16)
ولأن الشيطان في التفاصيل، فإن تلك التفاصيل أطلقت المارد من القمقم
"لم تنتبه كيف تعرَّى بهذه السرعة، تأملت عضوه المنتصب بنظرة حيادية باردة لكنها أحست في أعماقها بصدمة المعجزة، أهذا هو المحظور؟! أهذا هو الممنوع؟! همّت أن تلمسه لكنها تراجعت
قال لها وفحيح الشهوة يتفتق من صوته: إنه لك، خذيه، خذيه
أجفلت من تعبيره، أحست بضياع ورغبت بقوة بالبكاء، ودت لو تسأله: ماذا تقصد؟!
لكنه رجاها أن تركع، في الواقع أمرها أن تركع، قلبها على ظهرها، وأجبرها على الركوع بطريقة معينة، فيها من الترهيب أكثر مما فيها من الترغيب..كانت تذعن لأنها تحوّلت في الحال إلى إنسانة غريبة عنها، لا تعرفها، كما لو أنه يقبض على عنقها كما لو أن زمام حياتها في قبضته..صفع إليتيها صفعات قوية متلاحقة، بوغتت من معنى هذه الصفعات، أحست بجهلٍ مطبق، وفكرت أن الجسد جاهلٌ كالعقل تماماً
وفجأة أحست بألم صاعق يمزّق شرجها، صرخت بجنون: ماذا تفعل أكاد أموت. أطبق راحته بقوة على فمها ورجاها أن تصمت وقال: سوف تستمتعين بهذه الطريقة
من خلال أصابعه القوية المطبقة على فمها استمرت بالصراخ، ودموع الألم تتدفق من عينيها، ومشاعر الانسحاق تهرسها هرساً، كانت عاجزة عن الحركة فقد ثبتها تماماً بوضعية الركوع، وسجنها بين فخذيه المتينين" (ص 16- 17)
وبعد تفاصيل أخرى قد يراها كثيرون مقززة، وصفتها البطلة في حديث مع النفس بالقول: "تجربة خرائية يا ناديا، قوليها صراحة" (ص 18)، ينفصل عنها الرجل ويتجه إلى الحمام دون أن يكلف نفسه أن يلقي عليها مجرد نظرة
الرجل الذي تبلدت مشاعره وفقد إحساسه، قاس كتفاحة حديدية
ورأس المرأة تطالب بذراعٍ يتوسدُها بعد حرب الوسائد
لماذا بقيت ناديا في سريره؟
إنها حالة الشلل الذليل التي أصابتها وجعلتها فاقدة للاتجاه، قبل أن يباغتها الرجل إثر فترة استراحة بطعنة أخرى
"سنجرب الآن طريقة أخرى... أحست بطعنة ألم ومهانة من كلمة سنجرّب كما لو أنهما يلهوان أمسك يدها وقادها إلى عضوه... أمسكت هذا الشيء الخرافي، الذي أخذ بالنمو، فكرت أنه إحدى عجائب الدنيا السبع، جعلتها تلك الفكرة تنفجر بضحك صاخب، كما لو أن كل ألمها وأحاسيسها بالمهانة تحوَلت إلى ضحك" (ص 18)
والبعض يضحك كثيراً وهو ذاهبٌ إلى الموت
"شعرت كيف أرخى بثقل جسده فوقها، شعرت كيف فتح نفقاً مسدوداً بين فخذيها، وبتدفق سائل حار لزج...ودوت ضحكته المجلجلة: لا أصدق، لا أصدق أنك عذراء
دس كومة مناديل ورقية في جرحها النازف وأسرع إلى الحمام يغتسل، قامت تغالب آلاماً مبرحة في حوضها، وشعرت بحاجة للتغوط، كانت كل أحاسيسها متركزة في شرجها، النابض بالألم... شعرت أنها عفّرت كيانها وكرامتها في ذل الجنس" (ص 19)
ها هي تدوس حافيةً على أجزاء صورتها، وقد صارت شظايا من مهانة
ضاجعها كدمية، حتى سكن بجانبها، كميت
"علاقة طافية في فراغ، نكاح فج لا ينبثق من شيء ولا يفضي إلى شيء" (ص 21)
كانت تجربة مهينة بكل المقاييس، شعرت معها ناديا بالخواء
"الحقيقة الوحيدة التي تعلمتها من هذه التجربة، أن فعل الجنس هو للإهانة والتحقير" (ص 23)، وهي "تحس بجرح عميق عميق، لأول مرة تعي أن شكل عضو المرأة أشبه بجرح، جرح لا يمكن أن يلتئم" (ص 31)
والبحر ليس أكثر من دمعة تتخفى وراء عين ساهرة
بعد "تجربتها الجنسية الأولى الكارثية" (ص 49)، تصر على مواصلة طريق اكتشاف الجسد، فهي "لم تعد تطيق ممارسة العادة السرية، التي أورثتها كآبة خانقة" (ص 49). كان الرجل الثاني الذي اختارته هو مصفف الشعر، الذي كان "محبطاً بعد فشل خطبة استمرت سنتين، لذا لم تحتج لجهدٍ يذكر كي تشتعل شرارة الرغبة بينهما" (ص 49)
تكررت لقاءات عصر الاثنين بينهما، واتسمت بأن "كلاً منهما يشعر أن من واجبه أن يُعبر للآخر عن حبٍ واشتياق، كما لو أنهما محرجان من ممارسة جنسٍ فج خالٍ من العاطفة" (ص 50)
"مضاجعة يوم الاثنين، تشعرها بعثية الحياة، بلذة التمرد عليهم، تشعر أنها تمد لسانها في وجوههم هازئة وشامتة، لم أعد مسدودة...لن أغادر الحياة عذراء يا قساة" (ص 50)
ورغبة المرأة أوّلها التماع، وآخرها توقٌ إلى ينابيع تشق رمال قلبٍ يقتاتُ على الصبر
تتكرر ملاحظتها مع الرجلين، فالأول لم يفكر في إهدائها شيئاً في لقائهما الأول، والأمر نفسه حدث مع الرجل الثاني، ومع ذلك فإن هذا لم يمنعها من مواصلة مواعدته بروح ميتة وعواطف زائفة
"إنه الرجل القضيب، تحس بسخرية من العلاقة التي لا تحمل ذرة عاطفة... ولم تشعر ولا مرة واحدة بالنشوة، لم تصل ولا مرة للرعشة، لكنها في كل مرة حين يسألها هل أنت مستمتعة تغمض عينيها وتقول بصوتٍ منافق: جداً" (ص 51)
ربما جعلت من سوائله الشفافة مادة لاصقة لقطعها المتناثرة
"كانت تغادر محله مرددة بسخرية مُرّة عبارة ابتدعتها: أحزان الجنس. وحين تختلي بنفسها لا تشعر أبداً ببصماته في روحها، رجل ينزلق عليها ولا يترك أثراً" (ص 51)
وذات يوم اثنين، وبعد "وصال ناجح ميكانيكياً" (ص 52) مع مصفف الشعر، يصارحها بأنه خطب فتاة. "لم تتركه يكمل، تمنت أن تصرخ به كان يجدر بك أن تصارحني بذلك قبل أن تضاجعني" (ص 52)
تتذكر ناديا عبارة "الحي بعد الجماع كئيب"
والقلوب الجائعة تفضل المضاجعة المبهجة على العاطفة الحزينة
تتدفق على ذاكرتها الصور المهينة مع الطبيب ومصفف الشعر، حتى صارت مدينةً حرثتها الطائرات
وفي سياق لاحق، تخبر سناء صديقاتها - وبينهن ناديا- قائلة: "لن تصدقنني إذا قلتُ لكُن أنني قررت خوض تجربة الجسد بعد أن قرأت مقالاً عنوانه غزال المسك" (ص 59). فقد كان المقال يتحدث عن الحيوان الذي يمتاز بوجود غدة أمام عضوه الجنسي تفرز عطراً رائعاً هو المسك. وهذه الغدة تنشط في شهر معين من السنة هو شهر التزاوج، لجذب إناث غزال المسك إلى الرائحة ويتم التزاوج
"حين أنهيت قراءة هذا المقال وجدتني أتساءل من استأصل غدة المسك من الإنسان؟ لماذا ربّونا أن نخاف من الجنس وأن نعتبره نتناً؟" (ص 59)



كم تفتح حواء خزائنها وهي تسير مدفوعة بالرغبة في الهروب من رعب الحاضر
وتتوالى اعترافات الصديقات، لتبدأ بينهن مباراة في البوح. فهذه سناء تتحدث عن صديق شقيقها الذي فض عذريتها بعد مبالاة، ثم أخبر صديقاً آخر حاول ابتزازها لينال مراده منها، وهناك تغريد التي تحكي كيف قررت أن تكون تجربتها الأول مع صديق الطفولة الذي أصبح شخصية مرموقة كأستاذ جامعي ثم كسفير. تستوقفنا هنا عبارة دالة وموحية. فحين يقول السفير لتغريد أثناء لقائهما في جناحه بفندق فخم إن لها جسد فتاة في العشرين، لا يكون ردها سوى أن "قلتُ له، لم يمر عليّ سوى الزمن ولا الرجل" (ص 66)
وتشير تغريد إلى إحباطها بعد أن "قاد يدي لتمسك زائدة هزيلة بين فخذيه، أحسستُ بسعادة خبيثة لأنه بدا مُحرَجاً، كنتُ أعرف عضو الرجل من خلال الأفلام الجنسية التي أشاهدها بالسر، لعنتُ حظي وقلت لنفسي سيبدو أنك ستخرجين آنسة كما دخلت من جناح السيد السفير" (ص 66- 67)
حسرةٌ على متعة أفلتت، وسخريةٌ من رجولةٍ دعيَّة ترتدي رابطة عنق وتقف في طابور البروتوكول
وفي محطات الحياة، لا متسع للعتاب، ولا وقت للبكاء



أما سونيا فهي تروي لصديقاتها كيف كانت مغامرتها الجنسية الأولى مع زميلها في العمل. وحين أصبحت تتمنى لو تتزوجه سراً ولمّحت له عن رغبتها بذلك، رفض الفكرة بشدة لدرجة أشعرتها بالمهانة والصِغر، قبل أن يبتر العلاقة بينهما بالتنصل من المواعيد الغرامية. تبرر سونيا الأمر لنفسها بأن هذا الرجل يعاني من حالة سمتها "رهاب الزوجة"، أي الخوف إلى حد الذعر من زوجته
الأخطاء الفادحة تولد حين نغمض عيوننا في انتظار قبلة تسرق براءتنا
تتذكر الصديقات في جلستهن التي استطردت وطالت لتلتهم 20 صفحة كاملة من الرواية، صديقتهن الغائبة دعاء، التي أحاطت نفسها بسياج التدين وسحقت غريزة الجنس لديها، ومسحت من ذاكرتها أيام الهياج الجنسي الجنوني، "حين تحوّل العالم كله - بنظرها- إلى قضيب كبير" (ص 83)، "وشعرت أن عضوها اهترأ لشدة ممارساتها للعادة السرية" (ص 84)
بعد منتصف الرواية بقليل، تقتحم الحكاية شخصية محورية جديدة، هي هنادي، طالبة الدكتوراه في الطب النفسي التي تطلب منها لجنة المناقشة إعادة النظر في أطروحتها: دراسة نفسية لظاهرة العنوسة في العالم العربي. حتى أستاذها عميد كلية الطب النفسي، د. ناصر، يخبرها بأن "ما قدمته، ليس دراسة علمية، ما قدمته شيء لا أعرف ما أسميه..فضائحي" (ص 100)
يتملك اليأس هنادي وتشعر بالخيبة حيال نساء عانسات وضعن ثقتهن بها كاشفين أعماقهن والخراب الذي أحدثه المجتمع بهن
"فكرت بحزن أن كل حماستها في إنجاز مشروعها عن الحياة النفسية والوجدانية للعوانس قد سُخّفت، شعرت أنها تائهة، كأنها لم تهب ذاتها طوال الأشهر في تدوين خصوصيات نساء غير متحققات، نساء دُفِنّ في الصمت والكبت، يعشن حياة مغلقة إلى درجة تبعث على الذهول" (ص 103)



هنادي، المطلقة بعد زيجة دامت خمس سنوات، "تحس العوانس امرأة واحدة، بل في الحقيقة تحس بتوحد معهن"(ص 119)، تحدثنا من واقع أطروحتها وخبراتها في عيادتها النفسية، عن انتحار أمل - التي تمت لها بصلة قرابة بعيدة- التي تقول في دفتر مذكراتها" لم يلمسني رجل أبداً، لست مجرد عذراء عادية، بل حالة مثالية من تطرّف العذرية، إذ لا أعرف حتى القبلة" (ص 126). "..وأمل التي أرادت أن تدشن حريتها عن طريق كسر سلطتهم والاختفاء من حياتهم بفعل الحرية الأمثل الذي اختارته: الموت" (ص 133)
والمرأة الوحيدة، نافذةٌ تطل على شارع فرعي غافل عن الحياة والبشر
تتذكر د. هنادي حكاية هالة، التي اختارت - وهي على أعتاب الأربعين- عشيقاً يصغرها بثلاثة عشر عاماً. "كنتُ أحتاج هذا العاهر الصغير، ليمتعني، لأقتحمه، لألجه، لأمارس معه ما لم أتمكن من ممارسته أبداً، لأطلب منه ما أرغب، لأن المرأة لا يمكنها أن تطلب ما يمتعها إلا من عاهر، كما يطلب الرجل ذلك من عاهرة" (ص 115)
نموذجٌ آخر للشاب الوسيم الذي يخطف البسمة من ثغور الحسان، لكنه يضاجع في السر امرأة ذبلت ورودها، حتى لا تهتَّز صورته كدون جوان
والعاشقة التي لا ترى الكذبة التي تعيشها، مستعدة لأن تختفي رقماً في ذاكرة الهواتف الحزينة




أما جولي، فهي ربان سفينة لذتها
"فقد تحدَّت سلطة المجتمع وهيمنته على حياتها بفعل الجنس. لأن الجنس هو الحياة كما تصرح جولي دون خجل" (ص 133). وحين تصاب أخت جولي بانهيار عصبي، يتبين لنا أن السبب هو اكتشافها وجود علاقة آثمة بين زوجها وأختها. تبرر جولي لطبيبتها النفسية الأمر، فتقول لها: "أتعرفين، أعتقد أنني قدمت خدمة لأختي، إذ إن علاقتي التي تسمونها آثمة مع زوجها، جعلته أكثر لطفاً ورقة معها، هو ذاته اعترف لي أنه بعد لقاءاتنا يعود أكثر حيوية وتفهماً مع زوجته وأولاده" ( 136)
تعكف د. هنادي على إعداد مُداخلة بهدف إلقائها في مؤتمر عن ظاهرة العنوسة، لكنها تتلقى قبل انعقاد المؤتمر بيومين ظرفاً مختوماً بدون اسم، به رسالةٌ تشير إحدى سطورها إلى احتمال أن صاحبتها "يمكن أن تكون واحدة من عوانس أطروحتك" (ص 160). استولت على اهتمامها الرسالة التي تروي للطبيبة النفسية تفاصيل علاقةٍ نشأت على مهل بين امرأتين في منتصف العمر، حتى صارت اشتهاءً، فالتحاماً بين جسدين ورغبتين. وقبيل نهاية الرسالة الطويلة تقول المُرسلة المفترضة: "صديقتي التي صارت حبيبتي أو عشيقتي، إنها أروع من رجل لم يأتِ ولن يأتي...لمساتها ومداعباتها تشعرني بنشوةٍ لم أتخيلها يوماً" (ص 160)
تهز الرسالة د. هنادي من الأعماق، فإذا بها تعيد ترتيب أفكارها
"ومن دون ذرة ندم، أخرجت الأوراق الأنيقة من درجها، وبنظرةٍ سريعة خاطفة رمقت مُداخلتها ومزقتها نتفاً، وتهاوت على الأريكة، وصوت واهن أخذ يعلو ويعلو مدوياً بعبارةٍ مزلزلة، جرائم صامتة مباركة" (ص 160)
أحياناً، لا يقل ذنبُ الضحية عن جُرم الجلاد

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

19 التعليقات على "كتاب الرغبة (22): امرأة الفاليوم"

أكتب تعليقا