كتاب الرغبة (20): الحاجز..والشهقة

| |


"صمت الفراشات" رواية عن الرغبة، والإكراه، والحب المحرّم

إنها رواية تقول إن البشر مرغمون على الحياة في كذبة، وهو إرغامٌ لا ينبع سوى من خضوعهم لفكرة الاستكانة واستسلامهم لحواجز وهمية

وفي الرواية الصادرة عن دار الآداب في بيروت العام 2007، يتبين لنا كم تشدنا الحسرة للعقها

فراشات الروائية الكويتية ليلى العثمان هن النساء، وتحديداً هنا النساء الصامتات خوفاً، والمحكوم عليهن بأن يبتلعن ألسنتهن ومواصلة لعب دور الضحية. والشاهد أن بعض النساء يصمتن، ويرضين بما قدر المجتمع لهن، مثل زينب والدة نادية، الشخصية الرئيسية في الرواية، ومثل عائشة الفتاة التي يغتصبها أخوها، ويُطلب منها الصمت، فتصمت ثم تنتحر، ومثل إيمان زوجة فيصل شقيق نادية، وعائشة تلميذة نادية، وكذلك إيمان. غير أن بعضهن يتمردن، مثل نادية التي تروي ولا تصمت خلافاً لأمها، فنجدها ترتدي عباءة شهرزاد، علها تتحرر من العبودية وظلم المجتمع

"كلهم كان يأمرني بالصمت. كانت أمي حين تختلف معي على شأن حتى وإن كان يخصني، تضغط سبابتها على شفتيها وتقول: اصمتي واسمعيني.. أبي له طريقته الخاصة في إصدار الأمر بالصمت، مجرد أن يلمح إشارة الاعتراض على وجهي، يصفق بكفيه فأفهم أن علي ابتلاع الكلام وصوتي. لم يكن أخي أرحم، فحين كنت أراه يختلف مع زوجته، أحاول بسبب حبي لهما، أن أرش بعض كلمات لطيفة لتهدئة غضبهما قبل أن يتطور، فيتحول غضبه منها إلي: يصرخ في وجهي "اصمتي ولا تتدخلي" فلم أجرؤ بعد ذلك على إقحام نفسي ومشاعري الطيبة بينهما. حتى المعلمة التي يُفترض أنها المربية الفاضلة ضاقت بجدالي المتكرر.. عاقبتني بطرق شتى فتعلمت الصمت في حضرتها. كرهتُ صمتي. لكنني واصلته حتى جاءت اللحظة التي أعلمني أبي قراره بتزويجي من الثري العجوز. استطعت من هول اختياره أن أستجمع شجاعة موهومة وأنطق:
- لن أتزوج. سألتحق بالجامعة" (ص 16-17)

بطلة الرواية هي"نادية": فتاة لأب كويتي هو محسن، ولأم شامية من حلب هي زينب. تجبرها عائلتها على الزواج من كهل ثري والعيش معه في قصر يشبه السجن بالنسبة لها. تبدأ مأساتها مع الزوج المُسن في "ليلة الدخلة"



"أغمضت عينيّ، حاولت في لحظة أن أقطع المسافة ما بين ربيعي التاسع عشر وخريفه الستينيّ، لأكون قادرة على استنهاض كلمة واحدة أجامله بها وأكذب. لكن لساني تحجّر. واشتعلت بداخلي نارٌ وددتُ لو تركض ألسنتها إلى أبي وأمي اللذين قدّماني لقمة لجيفة من سلالة تتوارث مالها، أمراضها، ولا حائل دون نزواتها وغزواتها. ظلّ يحدّق بوجهي القمريّ بعينين منطفئتين لا تسعفانه على استكشاف بضاعته وتقييمها. تصوّرته سينحني ليقبّل جبيني كما يفعل العريس في الأفلام المصرية، ثم يسري بشفتيه على بستان وجهي الناعم ويذهب بعد ذلك حيث تسوقه شهوة الليلة الأولى. لكنه لم يحرّك سوى إبهامه. دعك به شفتيّ دعكاً غليظاً ظننته يسعى لمسح أحمر الشفاه عنهما راغباً في اكتشاف لونهما الأصلي. لكن صوته قطع كلّ توقّ:
- ها الشفايف الحلوة لو نطقت بشيء سأقطعها!
ارتجفتُ، شعرت بأمعائي تتعارك، احتجت إلى الحمّام لأفرغ دفقة الخوف، أردت أن أنهض لكن كفّه حطّت على كتفي ورصّتني ثانية إلى الأريكة وتابع:
- سرُّ الليلة لن يعرفه أحد. تعلّمي الصمت واعتاديه
هل للصمت لغة لأتعلّمها ولون لأعتاده؟" (ص 14- 15)

بدا قصر الصمت بئراً عانت مياهها من التعفن أو المرض

ثم تبلغ المأساة ذروتها حين يجلب خادمه المطيع عطيّة، ويأمره باغتصابها لفض بكارتها كي يسهل عليه الأمر بعد ذلك
هنا تقدم لنا ليلى العثمان غابة من التفاصيل

"وجهه صار قريباً من وجهي. ظل هكذا حتى اطمأن أن صوتي المبلوع لن يزوع صراخه، ثم التفت ناحية الباب وصرخ:
- ادخل
غلبني فضولي رغم خوفي، دفعني لأرفع بعض رأسي وأرى من المأمور الذي سيدخل علينا في ليلة يفترض أنها تخصني وتخصه، فوجئت بعبد بحجم مارد يقتحم الغرفة، يقترب من السرير ويبدأ بخلع ملابسه!. لم تسعفني براءتي لأستنتج إجابة لما يحدث. فزعي تنامى حين رأيت العبد أمامي عارياً تماماً يلتمع جسده بالعرق. لم أكن قد رأيت جسد رجل من قبل لكنني بشيء أشبه بالإغماءة اللحظية، لمحتُ جسد أخي الصغير حين كانت أمي تسقطنا في البانيو كل أسبوع لنستحم، كانت تصر أن أظل محتفظة بالقطعة الصغيرة التي تستر عورتي، بينما تترك أخي حراً منها. تبدأ به وعندما تنتهي وتلف جسده بالفوطة تأمره أن يخرج وينتظرها على السرير حتى تفرغ مني. عندها تأمرني أن أخلع الساتر وتدعكني بليفة غير خشنة. حين تغمر وجه أخي بالصابون ويغمض عينيه، كنت أشرع في تأمل جسده، فلا أجد بين جسدينا أي فروق غير ذلك الجزء الذي تسمح له أمي بإبرازه
ويوم احتججت ذات مرة زمت ما بين حاجبيها غضباً وقالت عورة البنت ما يصير يشوفها غير زوجها
أفقت والعجوز يأمر عبده:
- ابدأ
اقترب العبد فصرخت. ضاعف العجوز قوته وهوّس على ذراعي ضاغطاً بكفه اليابسة على ثغري ليكتم صوتي. بينما عيناي المرتعبتان لا تقويان على الانغلاق، أحدق بوجه العبد ذي العينين الصفراوين البارقتين، اقترب أكثر، كشف عني الغطاء الحريري، بدأ يعريني، عافرت بساقي لأمنعه، لكنه، ولشدة قوته، استطاع أن يوهن كل جسدي حتى سيطر عليه وباغتني بسيخ النار الملتهب، اخترقني حتى الحنجرة التي أفرزت سائلاً يصطخب مذاقه بكل الطعوم المُرّة. لا أدري كيف جاءت صرختي مدوية. كأنني اختزنت آلاف الصرخات فانطلق حبيسها دفعة واحدة. ضغط العجوز بذراعه على وجهي، شعرت بأنني أختنق وأموت وصوت العبد اللاهث يتسرب إليّ:
- تفضل عمي
حررني العجوز من ثقله ورائحته، أفقت فاصطادت عيناي العبد وهو ينحني لسيده بعدما هيأ له الوليمة، لملم ثيابه، حملها وخرج عارياً
لماذا قالت أمي إن زوجي هو الوحيد صاحب الحق في رؤية عورتي؟ لقد كذبت عليّ، شعرتُ بكراهية دسمة نحوها، تمنيت لو أنها أمامي لأندفع إليها أغرز أظافري المطلية بلون الدم داخل حلقها وأثقب لسانها. أصرخ في وجهها "هل انكشفت عورتك على أحد غير أبي؟"
التويت على جرحي، شددت ساقي المبللتين بنثار الدم إلى بطني متوجعة أذرف أنيني، أشتهي غفوة تنسيني الذي شاهدت وكابدت..." (ص 20-22)


مثل لحن جنائزي، تتصاعد معاناة نادية مع زوجها الكهل عندما يقدم في المشهد الجنسي الثاني على معاشرة الخادمة أمام عينيها وعلى فراشها

"ما الذي تفعله تلك المرأة المتجردة من كل خجل؟ كيف تستعذب الفعل دون تباطؤٍ ولا قرف!! صوته الأجشُ وهو مأسورٌ بتوحُّش جسدها يصارع ليخرج إليّ:
- شوفي..تعلمي
هل فقد عقله حتى يتصورني أستطيعه مضاهاتها بهذه اللعبة القذرة؟ هل يمكن لي أن ألوّث روحي وجسدي كما تفعل؟ كانت جورجيت أشبه بذئبةٍ جائعة، وكان هو أشبه بالطريدة تستهوي العواء. خمدا. والنار فيّ لم تخمد" (ص 57)


ومع الأيام، وبعد نحو أربع سنوات، تحاول نادية الهرب من القصر الذي سجنت فيه، وتنجح خطتها فتذهب إلى بيت أهلها. وحين يلحق بها نايف ويهددها تقف أمها وأبوها إلى جانبها، ويصاب الرجل المُسن بجلطة فيموت، لترث نادية القصر ومال الزوج

وبموت الزوج تبدأ رحلة نادية، التي تفاجأ بأن طيف الماضي يلاحقها في كل تحرّكاتها
ترفض نادية الاستكانة إلى واقعها الجديد كأرملة وتطلق صيحة في وجه أهلها

"- المال الذي أذلّني لن يسعدني، أريده من جهدي وعرق جبيني" (ص 102)

وهكذا تقرر نادية استكمال تعليمها في الجامعة، وفيها تتعرف إلى الدكتور جواد المتزوج من أمريكية وله منها ابن، لكنها تقيم في الولايات المتحدة، وهو في الكويت، ويريد امرأة يتسلى بها، وفي أحسن الأحوال يرغب في زواج متعة يتم سراً. يمارس الرجل حيلة الإغواء ويلف خيوطه حول نادية، التي تتلقى تحذيرات من الأم ونصائح من الأخ، لكن للعناد لذة
فالتمرد في هذه الرواية يكتسي طابع الاحتفاء بالجسد، مثلما يجري في معظم قصص النساء

"أمي تريدني أن أخاف لأنني أرملة، وهو يريدني أرملة لا تخاف لتشبع رغباته!" ( ص 142)

يحاصرها جواد بدهاء، فتحاول الابتعاد عنه لفترة قبل أن تعترف لنفسها بأن إحساسها أقوى منها

"كانت فترة التناسي أشقى من قهر القصر، أنهكني الصبر وذبتُ في الليالي" (ص 137)
غير أنها في قربه، لم تسمح لجسدها بأن يتحرر من يقظته المصطنعة. وفي حضوره، بدت شاشة عقلها مكتظة بالحسابات والاحتمالات
" - جميلٌ أن تكتشف بأنني امرأة قادرة على أن أضع غرائزي كلها في الفريزر" (ص 139)

وجواد هذا الذي لا مانع لديه من خيانة زوجته، يُخبر نادية أنه سيقتل زوجته لو علم أنها تخونه. كأن ليلى العثمان تريد أن تتحدث عن ازدواجية معايير الرجل العربي، حتى أستاذ الجامعة

في الوقت الذي تبتعد فيه نادية عن جواد وطمعه في جسدها، نراها تشفق على عطيّة وتساعده، وفي النهاية تميل إليه، حتى إنها تشتهيه في منامها وأحلام يقظتها

"..فصارت الليالي مرابض لأحلام اليقظة التي تجذبني إلى كمينها المُضيء، فأغوص فيها بلا حذر مع عطيّة. أراني مأسورة بين ذراعيه أتملّى في سماء وجهه الفاحم وأرى القمر بين عينيه، أشمُّ رائحة تنثُّ من جسده وكأنه خرج للتو من عصائر حديقة منوّعة الثمار، عطر أناناس، برتقال، عنب وموز. أغوص في فخاخ الرائحة وأذوب فيها. ومن شفتيه أتذوق طعم تفاح أخضر، لا أقرف ولا أتمنّع. وحين يعتليني أُحسّه مثل عمود النور المُطفأ ينحدر نحو شمسي ليمتص منها الضياء. لا أحسُّ بثقل جسد، أشعر به كتطواف ورقة ناعمة على سطح بحيرة وديعة. أسمع وشوشاتها، يؤنسُني حريقها وتشجيني عواصفها. كنت أجرؤ وأكشف له كل خرائط جسدين حتى التضاريس الصغيرة. وأستسلم لهرولة شلالاته تبللني حتى لحظة انقداح الرجفة التي ترضع ملحها الشراشف وتندفن في وسائدها نايات الشهقات. لم أكن أحتقر نفسي، ولا أشعر بأنني خاطئة أفعل الحرام، فالأمر لا يتعدى كونه حلم يقظة يتركني عطيّة بعده مثل ورقة النعناع الذابلة"
(ص 210-211)

والحبُّ حالةٌ غير موضوعية يصعبُ معها أن تُداري شَبَقَ الحاجة للآخر

"الليل الحنون بصمته يكرمني بموائد الأحلام العامرة بلذائذ لقاءاتي بعطيّة" (ص 235)

تُجمع تفاصيل الحياة مع بعضها البعض بأجزاء صغيرة من أحلام اليقظة التي تساعدنا على نسيان العالم المضجر الذي نسعى للهروب منه



"ها هو عطيّة يدنو إليّ..صدره العريض أمامي مثل جنة تجذبني إلى ينابيعها وجوف غيمها. هو الصدر ذاته الذي تأملته في ذلك الحلم حين داهمني العجوز وناداه ليجلدني "صدر بحشائش قليلة يربض عليه نهدان ممتلئان تتوّجهما حلمتان كبيرتان بحجم حبّة العنب الأسود" (ص 241)

تفرد نادية أشرعة الحلم حتى منتهاه

"ظل صاكّاً عليّ حتى أوصلني إلى السرير فانسدلنا كشلالين أُزيحت عن مصبهما الحجارة. استسلمت له بارتخاء لذيذ. كان شعري الطويل يموج على ذراعه، وشفتاه تطبقان على شفتي، وجسدي يدفأُ بجسده وأنا ألج بارتعاشاتي دهليز المتعة ثم أنسَلُّ منه كورقة نعناع معصورة يفوح بلّلُها" (ص 241)

لكن المجتمع، رغم أن "سيده" أعطاه صك حريته، يظل ينظر إلى عطيّة على أنه "عبد"، وهي بطبيعة الحال نظرة عنصرية تقوم على التفرقة الاجتماعية والطبقية على أساس لون البشرة. تنسى نادية ما فعله عطيّة بها ليلة عرسها، وتسامحه ولا تحقد عليه، خلافاً لأمها، وتعطيه شقة، وتطلب منه أن يتعلم، وتوظفه في شركتها، ولا تمانع في أن يكون زوجها، وهي التي عرضت عليه أن تزوجه من امرأة أخرى. لكن أمها وأخاها يرفضان سلوكها، ويستغربان منها ما تقوم به: أن تزوره في شقته، فالعبد يُنادى ويطيع، ولكن ماذا تفعل نادية الشابة بنداء الجسد؟!

في المشهد الجنسي الثالث في الرواية، تستسلم نادية بين ذراعيّ عطيّة، لكنه يتوقف ويمتنع عند الحافة

"لم يكن لنا من خلاص إلا أن نبحر في لحظة حب تزفنا إلى جنّتها. استلقينا على السجادة. أخذ يلعق دموعي، وشفتاي تبحثان عن مستقرهما بين شفتيه. تركت لجسدي حريته ليلتهب ويشتعل بالنار، أردتها أن تصهر طوق الحديد الذي ظل يحافظ على حدوده. تمنيته يقتحمني، يشُقّني كتلك الليلة الأولى. لكنه في اللحظة الحاسمة تماسك وتوقف. واجهته بعينين لا تخلوان من خوف وحذر. كانت روحه تخوي من كل أحلامها وتتهاوى" (ص 269- 270)

ناره تلفح أسوارها، ثم ترتد كرة من لهب

وتتكرر المحاولة مثلما تتكرر النتيجة، حين يتهرب عطيّة في اللحظة الحاسمة

"لم أترك له فرصة ليجلس، حاصرته بذراعي ودخلت به غرفة نومي، وعلى سريري الذي شهد أحلام يقظتي هويت به. تمدنا متلاصقين يسري دفء واحدنا إلى الآخر. وكلانا يأمل أن تنفتح طاقة ليلة القدر لتقطف أمنيتنا ألا نتفارق
هو الآن في سريري وبين يدي، ليس خيالاً بل حقيقة من لحم ودم ونبض. أمارس معه ما اعتدته في أحلام يقظتي من مباهج العشق، كانت أصابعه كالمحراث المصنوع من لجين تعضُّ بتربة جسدي، كفّاه تدعكان صدري، وأسنانه تلوك الحلمتين فأحسّهما تكبران وتتورمان. أصرخ بتأوهات الألم واللذة. وبكل إثارتي أراوده أن يقترب من البوابة التي اغتصبها في قصر العجوز؛ لعله يغرس نبتة منه في رحمي لتكون "الأمر الواقع" الذي نواجه به أهلي المتجلّدين، فقد تنفذ شوكة من الدفء إلى قلوبهم ويرضخون، لكنه ظل يبتعد كالمرة السابقة، والسرُ يحيرني: هل يلاحقه شبح العجوز فيخشى سوطه! أم يريد أن يبقيني طاهرة كطهارة حُبّه؟" (ص 282)

ما من احتراق يشبه إشعال نار رغبتك وإخمادها بالامتناع

يقول لها عطيّة إنه يريد مغادرة المدينة كي لا يفصل بينها وبين أهلها الرافضين لعلاقته بها. ويتبين لنا أن شعوره بتأنيب الضمير بعد اغتصابه لها في ليلة الدخلة صنع حاجزاً بينهما
"أطرق برأسه وجسده ينتفض وكأنه أصيب بمرض الرُّعاش:
- تلك الليلة في القصر ستبقى حائلاً
صرخت فيه:
- لكنني نسيتها يا عطيّة وغفرتها لك
جَعَرَ بصوتٍ كمن يصفع نفسه ويبصق عليها:
- أنت نسيت. لكنني لم أستطع أن أنسى أو أغفر لنفسي" (ص 284)

إن عطيّة يرفض أن يواصل العلاقة التي أرادتها نادية. ويبدو أن ليلى العثمان تريد أن تقول لنا إن الرجل، العبد في مجتمعنا تحرر، في حين أن المرأة، السيدة ليست كذلك، وإنها هي العبدة، وإن العبودية ما زالت موجودة في المجتمع العربي، ومقتصرة على المرأة، مادامت هذه لا تستطيع أن تتصرف وتقرر بمعزل عن الأم والأب والأخ



تصف الروائية النهاية على الصورة التالية: "نشجت.. فالتقم شفتيّ ودموعه تُغرق وجهي، وهمسه العذب يصبُّ في أذني:
- آآآه يا حبيبتي.. ليتني أقدر.
تخلص من ذراعيَّ بصعوبة، وفرَّ منحدراً الدرجات تاركاً قلبي يلعق أساه، وروحي الذائبة المهشّمة وراءه وتهمس:
- آآآه يا عطيّة ... كم أغبطك رغم ما أعانيه، فأنت الآن السيّد الحرّ الذي يتخذ قراره ببسالة الفرسان، بينما أنا – العبدة- الضعيفة أكمن في أسري، وأنتظر من يمنحني شهادة عتقي" (ص285- 286)

اعتمد البناء اللغوي للرواية على نوعين من الصُّوَر، نوعٍ سرديّ وآخر وصفيّ. ويعد وجود نادية في القصر هو الكتلة السرديّة الأولى في "صمت الفراشات"، وهي الكتلة الأكثر جمالاً وتأثيراً وإقناعاً في الرواية، فهي تجعل المتلقي ينفعل ويتعاطف مع نادية، وينفر من العجوز والعبد، ويناهض المال وصاحبه، وبَيْع الفتاة باسم تزويجها، وقَتْل الحياة والقيم في الإنسان بدلاً من إحيائهما.‏
أما النوع الثاني من الصور فهو الصور الوصفيّة، كصورة نايف العجوز في عيني زوجته نادية في بداية ليلة العرس: "خطا متمهلاً تجاهي. ظهره المحدودب يثني رأسه حتى تكاد ذقنه تلامس عظمة صدره. توالدت بداخلي المخاوف مثل دبابير سجينة تتقافز، تتراكض، تحاول بشوكها خرم لحمي لتفر ناجية من عصوف قلبي التي تقرع كطبول إفريقية مجنونة كلما تقدم خطوة نحوي. انتصب أمامي. ظلت عينايّ مسبلتين كارهتين التقاء وجهه. حرّك كفه تجاه وجهي وبسبابة هشة رفع ذقني فتقابل وجهانا" (ص 14)

نلاحظ إيراد فقرات مجازيّة صرف، كقول نادية في التعبير عن حالها في القصر: "اكتظظتُ بالأوجاع، تخمّرت رئتاي برائحة القصر الذي لا تتنفّس فيه الجدران إلا عِللها، وتتثاءب فيه أفواه التماثيل الجامدة تنـزُّ صدأ عصورها المنصرمة" (ص 23)

ربما يبدو الحب بين امرأة ومغتصبها مستغرباً وغير منطقي، لكن الرواية تمضي في هذا الاتجاه ولا تلقي بالاً لمن يعتبرون تلك العلاقة الخاصرة الرخوة التي تفسد جوهر الحكاية

ترى، هل يستسلم الجسد لظله ويقتفي أثره كبخيل يكره ورثته؟

"أي سر جعلني أحب عطيّة؟ هل هو اندفاع قلبي الذي تعذّبت حتى ترممت أشلاؤه بعد تجربتي الخائبة مع جواد؟ هل هي أقدارنا التي يرسمها الله لنا فنمضي مسيّرين؟ أم هي فورة الجسد بعد الصبر والحرمان؟...أنا الآن ملء وعي واكتمال نضوج، لكنني الأرملة التي تصبح في مجتمعنا "سكندهاند" لاتتوقع عريساً إلا أرملاً أو مطلقاً أو متزوجاً راغباً في زواج ثان للمتعة" (ص 242)

على صعيد اللغة قدمت العثمان لغة شاعرية متدفقة، تغلبت من خلالها على طول السرد- أحياناً- على لسان المتحدث الذي هو نادية من خلال استعراض معاناتها. نقرأ على سبيل المثال

"ومثل دودة شبه مهروسة تعاني سكرة الموت، ظللت على الأريكة عاجزة عن الحركة. كل شيء في الغرفة الفخمة يحاصرني بحبال غليظة. وأحسست بصمت مريب يهطل من السقف مثل بقايا رماد المواقد البائت ويتوزع في الغرفة سريعاً، يهبط على الأضواء التي لم تعد قادرة على وأد الظلام الذي غمر روحي وتمازج بأنسجتها. وددت لو أفلت صوتي، أطلق ولو صرخة واحدة تدكُّ القصر فأواجه الفضاء حتى وإن تهت فيه، لكن حنجرتي لم تسعفني. وتاه لساني حتى حسبت أنه قطعة قبل أن يغادر الغرفة. ظلت كلماته تطن في أذني: "عليك أن تعتادي الصمت". كلهم كان يأمرني بالصمت. كانت أمي حين تختلف معي على شأن، حتى وإن كان يخصني، تضغط سبابتها على شفتيها وتقول "اصمتي واسمعيني". أبي له طريقته الخاصة في إصدار الأمر بالصمت. مجرد أن يلمح إشارة الاعتراض على وجهي؛ يصفق بكفيه، فافهم أن عليّ ابتلاع الكلام وصوتي. ولم يكن أخي أرحم" (ص 16)

ثمة مفردات قليلة من اللهجة الدارجة سواء الكويتية أو السورية (الأم) تناثرت بين ثنايا الرواية، وكذلك الأمثال الشعبية وغيرها، مثل "فوق شينها قوات عينها" (ص 78)، وقد يستوقفك استخدام الروائية في سياق الرواية عناوين روايات لأدباء عرب معروفين، مثل "الشمس في يوم غائم" (حنا مينة- ص 156)، و"فخاخ الرائحة" (يوسف المحيميد – ص 211)، و"سيدي وحبيبي" (هدى بركات – ص 256)

لعبة المرآة موجودة في الرواية

"وقفت عارية أمام المرآة أتأمله وأندهش: آآآآهٍ لهذا الجسد المصاغ من لُجين ونور. جلده لم يترهل، ولونه الأبيض لم يفقد نعومته ولمعانه، نابض كقلب، شهيٌّ كفاكهة الصيف. شعرت بالشفقة على نفسي كيف لامرأة مثلي في ريعانها أن تُحرم من يدٍ ترشها بالعطر وتفتح وريقاتها المنطوية؟ تأملت شفتيّ الصابرتين اللتين لم يمسهما حتى جواد الذي أحببته، ولم يتذوقهما غير ذلك العجوز الذي لا يستحقهما، والذي لم يفلح أن يُسيّسهما لتستسلما لهجوم شفتيه الرخوتين. تأملت صدري الناهض الذي كانت قطفته الأولى بكفّيه اليابستين اللتين لم تُحركا فيه ساكناً. انحدرت نحو نصفي الأسفل المنساب نحو بوابة الدخول التي تسلل إليها ثعبان عطيّة الحارق ثم ثعبان العجوز الأشبه بخيارةٍ ذابلة. أيقنت بفرح أن لي جسداً لا يزال بضاً يحتاج ويهتاج وله الحق أن يبحث عن وسيلة ترشُّه بالملح والندى" (ص 210)

أما تصوير اللحظات الحميمة فقد استخدمت فيها ليلى العثمان لغة أدبية خاصة كقولها: "جسدي يرتعد، وانقباضات روحي تتزاحم، تحدرت دموعي تحرق وجنتي، لم أهتم أن أمسحها، قلت ربما لو رآها يشفق علي، يتمهل في فض أوراق الزهرة المرتعشة، يعطيني فرصة لأعتاد عليه، وأتعود كيف ترضخ الفريسة لمفترسها" (ص 19)

عمدت ليلى العثمان إلى تأكيد بعض الكلمات والمشاعر بطريقة الضغط على الحروف من خلال كتابتها حرفاً حرفاً كقولها: "الزمن ي.. ز.. ح... ف وأنا رهينة لأعتام الأيام والليالي متشبثة بالصبر والصمت" (ص 28)

ربّما يصيبك بعض الملل في منتصف الرواية- التي تقع في 286 صفحة- بسبب رتابة القصة، وقد تشعر بالدهشة لأجواء معاصرة يكون فيها "سيد" و"عبد"، وامرأة يفترعها الخادم بأمر من سيدهن ثم إذا بها تسامح الغاصب لأنه مأمور وفاقد للإرادة. غير أن "صمت الفراشات" تبقى ضرورة لفهم جوانب خفية من علاقاتٍ مسكوت عنها

إنها العلاقات المأزومة التي تدخل في دهليز المتعة والحرمان، فتعرف معنى التيه إلى أن تصطدم بحاجز كبير اسمه الواقع

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

10 التعليقات على "كتاب الرغبة (20): الحاجز..والشهقة"

أكتب تعليقا